غير مصنف

“دماء على نهر دجلة” نص مسرحي في ثلاثة فصول للكاتب سعيد نصر سليم (2 ـ 2)

“دماء على نهر دجلة” نص مسرحي في ثلاثة فصول للكاتب سعيد نصر سليم (2 ـ 2)

 

المشهد الرابع

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

المنظر      :     قاعة في القصر تحتوي على مقعدين ..

وستائر في الخلفية .. الخليفة والحلاج

جالسين  ..  وقائد الشرطة  يتلصص

عليهما  مِن خلف سِتار .

 

الخليفة       :         من يراك ياحلاج يظن أنّ البلاد تطحنها المجاعة .

الحلاج       :         (  مُبتسما ً  )  نعم يامولاي .. ولو رأوك لعرفوا

مَن وراء  تلك المجاعة ..

( يضحكان )

الخليفة      :          إبن نكته ، وفقيه .. سبحان الله .. وأيضا ً حاذق

وسريع البديهة .. حاضر الجواب ، والبيان كمان

ماأسعدني بك  ..  قُل لي  ياحلاج  ،  ماذا  فعلت

بالوالدة  ؟  ..  السلطانة  ..  جلالة الملكة ..

الملكة  الأم  ..  إنها  تمدح ُ  فيك َ  ليل  نهار ..

وتوصيني بك  ..  جَـعَـلَـتْـنِي أحتار  ..

الحلاج     :           ومالداعي للحيرة ياأمير  ؟

الخليفة     :           إني أراها راضية عنك .. وهي التي لم يسبِق لها

أن ْ مدحت أحدا ً ، إطلاقا ً .. ولا  أثنت على أحد ،

 

 

بما فيهم أبينا الراحل .. ولا يملأ عينيها أحد ..

إلا انت .. وياللعجب .. إنها  إمرأة ٌ صعبة

الإرضاء .. مثلها مثل  هذا الشعب …

الحلاج         :         الشعب مسكين ياأمير .. لا يطمع إلا في طعام ..

وسُكنى ، والعيش في أمن ٍ، وأمان .. وتلك

أبسط  حقوق الإنسان ..

الخليفة       :           مشكلة الحاكم ياإمام .. أنّه لن يُرضي جميع

العوام .. مهما  أنفق .. مهما  أغدق .. فالشعب

دوما ً جوعان .. حتى الأثرياء  منهم ، مثلهم مثل

الفقراء .. سيّان ..  جُلُهُم ..  بل كُلُهُم .. جميعهم ،

يطمعون في المال العام ..

الحلاج      :           مشكلة الحاكم يامولاي .. العدل .. نعم .. العدل ..

بالعدل .. يامولاي  تستقيم  الأمور .. بالعدل

ياسُلطان تستقيم الأحوال .. ويعتدل الميزان ..

هذا هو الفرق  بين الحكم العادل ، والإستبداد ..

الإستبداد قرين القهر .. والقهر  يلد ُ الظلم ..

العدل أساس المُلك  ..

الخليفة    :             والحَـل  ؟  .

الحلاج     :            الحل بأيدينا .. من داخلنا .. العدل يُغني العامة

عن الفعل  ..  بالعدل  يسود  الرضى  ،  ويعُم

الجميع .. الحاكم ، والمحكوم ..

ياأمير  المؤمنين  .. أما  سمعتَ  قول  سيّد

 

 

المُرسلين  :  ”  ليوم ٍ من سُلطان ٍ عادل ،

أفضل ُ من عبادة سبعين سنة  ’’  ..  سبعين

سنة ياأمير ،  وليس سبع سنين .

الخليفة       :            هذا الشعب ؟ .. صعب ٌ ، صعب .. لا يصلُحُ

معه غير الجلد .. غير الشنق  ..  لو جاء

عُمرُ اليوم ،  ليُقيم َ العدل .. فلن يرضى عنه

هذا الشعب ..

الحلاج     :             الماساة يامولاي ان يستقوي الحاكم بالخارج

لقهر الشعب .

الخليفة     :            تقصد جُندَ التُرك ؟

الحلاج     :            ماذا يُجدي الحاكم أنْ يستعديَ شعبَه ؟

الخليفه     :            يجب أن يخاف الشعب .. عندما يتوقف

الشعب عن الخوف .. يصبح الشعب  بدوره

مصدر خوف ..  إن ّ الإحتراز من الشعب

واجب ..  لذا استعنت ُ بجُند الترك ..

الحلاج    :              إنأىَ بنفسِك َ يامولاي عن ْ لُعبَة ِ المحاور ..

الخليفة    :              حاولت .. لكن البلوى َ أن ْ تجد  نفسك

مابين الفُرْس ِ ، وبين التُرْك .. ففضّلت ُ

التُّرك .. لست ُ على استعداد ٍ أن تُحرَق َ

بغداد  ،  ويطير الكرسي ،  ويحترق

العرش .. أليس لي الحق في أن ْ أحمي

العرش .. في الظرف الراهن أتحالف مع

 

 

الشيطان من أجل بقاء العرش .

الحلاج        :              يامولاي .. كما تفكر في العرش ..

فكِّر  أيضا ً في أمر الشعب ..

تزداد الفجوة ُ يامولاي بين  غنِيٍّ

مُسَيطِر ، وفقير ٍ مُتَعَثِّر .. إسعى

يامولاي للمساواة .. لتحقيق توازن ..

وردم الهوة ..

الخليفة       :             هذا الشعب لايصلح معه غير القوة ..

ياحلاج .. أنا أدرى بحاجة شعبي ..

ماذا  يريد الشعب غير الخبز ، وغير

اللهو .. وأنا وفرت لهذا الشعب

بعض الخبز ،  وكل ّ اللهو ..

شعبي ماشاء الله ، في كل الألعاب

بارع ، وحسب علمي أنه حتى

الآن  راض ٍ وقانع .

الحلاج      :               حذار ِ يامولاي من تزييف الواقع ..

دوما ً حول الحاكم  ،  من يُزَيّفون

له الأشياء ،  ويُغلّفونها  بشعارات ٍ

رنّانة ، برّاقة .. والتزييف يامولاي

كذب ٌ فاقع .

يامولاي .. لماذا تسمي قصرك ،

قصر الشعب  ؟ ..

 

 

وأنت توصد  أبوابك  في  وجه  الشعب ..

تَلَمَّس بنفسك نبض  الشعب .. اسمع  بأ ُذُنيْـك َ

صوت  الشعب .. لا تُغلِق عليك  نوافذ قصرِك  ..

ليصل  لسمعك  أنين الشعب .. صُراخ  الشعب ..

(   الحلاج ينهض ويفتح نوافذ القصر .. تتعالى

هتافات  الجماهير  من  الشارع  )

أصوات      :          عليك ثوبان .. وأمي عارية

فالق ِ لي بثوب .. ياابن الغانيّة .

الحلاج      :           صِدقا ً .. أخشى َ عليك َ مِن ْ ثورة ِ الجياع ..

نحن في عصر ٍ يغلي بالقلق والفتن .. يكفي

الشعب ماهو فيه .. بات الأخُ مِن َ الفقر يأكل

لحم أخيه ..

الخليفة      :           ياحلاج .. أنا أسعى أن ْ أستوزِرَك .. أن ْ

أنتشِلَكَ من العدم  الذي ترزح ُ فيه .. هذا

مايدور بخلدي الآن ، وأ ُفَكِّرُ فيه ..

الحلاج      :           لا بُدّ  مِن ْ علاج  الفقر المُتَفَشِّي  ،

واستئصال  الفساد المُستَشