نصوص

حصريا.. ننشر “الطائر الحكيم” مسرحيّة للأطفال للكاتب السوري أحمد إسماعيل إسماعيل


المسرح نيوز ـ ألمانيا| أحمد إسماعيل إسماعيل*

كاتب مسرح سوري مقيم بألمانيا

ـ

 

 

الطائر الحكيم

 

مسرحيّة للأطفال

 

تنويه:

فازت المسرحية بالمركز الأول في مسابقة الهيئة العربية للمسرح –الدورة الثانية-2009 -2010

 

 ( لما تميزت به من تقنيات فنية عالية، ومشهدية مسرحية، ولغة مكثفة ونظيفة، كما استهدفت استخدام العقل والحنكة والذكاء إلى جانب التشويق والإشباع الفرجوي المبهج والمفرح (

لجنة التحكيم.

 

                                        المشهدُ الأوَّل

 

 

(بستانٌ أخضرُ جميلٌ، أشجارُهُ مختلفةُ الأنواعِ، مُصْطَفَّةٌ بِشَكْلٍ هنْدسيّ دقيق، سَاحةٌ تتوسَّطُ البستانَ، تنقسمُ إلى مستوَيَيْنِ: المستوى الأدنى: أرْضٌ مكْسَوةٌ بالعشبِ الأخضرِ وبعض الشجيراتِ. المستوى الأعلى: مرتفعٌ، تتوزَّعُ عليه أعشاشٌ متلاصقةٌ مَبْنِيَّةٌ بشكلٍ هندسِيّ بديع. في الأسفلِ (المستوى الأدنى) يظهرُ الثعلبُ وهو يحاولُ جاهداً الصعودَ إلى الأعلى؛ حيث أعشاشُ الطيورِ, تنتهي كلُّ محاولاتِه إلى الفشلِ.يُسْمَعُ صوتُ غناءٍ قادم من بَعيد.يهبطُ الثعلبُ إلى الأسفلِ ويبدأ بالغِناءِ والرَّقْصِ مع أربعةِ طيورٍ ذاتِ ألوانٍ مُخْتَلِفَةٍ تَدْخُلُ وهْيَ ترْقُصُ)

 

الطيور   :        عُدْنَا عُدْنَا            يَا بُسْتَانْ

عُدْنَا يَا أحْلى         الأوْطَانْ

تَهْواكَ مِياهُ            الأنْهارْ

بِالْخُضْرَةِ تزْهو         الأشْجارْ

دُمْتَ عَزيزاً           يَا بُسْتَانْ

وَطَناً حُرّاً             يَا بُسْتانْ

(أثناءَ الغِناءِ والرقْصِ يُحاولُ الثَّعْلبُ الوصولَ والانقضاضَ على الطُّيورِ لكنْ دونَ فائدةٍ، تدخلُ الطيورُ إلى أعشاشِها بعْدَ أنْ تنتهيَ منَ الغناءِ والرَّقْصِ، يَقِفُ الثَّعْلبُ بخَيْبَةٍ. يُنادي الطيورَ بِصَوْتٍ عالٍ)

الثعلب : أيَّتُها الطُّيور الصَّديقة، أكْمِلي الغِناءَ والشَّدْوَ، لا يزالُ الوقتُ باكِراً، لَمْ يَحُنْ وَقْتُ النَّوْمِ بَعْدُ، أيَّتُها الطيورُ الصديقةُ. (بِضِيقٍ مَكْتومٍ) اللعْنَةُ عَلَيْكِ أيَّتُها الطيورُ..آهِ لَوْ أنَّني أعرِفُ  كَيفَ أصِلُ إليكِ، كَيْف؟

المشهد الثاني

 

(الوَقْتُ: فَجْرٌ. تُغادرُ الطيورُ الأرْبعةُ أعشاشَها، تحُطُّ على أرضِ السّاحةِ، تَلْتَقِطُ بعضَ حَبَّاتِ الثِّمارِ، تَلعَبُ بِمَرَحٍ. يدخُلُ الثعلبُ، وعندما يشاهِدُ الطيورَ يدورُ حولَها ويُغَنِّي)

 

الثعلب : (يقتربُ من الطيور وهو يؤدي حركاتٍ توحي بالمكر فتبتعدُ عنه وَتُحَلِّقُ عالياً) أوهْ! لماذا ابتعدْتِ أيَّتُها الطيورُ الجَميلة؟ كيفَ سنلعبُ معاً وأنتِ في الأعلى وأنا في الأسفلِ؟ هيّا اهبطِي، سَنلعبُ لعبة أخرى، سنلعب لعبة الاسْتِغْماية (يغمضُ عينيه ويدورُ في المكانِ كَمَنْ يبحثُ عنها) أينَ أنتِ أيَّتُها الطيورُ الصَّديقة؟ أما زِلْتِ في الأعلى؟ هيّا اقترِبي. اقترِبي، أينَ أنتِ؟ (تغادرُ الطيورُ البستانَ وهي تضْحكُ ساخرةً منه، يَفتَحُ عينيْه) هكذا إذاً أيَّتُها الطيورُ اللعِينَةُ؟ (يروحُ ويجيءُ بِضِيقٍ وهوَ يُفَكِّرُ. يَقِفُ فجْأةً، يُدَنْدِنُ بِسرورٍ) يا سَلام..كيْفَ غابَتْ هذهِ الحِيلَة عنْ بالي؟!حِيلةٌ ستجعَلُ الطيورَ تتساقطُ منْ أعْشاشِها كأوراقِ الخريفِ..يا سلام!! (يُغَنّي أغْنيةَ الطيورِ بمرَحٍ ومَكْرٍ وهو يَصْنَعُ فزّاعةً كبيرةً. الوقتُ لَيْلٌ)

المشهد الثالث

 

(ساحةُ البستان. تنتصبُ في وسطها فزَّاعَةٌ كبيرةٌ، يَدْخُلُ الطائر الأصفر وهوَ يُغَنّي بِمَرَحٍ، يُنادي بَيْنَ الفَيْنةِ والأخرى أصدقاءَه. الوَقْتُ: فَجْرٌ).

 

الطائر الأصفر: أيّها الأصْدقاء، هيّا إلى العملِ والتَّحْلِيق، هيّا أيّها الكُسالى.

               (يُدَنْدِنُ وهو يَنْتقِلُ منْ مكانٍ إلى مكان. يَصْطدمُ بالفزَّاعة، يَنْظرُ إليها باسْتغرابٍ ثُمَّ بخوفٍ، يَجْمَدُ في مكانِه كَتمثالٍ، يَدْخُلُ بَعْدَها الطائرُ الأخضرُ وهو يُغَنّي، يَدورُ حَوْلَ الطائر الأصفر مُمازِحاً. يكفُّ عنْ الغِناءِ والدَّوَرَانِ عندما يُلاحِظُ جمودَ صديقِه كتِمثال)

الطائر الأخضر : ما بِكَ أيّها الصديق؟  لماذا تَقِفُ هكذا؟ أيّها الصديقُ..أنتَ أيّها الطائِرُ الأصفُر.. انطُقْ أيّها الحَجَرُ. تكلّمْ أيّها الطِّين.. أيّها الفخار. حَسَن.

(يُقلّدُه وهو يَضْحَكُ، يَقعُ بَصَرُه على الفَزّاعَة، يُطْلِقُ صَيْحَةً مَكْتومة وَقَدْ أربدَ وَجْهه واصْفَرَّ. يجْمدُ هو الآخَر كالتِّمثالِ ناظراً برُعْبٍ إلى الفَزّاعَة. يَدْخَلُ بَعْدَهَا الطائرانِ الأحمرُ والأبيضُ. يَسيرانِ بِحَذَرٍ وتَخَابُثٍ نحو الطائرينِ الآخَرَيْنِ، يُطْلِقانِ مِنْ خَلْفِهما صَيْحاتِ رُعْبٍ. يُكرِّرانِ المُحاوَلة، الطائِرانِ الآخَرانِ لا يتحرَّكانِ. يَتبادَلُ الطائِرانِ نظراتِ الاسْتغرابِ. يَنظرانِ إلى حيثُ يَنْظرُ الطائرانِ الأخضرُ والأصْفرُ، يُشاهدانِ الفزّاعةَ، يُطْلقانِ صَيْحَةَ خَوْفٍ. ويَجْمدانِ في مكانَيْهما مِنْ شِدَّةِ الخَوْف. يَدْخُل الثعلبُ يَقِفُ خَلْفَ الفزّاعة، يُطْلِقُ صَيْحَة مُرْعِبَةً، تَجْفلُ الطيورُ، تُطْلِقُ صَيْحَةَ رُعْبٍ وَتُحَلِّقُ عالياً وَتَدْخُلُ أعْشاشَها، يُطِلُّ الثَّعْلَبُ بِرَأسِهِ مِنْ خَلْفِ الفَزّاعَة، يَنْظرُ نَحْوَ الأعشاشِ بِسُخْرِيَةٍ، يُطْلِقُ صَيْحةً مُرْعِبةً أشبهَ بِصوْتِ الثَّوْرِ)

 

 

المشهد الرابع

 

 

(أعشاشُ الطيور: والتي تشكِّل من الداخل بناءً أشبهَ بشقّةٍ سَكَنيّةٍ ذاتِ غُرَفٍ منفصلةٍ: الأرضُ ممهدةٌ بالأعشابِ الخضراءِ الطرِيّة، والجدرانُ مزيَّنةٌ بأنواع من الريشِ الملوَّن. الطيورُ في حالةٍ من الذهول. الوقتُ: صباح)

 

الطائر الأحمر : (يفرك عينيه) ياهْ..لم أشاهدْ في حياتي كلِّها حُلماً مزعِجاً مثلَ الحلمِ الذي شاهدْتُه ليلةَ أمسِ!!

الطائر الأصفر  : أنا أيضاً شاهدْتُ ليلةَ أمسِ حلماً مزعجاً.

الطائر الأخضر : أُقْسِمُ أنَّ ما شاهدْتُه في منامي ليلةَ أمسِ لم يكنْ مجرَّدَ حُلمٍ مزْعجٍ.بل كان كابوساً.

الطائر الأبيض  :غريب!! أنا أيضاً شاهدْتُ ليلةَ أمس حُلماً مزْعجاً: شاهدت وحشاً عِمْلاقاً ينتصب وسط البستان.

الطيور          : (بذهول) وحشاً ؟!

الطائر الأبيض  : كان وحشاً كبيرَ الحجمِ، غريبَ الشَّكلِ.

الطائر الأصفر  : وكان يُطْلِقُ صيحاتٍ مرْعِبةً.

الطائر الأبيض  : نَعم (يقلد صيحة الثعلب المرعبة)

الطيور          :  غريب؟!

الطائر الأحمر  : كيف شاهدْنا جميعُنا الحُلمَ نفسَه؟! غريب وعجيب!!

الطائر الأبيض  : قد يكونُ السببُ هو أنَّنا أكثرْنا ليلة أمسِ مِنْ تناوُلِ الطَّعامِ.

الطائر الأحمر  : (بمرح) وماذا نفعل إذا كانتِ الفاكهةُ ناضجةً؟

الطائر الأصفر  : وشهيةً.

الطائر الأخضر : وتدعو الناظرَ إلى التقاطِها.

الطائر الأبيض  : (بسخرية) ثُمَّ تدعو الوحشَ إلى أحلامنا.

الطيور          : الوحش؟!

الطائر الأبيض  : (يقلد وقفةَ الفزاعة، ويطلق صوتاً مرعباً) عَوووووو..

                   (تتدافع الطيورُ نحو الطائرِ الأبيض وهي تقلد وقفة الفزاعة وتطلق الأصواتَ المرعبة، يَسُودُ الهرج والمرج، يتناهى إلى مسامعِها صوتُ الثعلبِ المرعب.تصمتُ خائفةً حائرةً، تتقدَّمُ نحو مَدْخَلِ الأعشاشِ بخوف وتردُّدٍ. تُلْقي نظرةً نحو الخارج).

الطيور          : (بهلع) الوحش؟!!

                                ( تسقط جميعها مغشياً عليها)

               

 

                         المشهد الخامس

 

(الساحة. يطلُّ الثعلبُ برأسه من خَلْفِ الفزَّاعة، يُطْلِقُ صيحاتٍ مرعبةً، ثُمَّ يحاولُ الصعودَ إلى الأعشاشِ، يسقطُ أرْضاً، يضربُ الأرضَ بقدَمِهِ بتذمُّرٍ)

 

 

                             المشهد السادس

 

 (داخل الأعشاشِ، تتبادلُ الطيورُ نظراتِ الدهشةِ والخوفِ)

الطائر الأصفر  : غريب!!

الطائر الأحمر  : أكادُ لا أصدق!!

الطائر الأخضر  : الحُلمُ نفْسُه مرة أخرى؟!

الطائر الأبيض   : لم يكنْ ما رأيناه حُلماً يا أصدقاء.

الطيور          : لم يكن حلماً؟!

الطائر الأبيض  : نَعَمْ، لم يكنْ حُلماً، لقد كان حقيقةً.

الطائر الأصفر  : الوحشُ حقيقة؟!

 

         

 

الطائر الأخضر : غيرُ معقول!!

الطائر الأحمر  : لا أصَدِّق!

الطائر الأبيض  : إنه هناك، ينتصِبُ وسط البستان.

(تقترب الطيور من مدخل الأعشاش بخوف وتردُّدٍ، تسمع صوتَ الثعلبِ المرعب،تعود إلى الداخلِ خائفةً مرعوبة)

الطائر الأخضر  : إنه حقيقةٌ فعلاً!

الطائر الأصفر  : سيفترسُنا إنْ خرجْنا من هنا.

الطائر الأخضر  : لن أغادرَ العُشَّ بعدَ اليوم.

الطائر الأبيض   : ما هذا الكلامُ يا صديقي؟!

الطائر الأخضر  : سَأمْكثُ فيه حتى يغادرَ هذا الوحشُ بستانَنا.

الطائر الأبيض   : تمكثُ في العشِّ كالسجين دون أن تحلّق كلَّ يوم في الفضاء؟

الطائر الأخضر  : ماذا أفعل ووحشٌ مفترسٌ ينتصبُ في سماءِ البستان؟

الطائر الأحمر   : والطعامُ والماء! كيف سنحصلُ على الطعامِ والماءِ دونَ أنْ نخرج؟

الطائر الأصفر  : لدينا ما يكفي مِنْ مؤونة.

الطائر الأحمر    : المؤونة قليلةٌ ونحن كُثُرٌ.

(تتبادلُ الطيورُ نظراتِ الحيرةِ والخوفِ)

 

                                         المشهد السابع

 

(في الساحة. الثعلبُ يروحُ ويجيءُ حولَ الفزّاعةِ وهو ينظرُ إلى الأعشاشِ ثُمّ إلى الأرض كَمَنْ يبحثُ عن شيء)

 

الثعلب         : (بِضِيْق لنفْسِهِ) غريب! لم يَسْقطْ حتى طائرٌ واحدٌ؟! كيف قضَتِ الطيورُ يومَها دونَ   طعامٍ وماء؟! فهي لم تغادرْ أعشاشَها و..(بعدَ لحظةِ تفكيرٍ مفاجِئَةٍ) أخشى أن تكونَ لدَيْها مؤونةٌ؟ (بتصميم) لا بَأسَ، سأنتظرُ نفادَ المؤونة، لكنْ أرْجو أنْ تكونَ قليلةً، قليلةً جداً.

               (يتوارى خلْفَ الفزّاعة، يُطْلقُ صيحاتِه المرعبة)

 المشهد الثامن

 

(الأعشاش. يدخلُ طائرٌ صغيرٌ بسرعةٍ وخوفٍ، يَنزوي في زاويةٍ ما، يتناول الحبوب، بعدها

يدخل الطائرُ الأخضرُ وهو غاضبٌ، الوقتُ:  لَيْلٌ )

 

الطائر الأخضر  :  أينَ هوَ؟ أينَ هوَ اللصُّ الذي سرقَ حبوبي؟

(يقع بصرُه على الطائرِ الصغيرِ وهو يلتقطُ الحَبَّ بنَهَمٍ)

أيُّها السّارقُ اللعينُ، هاتِ الحَبَّ.

(يهربُ الطائرُ الصغيرُ، يلحَقُ بهِ الطائرُ الأخضرُ، يطاردُه)

أقسمُ إنّي سأقتلعُ ريشَ جناحيك، وسأحطّمُ منقارَك أيُّها اللصُّ اللعين.

(يُطْلِقُ الطائرُ الصغيرُ صيحاتِ الاستغاثةِ، يدخلُ الطائرُ الأحمرُ، ينظرُ بذهولٍ لِما يحدُثُ)

الطائر الأحمر   : ( بضِيق وعتَبٍ) اتركْه أيُّها الطّائرُ الأخضرُ.

الطائر الأخضر  : سأنتفُ كلَّ ريشِه.

الطائر الأحمر   : دَعْهُ، إنّه صغيري.

الطائر  الأخضر : لنْ أدَعَ هذا اللصَّ قبلَ أنْ أحطِّمَ منقارَه .

الطائر الأحمر   : (بغضبٍ شديدٍ) بلْ أنا مَنْ سيُحَطِّمُ منقارَك أيُّها المغرور.

(تنشب بين الطائرينِ معركةٌ حامِيَةٌ. وبعدَ لحظاتٍ يدخلُ الطائرُ الأبيض ثمَّ الطائرُ الأصفر. يحاولان إيقافَ المعركة)

الطائر الأبيض   : كفى يا أصدقاء.

الطائر الأصفر   : هذا لا يجوز.

(تستمرُّ المعركةُ بينَ الطائرينِ.. يُسمَعُ فجأة صوتُ الثعلب وهو ينادي الطيورَ بصوتٍ يتصنَّعُ الخفوتَ والحذَرَ، تكفُّ الطيورُ كلُّها عن الحركةِ وتنصتُ لصوتِ الثعلبِ باهتمام واندهاش)

صوت الثعلب   : أيَّتها الطيورُ! أيَّتها الطيور الصديقة! إذا كنتِ تريدينَ الحصولَ على الماء والطعام، فاخرجي في الحالِ قبل أن يستيقظَ هذا الوحشُ الجبّار مِنْ نَوْمِه.

الطائر الأصفر   🙁 للطيورِ. بهَمْسٍ واستبشار) طبعاً نريد، لقد نَفَدَتْ مؤونتُنا مِنْ الطّعام والشراب.

الطائر الأحمر   : سيفتكُ الجوعُ بصغارِنا.

الطائر الأخضر  : (بسخرية) هذا صحيح، وقدْ يتحوّلون إلى لصوص.

الطائر الأحمر   : (بغضب) هل تَسْخَرُ منّي أيُّها الطّائرُ الأخضرُ؟

الطائر الأخضر  : لا. (يضحكُ بسخرية).

الطائر الأحمر   : صغيري لمْ يسرقْ، أنتَ واهِمٌ.

الطائر الأخضر  : (بانفعال) أنا واهِمٌ؟

الطائر الأحمر   :  نَعَمْ، وعَديمُ الضميرِ أيضاً.

الطائر الأخضر  : (بانفعال زائد) وأنتَ قليلُ الأدب؟

الطائر الأبيض   : كفى يا أصدقاء.

الطائر الأصفر   : هذا معيب.

الطائر الأخضر  : أنا..

صوت الثعلب   : هيّا تعالي أيَّتها الطيورُ الصديقةُ قبلَ أنْ يستيقظَ الوحشُ.

الطائر الأصفر   : يجبُ أنْ نذهبَ إليه بسرعةٍ.

الطائر الأبيض   : الثعلبُ ماكرٌ ومُخادِعٌ، فكيف نصدّقه؟!

الطائر الأحمر   : هذا صحيحٌ، لكن..

الطائر الأصفر   : سنكونُ حَذِرينَ، اطْمَئِن.

الطائر الأخضر  : مَنْ سيذهبُ إليه؟ هل نذهبُ جميعاً إلى الثعلب؟

الطائر الأصفر   : نعَم. ولِمَ لا؟

الطائر الأبيض   : لا. يجبُ أنْ يذهبَ إليه واحدٌ منّا فقط، الحذرُ واجبٌ كما يُقال.

الطائر الأحمر   : ومَنْ سيذهبُ وحدَه إلى الثعلب؟

(تتبادلُ الطيورُ نظراتِ الحرَجِ، بعدَ لحظاتِ صَمْتٍ)

الطائر الأبيض   : على الرُّغم من أنَّني لا أصدِّق ادّعاءَ الثعلبِ، لكنْ لا بأس، سأذهبُ إليه بنفسي.

(يخرج الطائرُ الأبيضُ بعد تردُّدٍ وخَوْف)

 

 

المشهد التاسع

 

 

(في الساحة. الطائرُ الأبيضُ يقفُ على مرتفع صغير، وعلى مبعدةٍ من الثعلب، الذي يقف في الأسفلِ ويحاولُ التقدمَ نحوَ الطائرِ بمكر)

 

الطائر الأبيض   :  قلْ أيُّها الثعلبُ، إنّي أسْمَعُك.

الثعلب          :  (بمكر) أمّا أنا فلا أسمعُك، اقتربْ منّي أكثرَ يا صديقي.

الطائر الأبيض   : حسنٌ، سأرفعُ صوتي.

الثعلب          : لا تفعلْ يا صديقي، كي لا توقظَ هذا الوحشَ الجبّار.

(يحاول الطائرُ الأبيضُ النظرَ إلى الفزّاعةِ المنتصبة وسطَ الظلْمةِ بخوْف، ولكن بِثِقَة)

ماذا تفعلُ يا صديقي؟ لماذا أنت صامِت؟

الطائر الأبيض   : إني أحاول ُالنظرَ إلى هذا الوحش.

الثعلب          : (بخوف) حذارِ.

الطائر الأبيض   : أريدُ أنْ أعرفَه.

الثعلب          : ما هذا الكلامُ يا صديقي؟! اقتربْ مني كي تعرفَ ما هو أهمُّ،اقتربْ، لماذا لا تقتربُ يا صديقي؟

الطائر الأبيض   : (بسخرية) أقتربُ أم أغمضُ عينيَّ يا صديقَ الطيور؟

الثعلب          : الاثنتينِ. الاثنتين معاً يا صديقي.

الطائر الأبيض   : (بسخرية) كي تفترسَني أيُّها المحتال؟

(يَهمُّ بالتحليق)

الثعلب          : انتظرْ، ألا تريدُ الخلاصَ من هذا الوحش؟ لديَّ حلٌّ مناسب.

الطائر الأبيض   : حلٌّ أم حِيلة؟

الثعلب          : (بِحَيْرة) ألا تريدُ معرفةَ هذا الوحشِ؟  قلتَ: أريد أنْ أعرفَه. أليس كذلك؟

الطائر الأبيض   : (يقف) نَعَمْ. لا بد من معرفةِ عدوِّنا.

الثعلب          : (لنفسه. بضِيق) يا له مِنْ طائرٍ ذكي!

الطائر الأبيض   : قلْ أيُّها الثعلب، ماذا تعرفُ عن هذا العدوِّ؟ لماذا صَمَتَّ؟

الثعلب          :  عينا الوحشِ لا تحدِّقانِ إلى الأسفلِ، لا تريانِ إلاّ كلَّ ما هو في الأعلى.

الطائر الأبيض   : هذا يعني أنّنا لن نستطيعَ التحليقَ في الفضاء؟

الثعلب          : هذا صحيح، لكنكم تستطيعونَ العيشَ في الأسفل، وهذا هو الحلّ.

الطائر الأبيض   : (بغضب) نعيشُ في الأسفل؟! نعيشُ في الأسفلِ كالدجاج؟!

الثعلب          :  ما به الدجاجُ؟ ما ألذَّ لحمَه!

الطائر الأبيض   : ماذا؟

الثعلب          : (بارتباك) قلتُ: ما أهنأَ عيشَه! يسيرُ في الأرض بسلامٍ، وينامُ وهو شَبْعان.

الطائر الأبيض   : لا.

الثعلب          : لا تقُلْ :لا. ستندمُ، وستندمُ الطيورُ كلُّها.

الطائر الأبيض   : ستندمُ الطيورُ إذا رضيتَ بالعيشِ في الأسفلِ كالدَّجاج.

(يحلِّق الطائرُ الأبيضُ عالياً نحو الأعشاش)

الثعلب          : انتظرْ، ستندمُ،وستندمُ الطيورُ كلُّها.(لنفسِه) مغرورٌ.ستموتُ من الجوع والعطشِ.. (لنفسه. بحنق) وسأموت أنا من الحسرة.

(تتناهى إليه أصواتُ الطيورِ وهي تتشاجرُ، يبتسمُ بسرور،يفرك يديه وهو ينظر إلى الأعلى، ينقطع الصوتُ فجأةً، تنطلقُ بعدها أصواتُ الطيور بالغناء.ينظرُ إلى الأعشاشِ بحنق، يُطْلقُ مِنْ خَلْفِ الفزّاعة أصواتاً مرْعبة. ينقطع صوتُ الطيورِ. يسود الصمت)

 

 

المشهد العاشر

 

 

(داخلَ الأعشاش. الطيور تروحُ وتجيء وهي حائرةٌ وقد أنْهَكَها الجوعُ والعطشُ)

 

–                –    ماء.

–     أنا عَطْشان.

–     سيموت صغيري من شدةِ الجوعِ والعطش.

–     حَسْوَةَ ماءٍ لصغيري.

–     حبة قمح لصغيرتي.

–      أنا جَوْعان.

–      النجدة.

 

 

المشهد الحادي عشر

 

 

(الساحة : الثعلبُ يسير وهو متنكِّر بزيِّ ساحرٍ، ينادي بصوتٍ عالٍ وهو يروح ويجيء تحت الأعشاش)

 

الثعلب          : علاجٌ، حلولٌ، أشكالٌ، ألوانٌ:وَصْفات للشجاعة، وَصفات لِطَرْدِ الأشباحِ والعفاريت، وَصْفاتٌ للإيقاع بالخصوم، وَوَصْفاتٌ لِطَرْد الوحوش الغريبة، مَنْ يوَدُّ الحصولَ على وصْفةٍ عليهِ مراجعةُ الساحرِ العجيبِ.. الساحرِ العظيمِ الذي قدِم من بلادِ الهندِ والسِّنْد، وسكَن شرقيَّ البستانِ بجانبِ الساقيةِ تحتَ شجرةِ التوتِ الكبيرة.

(يكرر النداءُ بصوتٍ مرتفعٍ، ثم يغادرُ المكان)

 

 

المشهد الثاني عشر

 

 

(الأعشاش : تتبادلُ الطيورُ نظراتِ الاستغرابِ، ثمَّ تُطْلِق صيحاتِ الفرَح)

 

  • ساحرٌ عجيب؟!
  • ومن بلاد الهندِ والسِّنْد؟!
  • لديه وَصْفاتٌ للشَّجاعة؟
  • وَصْفاتٌ وعِلاجٌ لطرْدِ الوحوش.
  • يا سلام!
  • وأخيراً جَاءَ الحَلُّ.
  • سأملأ بطني بالفاكهةِ والحَب ِّ.
  • وسأحلّقُ في الفضاء.
  • كم اشتقْتُ للطيرانِ ومعانَقَةِ الفضاءِ الفسيحِ.
  • يا سلام.

الطائر الأبيض  : (بسخرية) ساحرٌ عجيب؟

الطائر الأخضر : (بضيق وهو يغمغم) عُدْنا إلى السخرية من السِّحْر والسَّحَرَة.

الطائر الأصفر  : (بسخرية) والحديث عن العقلِ وضرورة التبصُّر.

الطائر الأبيض  : (بضيق) هل تسخرُ من العَقل؟

الطائر الأصفر   : وماذا استفدْنا مِنَ العقل؟ إذا كان للعقل فائدةٌ فَجِدْ لهذا الوحشِ حلاً يا نصيرَ العقلِ والعقلاء.

الطائر الأخضر : أو اجلبْ لنا الطعامَ والشراب.

الطائر الأبيض  : في الأمرِ خدعةٌ يا أصدقاء.

الطيور          : خدعة؟!

الطائر الأحمر  :  ومن سيَخْدَعُنا؟

الطائر الأبيض  : لا أعرف. الوحشُ مثلاً، أو الثعلب.

الطائر  الأحمر : لكنَّ الصوتَ الذي سمعناه لم يكنْ مخيفاً ولا مُرْعِباً مثلَ صوْتِ الوحشِ أو صوت الثعلب.

الطائر الأصفر  : أنتَ واهِمٌ يا صديقَنا نصيرَ العقلِ والعقلاء.

(يضحك بسخرية )

الطائر الأبيض  : حسن، فَلْيَذْهَبْ مَنْ لا يَثِق بكلامي إلى هذا السَّاحرِ.

(تصمت الطيورُ وهي تتبادل النظراتِ بحرَجٍ)

ما بكم؟  لماذا صَمَتّم؟

الطائر الأخضر : (بتردُّدٍ) هل نذهَبُ كلُّنا إلى السّاحر؟

الطائر الأبيض  : إذَنْ لَمْ يَقْتنِعْ أحدٌ برأيي؟

الطائر الأحمر  :  لماذا لا نجرِّبُ هذا الحلَّ يا صديقَنا؟

الطائر الأبيض  : حسن، فَليذْهَبْ أحدُكم خيرٌ مِنْ أنْ يذهبَ الجميعُ. لا بدَّ مِنْ تَوَخِّي الحَذَرِ دائماً.

الطائر الأخضر : ومَنْ سيذهبُ؟

الطائر الأصفر  : (بعد تردُّد) أنا. أنا مَنْ سيذْهَبُ.

الطائر الأحمر  : كُنْ حَذِراً يا صديقي.

الطائر الأبيض  : اهبطْ بسرعةٍ إلى الأسفلِ،تَدلَّ من الشجرة بهدوءٍ وسرعة،وكُنْ حذِراً،لا تنسَ  ذلك، فقد يكونُ في الأمر خدعةٌ.

الطائر الأصفر  : سأفعلُ ذلك، وسأمضي فوراً إلى الساحر؛ سأسير على قدمي كالدجاج.

الطائر الأبيض  : (بسخرية) كالدجاج؟!

الطائر الأحمر  : (بضيق) كالدجاج،أو كالفأر..ليس هذا هو المهمَّ يا صديقَنا الفَهْمانَ،المهمُّ هو أنْ نَجِدَ وسيلةً للخلاصِ منْ هذا الوحش.

الطائر الأخضر : هذا صحيح.

الطائر الأصفر  : نَعَم، المهمُّ هو أنْ نتخلَّصَ مِنْ هذا الوحشِ.

الطائر الأبيض  : (بأسف) كَمْ أنتم مخطئون يا أصدقاء!

الطائر الأصفر   : أف. سأذهبُ للنومِ كي أستيقظَ باكراً.

الطائر الأحمر   : يجبُ أنْ تنطلقَ غداً صباحاً إلى الساحرِ قبل أنْ يستيقظَ الوحشُ.

الطائر الأخضر  : إلى النومِ إذاً.

(يغادرون المكانَ متجهين نحو الداخل، يبقى الطائرُ الأبيضُ وحدَه وهو يفكّر)

 

 

 

 

المشهد الثالث عشر

 

(الزاوية الشرقية من البستان، شجرةُ توتٍ كبيرةٌ تجري من تحتها ساقيةٌ ماؤُها صافٍ ورقيق، الثعلبُ الذي تنكَّرَ بزِيِّ ساحرٍ عجوزٍ يجلِسُ إلى جانبِ الشجرةِ وأمامَه قِدْرٌ كبيرٌ تتصاعدُ منها الأبخرةُ وإلى جانبه أعوادٌ، وقطعُ أقمشةٍ قديمةٍ وممزقةٍ. يتقدَّمُ منه الطائر الأصفر بحَذَرٍ، فيغمضُ الثعلبُ عينيهِ ويرفعُ صوتَه بكلماتٍ مبهمةٍ وغيرِ مفهومة)

 

الطائر الأصفر   : (برهبة) سيّدي الساحر العظيم.

الثعلب          : (يغمغم وهو مغمضُ العينين) بررر.. بررر.

الطائر الأصفر   : سيدي أنا..

الثعلب          : وحشٌ جبَّارٌ.. يا سَتّار، يا سَتّار!

الطائر الأصفر  : إنّه هو يا سيدي، إنّه وحشٌ جبّارٌ، قدماه في الأرض، ورأسُه الكبيرةُ تطاولُ رؤوسَ    الأشجار.

الثعلب          :  أنيابُه حديدٌ.. مخالبُه فولاذٌ. يا سَتّار.. يا سَتّار!!

الطائر الأصفر   : (بخوف ) يا سَتّار!!

الثعلب          : قدِم من بلادِ الواق واق.

الطائر الأصفر   : ( بخوف زائد ) واق؟!

(يؤدي الثعلبُ بعضَ الحركاتِ الإيمائية، يقتربُ من الطائرِ الأصْفَرِ، يتلمَّسُه باشتهاء)

كيف الخلاصُ من هذا الوحشِ يا سيّدي الساحر العظيم؟

(يدور الثعلبُ حول الطائرِ، ينظر حولَه، يؤدي بعضَ الحركاتِ الاستعراضية)

الثعلب          : أينَ البقيةُ أيُّها الطائرُ الجميلُ؟

الطائر الأصفر   : مَنْ.. مَنْ تعني بالبقية يا سيدي؟

الثعلب          : الطيور.. الطيورَ الحلوةَ، الجميلةَ، اللذيذة؟

الطائر الأصفر   : إنها هناك، في الأعشاش، بانتظارِ ما ستقدِّمُه لنا مِنْ حَلٍّ لهذا الوحْشِ.

الثعلب          : (بحَنَق، بصوت منخفض) هكذا إذاً؟ اللعنةُ عليكِ أيَّتُها الطيور.

الطائر الأصفر   : ماذا قلتَ يا سيدي؟

الثعلب          : قلتُ : يجبُ أنْ تأتيَ الطيورُ كلُّها إلى هنا لتطبيقِ الوصفة مباشرةً، أقصدُ العلاج.

الطائر الأصفر   : وهل العلاجُ ناجعٌ؟

الثعلب          : نَعَمْ. هيّا اذهبْ إليها واطلبْ منها المجيءَ إلى هنا بسرعة.

الطائر الأصفر   : ما هو العلاجُ؟

الثعلب          : ستعرفُه حينَ تحضرُ الطيورُ إلى هنا، هيّا اذهبْ قبلَ أنْ يستيقظَ الوحشُ.

(يهمُّ الطائرُ الأصْفَرُ بالانطلاقِ نحوَ الأعشاشِ، يتردَّدُ)

ما بكَ أيُّها الطائر؟

الطائر الأصفر   : إنّي خائفٌ، أخشى أنْ يستيقظَ الوحشُ فجأةً و..( يصمت بخوف)

الثعلب          : لا تخْشَ شيئاً، اطمئِن، سأُلقي على الوحشِ تعاويذَ تطيلُ فترةَ نَوْمِه قليلاً.

(يغمغم بكلماتٍ مُبْهَمة، ويؤدي حركاتٍ إيمائيةً،يلتفتُ ناحيةَ الطائر الأصفر الذي يتابعُه باندهاشٍ) الآن،انطلقْ،هيّا بسرعة قبل أن تنتهيَ فترةُ تنويمِ الوحشِ،هيّا عجِّلْ أيُّها الطائر.

الطائر الأصفر   : حاضِر، حاضر يا سيدي.

(يخرجُ الطائر الأصْفَرُ بعد تردُّد، يفركُ الثعلبُ يديهِ فرحاً)

الثعلب          : (لنفسه) ستكونُ وليمةً دَسمة، سأفترسُها كلَّها دفعةً واحدةً. يا سلامْ! منذُ زمنٍ لم أتناولْ لحمَ الطيور.. لكنْ كيفَ سأنقضُّ عليها كلِّها ؟كيفَ يا ثعلوب..كيف؟ كيف؟؟

(يروحُ ويجيء وهو يفكِّر مؤدِّياً بعضَ الحركاتِ، يدخلُ الطائر الأصفر بخوفٍ وانكسار)

أهلاً أيُّها الطائرُ الجميل، هلْ جاءتِ الطيور؟ أين هي؟

(يبحث عنها في جَنَبات المكان) أيتُها الطيور.. أينَ أنت؟ هل أنتِ خائفةٌ من الوحش؟

هيا اخرجي وسترَيْنَ ماذا أفعلُ بكِ..أقصدُ: به،به هو، بهذا الوحشِ،الوحشِ القادمِ من بلادِ الواقْ واقْ..

الطائر الأصفر   :  لم تأتِ الطيورُ يا سيّدي.

الثعلب          :  ماذا؟

الطائر الأصفر   :  قال الطائرُ الأبيضُ: يجبُ أنْ نعرفَ  الوصفةَ قبلَ المجيءِ إليك.

الثعلب          : (بانفعال) ما هذا الكلامُ الغريب؟ أنا السّاحر، الساحرُ العظيم،لا يجرؤُ أحدٌ على التشكيكِ في قُدُراتي العظيمة، ألَمْ ترَ كيفَ جعَلْتُ الوحشَ يغطُّ في نومِه؟ قُلْ: ألَمْ  أفعلْ ذلك؟

الطائر الأصفر   : (بخوف وحرَج) بلى يا سيدي، بلى. لقد مررتُ بجانبِ الوحشِ ونظرتُ إليه، فَلَمْ  يحرِّكْ ساكناً، لم يمسَّني بسوء، كانتْ عَيناه مُغْمَضَتَيْنِ، كانَ يغطُّ في نومٍ عميق.

الثعلب          :  هُسْ. لا ترفعْ صوتَك، لماذا نظرتَ إليه أيُّها الأحمق؟

الطائر الأصفر   : لولا قراءَتُك التعاويذَ ما كنتُ أجرؤُ على الاقترابِ منه، أو النظرِ إليه.

الثعلب          : (لنفسه) اللعنةُ عليَّ.(للطائر الأصفر) هل أخبرْتَ بقيَّةَ الطيورِ بما رأيتَ يا صديقي؟

الطائر الأصفر   : لا.

الثعلب          : (بسرور) أحسنت. والآن اقتربْ مِنّي أيُّها الطائرُ الجَميل، سأقدِّمُ لك وصفةَ الخلاصِ مِنْ هذا الوحشِ الجبَّار، (لنفسه) اقتربْ أيُّها الأحمقُ كي أفترسَك، فطائرٌ في اليَد خَيْرٌ من عشَرة على الشجرة، أو في العشِّ

الطائر الأصفر   : قُلْ يا سيدي، إنّي أسمعُك.

الثعلب          :  قَدْ يسمعُنا الوحشُ.

الطائر الأصفر   : اطمئنْ، مازال الوحشُ نائماً أيُّها الساحرُ العظيم.

الثعلب          : (بحنق.لنفسِه) أيُّ ساحرٍ أحمق أنا؟ (للطائرِ الأصْفَرِ)هلْ تخشى الاقترابَ منّي؟ أنا الساحرُ  العَجيبُ، ولدَيَّ علاجٌ لهذا الوحش. اقتربْ.

الطائر الأصفر   : حاضر.

(يتقدَّمُ من الثعلب، ثم يتراجعُ بعد أن يدققَ النظرَ في وجهه)

الثعلب          : ما بك؟ هيا تقدَّمْ قبلَ فواتِ الأوان.

الطائر الأصفر   : (لنفسه) لن أقتربَ، لقد طلبَ الطائرُ الأبيضُ مني ألاّ أفعلَ ذلك.

الثعلب          :  هيا اقتربْ.

الطائر الأصفر   : إني أسمعُك يا سيدي، فقلْ لي: ما هي الوصفة؟

الثعلب          : (بحنق وخيبة) تبّاً لك.

الطائر الأصفر   : ماذا قلتَ يا سيدي؟

الثعلب          : قلت..قلت: للخلاصِ من شرِّ هذا الوحشِ لا بدَّ من أنْ تـنزعَ الطيورُ أجنحتَها.

الطائر الأصفر   : تنزع أجنحتَها؟!

الثعلب          : ثم تحرقَها.

الطائر الأصفر   : تحرقها؟!

الثعلب          : ثم تذرو الرمادَ في الهواءِ المتّجهِ نحو الوحشِ، فيسقطُ الوحشُ على الأرضِ كتمثالٍ من  قش.

الطائر الأصفر   : عظيم،وبذلكَ سنتخلَّصُ منْ شرِّ..(بعد تفكير قصير) لكنْ كيفَ سنحلقُ في الفضاءِ  بلا أجنحة يا سيدي؟

الثعلب          : لا تحلقوا في الفضاء.

الطائر الأصفر   : وكيفَ سنصعدُ إلى أعشاشِنا ؟

الثعلب          : اسكنوا في أرضِ البستانِ حتى تنبُتَ لكمْ أجنحةٌ جديدة.

الطائر الأصفر   : سيفتَرِسُنا الثعلبُ الغدّار؟

الثعلب          : اطمئنْ، لقدْ أصبحَ الثعلبُ طيباً.

الطائر الأصفر   : إنَّهُ ماكرٌ، ولا يُمْكِنُ أنْ يصبحَ طيباً يا سيدي.

الثعلب          :  لقد جعَلْتُهُ، أنا الساحِرُ العظيمُ، طيباً.

الطائر الأصفر   : لا تحاولْ يا سيدي، إنّهُ وحشٌ بلا قلب.

الثعلب          : يبدو أنّكَ تكرهُ الثعلبَ كثيراً؟

الطائر الأصفر   : ومَنْ يُحِبُّ عدوَّهُ؟ كمْ أتمنى أنْ أقتلِعَ أنيابَهُ التي يفترسُ بها الطيور!

الثعلب          : هكذا إذاً !

الطائر الأصفر   : نعمْ، وأتمنى أنْ أجدعَ أنفَه.

الثعلب          : (بحنق يزداد) وتجدعَ أنفَهُ أيضاً ؟

الطائر الأصفر   : وأنزعَ فروةَ رأسِه، وأكسِرَ أضلاعَ صدرِه.

(يعوي الثعلب ويهاجم الطائر الأصفر الذي كان قد اقترب من الثعلب كثيراً)من؟ الثعلب؟!

الثعلب          : نعمْ أيُّها الأَحْمَق.

(يطاردُ الطائرَ الأصفر، يحلِّقُ الطائر الأصفر عالياً نحوَ الأعشاش،بضيق) تباً له.كيفَ أُفْلِتَ مني؟  لقدْ أفسدْتُ كلَّ شيء، ماذا أفعلُ بعدَ الآن ؟ وإلى أيّةِ حيلةٍ ألجأ؟

(يختبئ خلف الفزاعة، يطلق صيحات مرعبة)

 

 

المشهد الرابع عشر

 

 

(داخلَ الأعشاش، الطيورُ جالسةٌ حولَ الطائر الأصفر وهيَ في حالةِ خوفٍ وقلق)

 

الطائر الأبيض   : هكذا إذاً ؟ كانتْ خدعةً ماكرةً منَ الثعلب ؟

الطائر الأصفر  : لقدْ كنتَ على حقٍّ يا صديقي،لولا الحذرُ الذي أوصيْتَني بهِ لكنتُ الآنَ في جوفِ الثعلب.

الطائر الأحمر   : اللعنةُ على الثعلب.

الطائر الأبيض   : (يضحكُ بسخرية) لنْ تغلبَ عدوَّكَ باللعناتِ يا صديقي.

الطائر الأحمر   : (بضيق) أف.

الطائر الأخضر :قلْ لنا يا صديقَنا؛كيفَ استطعْتَ التحليقَ في المرةِ الثانيةِ دونَ أنْ يفترِسَكَ هذا الوحش؟

الطائر الأصفر  : لقدْ كانَ الوحشُ نائِماً، رأيْتُ عينيْهِ مغْمَضَتَيْن.

الطائر الأخضر  : (للطائر الأبيض) وهلْ تَنامُ الوحوش ؟

الطائر الأبيض   : لا أعرف،(للطائر الأصفر) لكنْ كيفَ لمْ يستيقِظْ حينَ مَرَرْتَ بجانبِهِ وأنتَ تطير؟

الطائر الأصفر  : لأنَّهُ كانَ مسحوراً، تعاويذُ الساحرِ جعلَتْهُ يغطُّ في نومٍ عميق.

الطائر الأحمر   : الساحر؟!

الطائر الأصفر  : نعمْ، كانَ مفعولُ السحرِ قوياً، فعندما حلَّقْتُ..

(يصمتُ فجأةً عندما يلاحظُ نظراتِ الاستغرابِ والسخريةِ على وجوهِ الجميع)

كيفَ لمْ أنتبِهْ لذلك؟  الساحرُ كانَ خدعةً، خدعةً منَ الثعلب!!

الطائر الأخضر  : غريب!

الطائر الأحمر   : إذا كانَ الساحرُ هو الثعلبُ الماكر، فهذا يعني أنَّ الوحشَ لمْ يكنْ مسحوراً؛ فلماذا لمْ يستيقظْ ويفترسْكَ؟

الطائر الأصفر  : (بخوف) لا أعرف، لكنَّني نظرْتُ إليْهِ ورأيْتُ عينيهِ مغمضتين.

الطائر الأبيض   : (وهو يفكر) في الأمرِ سرٌ ما ! ويجِبُ أنْ نعرفَه.

الطائر الأصفر  : كيف؟

(يُسْمَعُ صوتُ أنينِ طائرٍ صغير، ينصتُ الجميع)

الطائر الأحمر   : إنَّهُ أنينُ طائرٍ صغيرٍ يحتضرُ منْ شدّةِ الجوع.

الطائر الأصفر  : لقدْ بدأَ الجوعُ والعطشُ يفتكُ بالصغار.

الطائر الأخضر  : ماذا نفعل؟

(يدخلُ طائرٌ صغيرٌ وهوَ يترنحُ منْ شدةِ الجوعِ والعطش)

الطائر الأحمر   : (وهو يقفزُ ناحيةَ الطائرِ الصغيرِ بخوف) صغيري الحبيب؟

الطائر الصغير   : (بإعياء شديد) ماء. ماء.

الطائر الأحمر   : ماء.. مَنْ لديْهِ حسوةُ ماءٍ يا أصدقاء. صغيري يموت.

(يتبادلُ الجميعُ نظراتِ العجزِ والحسرة)

الطائر الصغير   : ماء..

الطائر الأحمر   : (بحيرة وضيق) ماء..مِنْ أينَ سأجلبُ لصغيري الماء. مَنْ لديه ماء، حسوةٌ واحدةٌ تكفي. أرجوكمْ يا أصدقاء، صغيري يموت. أنْقِذوه.

الطائر الأبيض   : لمْ يعدْ لدينا ماء يا صديقنا.

الطائر الأحمر   : لكنَّ صغيري سيموتُ منْ شدّةِ العطش.

الطائر الأخضر  : اصبرْ يا صديقي.

الطائر الأبيض   : نعم، اصبرْ يا صديقَنا ريثَما نجدُ وسيلةً للخلاص.

الطائر الأحمر   : أريدُ الماءَ الآن. سيموتُ صغيري، منْ أينَ سأحصلُ على الماء ؟

الطائر الأصفر  : ليسَ في الأعشاشِ ماءٌ يا صديقي.

الطائر الأخضر  : ولا طعام.

الطائر الأبيض   : ولا هواء.

الطائر الأحمر   : ماذا في الأعشاشِ إذاً ؟لمْ يبْقَ لنا هنا سوى الموتِ جوعاً، أو عطشاً، أو خوفاً..وأنا لا أريدُ أنْ أموتَ هنا، ولا أريدُ أنْ يموتَ صغيري هنا. سأرحلُ،سأتركُ هذا المكانَ وأرحلُ بعيداً عنْ هذا المكان، سأرحلُ إلى حيثُ يوجدُ ماءٌ وطعام، وفضاءٌ أُحَلِّقُ فيه.

(يحمِلُ صغيرَهُ ويَهُمُّ بمغادرةِ الأعشاش)

الطائر الأبيض   : كيفَ تتركُ البستانَ وترحل؟ إنَّهُ بستانُنا الحبيب.

الطائر الأحمر   : بستانُنا الحبيب؟! وحشٌ في الأعلى يمنعُ عنّا التحليقَ في الفضاءِ وآخرُ في  الأسفلِ يمنعُ عنا الطعامَ والشراب، وتقولُ عنْهُ الحبيب ؟!

الطائر الأخضر  : هذا صحيحٌ يا صديقي .

الطائر الأصفر  : نعمْ، إنكَ تقولُ الصدق.

الطائر الأبيض   : ما هذا الكلامُ يا أصدقاء؟ إنهُ بستانُنا، إنه أحلى الأوطان، هلْ نَسِيْتُمْ ذلك؟

(يغني )

عدنا عدنا   يا بستانْ

عدنا يا أحلى الأوطانْ

الطيور           : (تغني)       هواكَ مياهُ الأنهارْ

وتؤوبُ إليكَ الأمطارْ

بالخضرةِ تزهو الأشجارْ

بالشَّدْوِ تُغَنّي الأطيارْ

دمْتَ عزيزاً يا بستانْ

وطناً حراً  يا بستانْ

الطائر الأخضر  : وطنُنا جميلٌ يا أصدقاء.

الطائر الأصفر  : إنَّهُ أمانةُ الأجدادِ والآباء، ويجبُ أنْ نحافظَ عليه.

الطائر الأبيض   : إنهُ مخزنُ الذكريات، في كلِّ ركنٍ فيه لنا ذكرى.

الطائر الأصفر  : وفي كل شبرٍ منْ أرضِهِ لنا عِبْرة.

الطائر الأخضر  : في سمائِهِ نُحَلِّقُ بسعادة.

(يئن الصغير)

الطائر الأحمر   : اصبرْ قليلاً يا صغيري .

الطائر الصغير   : أبي.. ماء يا أبي .

الطائر الأحمر   : سأجلُبُ لكَ الماءَ، يجبُ أنْ أجلبَ لكَ الماء.

الطائر الأبيض   : اصبرْ يا صغيري. سنجدُ الحلَّ، وستشربُ الماء، وستلتقطُ الحَبَّ والفاكهة.

(يزدادُ أنينُ الطائرِ الصغير،يزدادُ قلقُ الطائرِ الأحمر.يحملُ بعدَها صغيرَهُ ويتَّجِهُ نحوَ مدخلِ الأعشاش)

الطائر الأخضر  : ماذا ستفعلُ يا صديقَنا؟

الطائر الأحمر   : سأرحلُ، منْ أجلِ صغيري يجبُ أنْ أرحل.

الطائر الأبيض   : انتظرْ. ابْقَ. سنجدُ طريقةً للخلاص. لنفكرَ معاً.

الطائر الأحمر   : (وهوَ يخرجُ حاملاً صغيرَهُ) إلى اللقاء.

(يغادرُ الأعشاش، تتبادلُ الطيورُ نظراتِ الحزنِ والحيرة)

 

المشهد الخامس عشر

 

 

(ساحة البستان :الطائرُ الأحمرُ وصغيرُه يتنقلانِ في الساحةِ بحذرٍ وخوف، يلتقطانِ الفاكهةَ ويحسوانِ الماءَ بشراهة، يبدأُ الصغيرُ باللعبِ والغناء،يدخلُ الثعلب،يطاردُهما،يلاحقُ الطائرَ الصغير، يحاولُ الطائرُ الأحمرُ حمايَتَهُ، يدخلُ الطائرُ الصغيرُ في حفرةٍ صغيرةٍ في جذعِ شجرةٍ كبيرة. يحلقُ الطائرُ الأحمرُ نحوَ الأعشاش، يضربُ الهواءَ بجناحَيْه. بعدَ أنْ كانَ يحلقُ حولَ الفزاعة)

 

 

المشهد السادس عشر

 

 

(داخلَ الأعشاش، الطائرُ الأحمر أمامَ الطيورِ وهو يلهثُ من شدةِ الخوفِ والتعب،ثم يروحُ ويجيءُ بقلق، ينظرُ بيْنَ الفينةِ والأخرى إلى خارجِ الأعشاش،ينادي صغيرَهُ ثم يعودُ وهوَ يغمغمُ من شدةِ الخوفِ والقلق، تتابعُ الطيورُ ما يفعلُهُ الطائرُ الأحمرُ باستغراب)

الطائر الأبيض   : ماذا حدثَ يا صديقي؟

الطائر الأصفر  : لماذا عدْت ؟

الطائر الأخضر  : أين هوَ صغيرُك؟

الطائر الأحمر   : إنهُ في خطر، صغيري الحبيبُ في خطر.

الطائر الأبيض   : اهدأ يا صديقي، وقلْ لنا ماذا حدث.

الطائر الأحمر   : الثعلب. سيفترسُ الثعلبُ صغيري، إنَّهُ هناكَ، داخلَ ثقبٍ في جذعِ شجرةٍ كبيرة.

الطائر الأخضر  : اهدأ قليلاً.

الطائر الأحمر   : الثعلبُ يحاصرُهُ، يدورُ حولَهُ، سيفترسُهُ. ماذا أفعل؟  أكادُ أُجَنّ.

(تتبادلُ الطيورُ نظراتِ الخوفِ والحيرة، ويسودُ الصمت، فينطلقُ الطائرُ الأحمرُ إلى الخارج)

الطائر الأبيض   : إلى أين يا..

الطائر الأصفر  : عدْ أيها الطائرُ الأحمر. سيفترسُكَ الوحش.

(يُسْمَعُ صياحُ الطائرِ الأحمرِ وعواءُ الثعلبِ قادمين منَ الخارج،تنصُتُ الطيورُ بخوفٍ.ينقطعُ الصوت)

الطائر الأخضر  : لقدِ انقطعَ الصوت.

الطائر الأصفر  : أخشى أنْ يكونَ الثعلبُ قدِ افْترسَه.

(يتجهُ الطائرُ الأبيضُ نحوَ مدخلِ الأعشاش، يُلقي نظرةً خاطفةً نحوَ الخارج)

الطائر الأخضر  : حَذارِ أيها الصديق.

الطائر الأصفر  : عدْ قبلَ أنْ يراكَ الوحش.

الطائر الأبيض   : يجبُ أنْ نفعلَ شيئاً.

الطائر الأخضر  : وماذا نستطيعُ أنْ نفعلَ معَ الثعلبِ والوحش ؟

الطائر الأصفر  : كانَ يجبُ علَيْهِ أنْ يصبِرَ مثلَنا. لقدِ اسْتعجلَ بالرحيل.

الطائر الأبيض   : (بضيق) ما هذا الكلام؟ صديقُنا في خطرٍ ويجبُ أنْ نمدَّ لهُ يدَ المساعدة.

(تترددُ الطيورُ في اتخاذِ القرارِ، يدخلُ بعدَ قليلٍ الطائرُ الأحمرُ وهوَ يلهث،تندفعُ نحوَهُ الطيورُ وتحيطُ به)

الطائر الأبيض   : أين صَغِيْرُك؟

الطائر الأخضر  : هلِ افْتَرَسَهُ الثعلب؟

الطائر الأحمر   : لا،لمْ يفترسْهُ، لكنَّهُ يحومُ حولَهُ وهوَ يعوي،لكنْ أخشى أن يموتَ صغيري من شدةِ الخوف.

الطائر الأصفر  : (بعدَ صمتٍ وحيرة) غريب، أَلَمْ يَرَكَ الوحش؟!

الطائر الأبيض   : نعمْ يا صديقي، ألم يحاولِ الْوَحْشُ افتراسَكَ وأنتَ في الفضاء؟ لقدْ رأيْتُكَ تحلقُ في سماءِ البستان.

الطائر الأحمر   : (بذهول) لا. مرَرْتُ بجانبِهِ أكثرَ من مرةٍ ولمْ..(يصمتُ فجأة )

الطائر الأخضر  :  ولمْ .. ماذا ؟

الطائر الأبيض   : ألمْ يحاولِ الانقضاضَ عليك؟ أوْ إطلاقَ صيحةٍ مرعبة؟

الطائر الأحمر   : ( بذهول ) لا.لم أشاهدْهُ يتحرك، كانَ ساكناً وجامداً كتمثال.

الطائر الأبيض   : (وهو يفكر) ما حكايةُ هذا الوحشِ الغريب؟!

الطائر الأحمر   : تذكرت..

الطائر الأبيض   : ماذا تذكرت؟ قل.

الطائر الأحمر   : الوحش، عندما مررْتُ بجانبِهِ وأنا أضربُ الهواءَ بجناحَيَّ بقوة شاهدتُهُ يهتز..اهتزَّ عندما مسَّهُ الهواءُ الذي كنتُ أضربُهُ بجناحَيّ.

الطائر الأبيض   : ماذا ؟

الطائر الأخضر  : (بسخرية) لاشكَّ أنَّكَ تمزحُ يا صديقي .

الطائر الأحمر   : (بضيق) إنّي جاد. (يهبُّ من مكانِهِ فجأةً) صغيري.

(يتجه نحو مدخل الأعشاش، ينادي صغيره بخوف)

الطائر الأبيض   : أكادُ لا أصدقُ ما أسمع!

الطائر الأخضر  : (بصوت منخفض) لا تصدقْ يا صديقي،لا بدَّ أنْ يكونَ صديقُنا واهماً.بلْ إنه واهمٌ فعلاً.

الطائر الأصفر  : لا.صديقُنا ليسَ واهماً، إنَّهُ على حق.لأنَّ الشيءَ نفسَهُ حدثَ معي حينَ ذهبْتُ إلى الساحر.

الطائر الأخضر  : تقصُدُ: الثعلب.

الطائر الأصفر  : نعم، الثعلب الماكر.

الطائر الأبيض   : دعْكَ من الثعلبِ الآنَ وقلْ لي ما هوَ الشيءُ نفْسُهُ الذي حدثَ معك؟

الطائر الأصفر  : اهتزازُ الوحش.

الطائر الأبيض   : وهلْ حدثَ ذلكَ بفعلِ الهواءِ المضروبِ بجناحَيْك؟!

الطائر الأصفر  : نعمْ، شاهدْتُهُ يهتزُ ويتأرجحُ ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشمال.

الطائر الأخضر  : ماذا جرى لعقولِكُم يا أصدقاء؟ إنكمْ تتحدثونَ عنِ الوحشِ وكأنَّهُ عصفورٌ في مَهَبِّ  الريح!

الطائر الأصفر  : (للطائر الأخضر) لماذا لا تصدقُ ما نقولُه؟

الطائر الأخضر  : لأنَّهُ غيرُ معقول.

الطائر الأصفر  : بل معقول، لقد رأيْتُ ذلكَ بعينيَّ هاتين.

(الطائرُ الأبيضُ يجلسُ في مدخلِ الأعشاشِ وهوَ يفكرُ ويُلقي نظراتٍ سريعةً نحو الأسفل، الطائرُ الأحمرُ الذي كانَ يروحُ ويجيءُ بقلقٍ، يصيحُ غاضباً)

الطائر الأحمر   : كفى جدالاً، صغيري في خطر وأنتما تتجادلان.

الطائر الأبيض   : غريب!

الطائر الأصفر  : ماذا حدث؟

الطائر الأحمر   : ماذا حدثَ لصغيري؟ هلِ افْترسَهُ الثعلب؟

الطائر الأبيض   : غريبٌ وعجيب!!

الطائر الأخضر  : هلِ اسْتيقظَ الوحش؟ هل سيهاجِمُنا؟

الطائر الأبيض   : الوحش. لقدِ اهتزَّ الوحش.

الطائر الأخضر  : اهتز؟!

الطائر الأبيض   : زوبعةٌ صغيرةٌ مرَّتْ بسرعةٍ فهزتْهُ وكادَتْ أنْ تسقطَهُ.

الطيور           : تسقطُ مَنْ؟!

الطائر الأبيض   : الوحش.

(تتبادلُ الطيورُ نظراتِ الحيرةِ والاندهاش)

كانَ ساكناً جامداً، لم يطلقْ حتى صيحة!!

الطائر الأصفر  : هذا ما حدثَ معي أيضاً.

الطائر الأحمر   : ومعي أيضاً، ماذا يعني هذا؟

الطائر الأخضر  : يعني..أعتقدُ أنه يعني: أنَّ الرياحَ وحدَها  قادرةٌ على هزِّ الوحش.(للطائرِ الأبيض) أليسَ كذلكَ يا أخي؟

الطائر الأبيض   : نعمْ، وإسقاطِهِ أيضاً.

الطائر الأخضر  : (بهلع) إسقاطِهِ؟! كيف؟ الأمرُ ليسَ بهذهِ البساطةِ يا أخي، إنه الوحشُ: الوحشُ الجبار.

الطائر الأحمر   :  دعوا الرياحَ وفكروا بطريقةٍ أنقذُ بها صغيري، صغيري الحبيب.

الطائر الأبيض   : اصبرْ يا أخي.

الطائر الأحمر   : أصبر؟! إلى متى؟  إلى متى تريدُ مني أنْ أصبرَ وصغيري في خطر؟

الطائر الأبيض   : (في حيرة) إلى.. إلى أنْ تهبَّ الرياح.

الطائر الأصفر  : هذا صحيح، ويجبُ أنْ تكونَ قويةً كيْ تسقطَهُ شرَّ سقطة.

الطائر الأحمر   : ومتى ستهبُّ هذهِ الرياحُ التي ستُسْقِطُ الوحش؟

الطائر الأصفر  : لا أعرف، لكنَّها ستهب،لا بدَّ أن تهب، أليسَ كذلكَ يا صديقَنا الطائرَ الأخضر؟ لماذا لا تتكلم؟

الطائر الأخضر  : نعمْ، لابدَّ أنْ تهبَّ، ولكنَّني خائفٌ، أخشى أنْ تُخَرِّبَ الرياحُ القادمةُ أعشاشَنا أيضاً.

الطائر الأبيض   : (كَمَنْ عَثَرَ على فكرةٍ جديدة)هذا صحيح، قدْ تخربُ الرياحُ القادمةُ أعشاشَنا وقدْ تَكْسِرُ أغصانَ أشجارِ بستانِنا أيضاً؟

الطائر الأحمر   : (بيأس) لتأتِ الرياحُ ولتخربْ كلَّ شيء. المهمُ هوَ أنْ يسقطَ الوحشُ كيْ أستطيعَ إنقاذَ صغيري، صغيري الحبيب.

(يتجهُ نحو المدخل، ينادي صغيرَهُ، تتجهُ بقيةُ الطيورِ نحو المدخلِ تنظرُ إلى أسفل وتنادي الطائرَ الصغير، يطلقُ الثعلبُ صيحاتٍ مرعبةً تتراجعُ الطيورُ إلى الخلفِ خائفةً مذعورة، تتبادلُ نظراتِ الاستفهام، يُسمَعُ بعد لحظاتٍ صوتُ الطائرِ الصغير)

صوت الطائر الصغير: الوحشُ خدعة.. الوحشُ ليسَ وحشاً يا أبي..

(يتكررُ صوتُ الطائر، تنصتُ الطيورُ باهتمام، ينقطعُ الصوتُ فجأة)

الطائر الأحمر   : إنَّهُ صوتُهُ، إنه صوتُ صغيري، لا شكَّ أنَّهُ يطلبُ النجدة، إنه في خطر.

الطائر الأخضر  : لا. لا، لم يكنْ يطلبُ النجدة، بلْ كانَ يقول..(بحيرة) ماذا كانَ يقول؟

الطائر الأصفر  : (بذهول,وتأكيد) الوحشُ خدعة.. الوحشُ ليس وحشاً.

الطائر الأحمر   : الوحشُ خدعة ؟! ماذا يعني هذا؟

الطائر الأبيض   : يعني: أنَّ في الأمرِ خدعةٌ، ويجبُ أن نكتشفَها.

الطيور           : كيف؟

الطائر الأبيض   : (بعد تفكير قصير) بوساطةِ الرياح.

الطائر الأحمر   : الرياح؟ أينَ هذهِ الرياح؟ لماذا لا تهبّ؟

(ينادي بصوت مرتفع) أيّتُها الرياحُ،تعالي، اعصفي بقوة، بقوةٍ كبيرة،أسقطي هذا الوحش، واحملي الثعلبَ بعيداً عنِ البستان. هيا أيتها الرياح..

الطائر الأصفر  : (بتعاطف ) اهدأ يا صديقنا.

الطائر الأخضر  : قد لا تأتي الرياحُ قريباً، وقدْ تكونُ عاتيةً إذا أتت.

الطائر الأصفر  : فتخربُ أعشاشَنا، وتحطمُ أشجارَ بستانِنا؟

الطائر الأبيض   : هذا صحيح، نريدُ رياحاً لا تخربُ أعشاشَنا، وتحطم أشجارَنا.

الطائر الأصفر  : (بسخرية) رياحاً عاقلةً ومؤدبة؟

الطائر الأبيض   : نعم، تماماً.

الطائر الأحمر   : هلْ تسخرُ منا أيُّها الفهمان؟

الطائر الأبيض   : طبعاً لا.

الطائر الأخضر  : ومنْ أينَ سنحصلُ على رياحٍ كهذه، لا تخربُ ولا تحطم؟

الطائر الأبيض   : سنصنعُها.

الطيور           : (باستغراب) سـَ.. ماذا ؟!

الطائر الأبيض   : نصنعها.

الطائر الأصفر  : كيفَ سنصنعُ رياحاً كهذه ؟ لا تقلْ إنكَ ستستعينُ بمصباحِ علاءِ الدين؟

الطائر الأخضر  : ربما كانَ لدى صديقِنا قمقمٌ فيه ملكُ الجانّ؟ يخرجُ منهُ ويقول: شبيك لبيك يا سيدي الطائرُ الأبيض.

(تضحكُ الطيورُ وهيَ تقلدُ ملكَ جانٍّ يخرجُ من قمقم)

الطائر الأبيض   : الجانُّ هنا يا أصدقاء.

(تصمت الطيور خائفة وهي تلتفت حولها)

الطيور          : (بأصواتٍ مرتجفةٍ ومتداخلة) الجانّ. أين هي؟ يا ستار!

الطائر الأبيض   : (وهوَ يضحك) أقصد: الرياحُ هنا يا أصدقاء.. في أجنحتِنا.

الطيور           : أجنحتِنا؟!

(يضربُ الطائرُ الأبيضُ الهواءَ بجناحيْهِ بهدوءٍ ثم بقوة، فَيُحدثُ ذلك هواءً يصفعُ أعينَ الطيور، تتبادلُ الطيورُ نظراتِ الاستغرابِ ثم تفعلُ مثلَ الطائرِ الأبيض، فيحدثُ ذلك رياحاً قوية. تنتقلُ الطيورُ نحوَ مدخلِ الأعشاشِ ثم إلى الخارج وهي تضربُ الهواءَ بأجنحتها ثم تقفُ في مواجهةِ الفزاعةِ وهي تضربُ الهواءَ بأجنحتها، يطلقُ الثعلبُ من مكانِهِ خلفَ الفزاعةِ أصواتاً مرعبة. ينادي الطائرُ الصغيرُ من مكانه).

الطائر الصغير   : الوحشُ ليسَ وحشاً، الوحشُ ليس وحشاً..

الطائر الأبيض   : معاً وبقوة يا أصدقاء.. اصنعوا الرياحَ معاً وبقوة..

الطائر الأصفر  : إنَّهُ يتأرجح.

الطائر الأخضر  : إنه يكادُ يسقط.

الطائر الأبيض   : معاً يا أصدقاء. اصنعوا رياحَكم معاً يا أصدقاء .

(تسقط الفزاعة بعد أن تتأرجح من شدة الرياح، يظهرُ الثعلبُ خلفَها وهوَ يطلقُ الصيحاتِ المرعبةَ، تطاردُهُ الطيورُ خارجَ البستان،يُخرج الطائرُ الأحمر صغيرَهُ من الحفرة،تغني الطيورُ العائدةُ من مطاردةِ الثعلبِ أغنيةَ البداية. يعودُ بعدَها الثعلبُ وهوَ متنكرٌ بالريش.يرقصُ ويغني مع الطيور)

النهاية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock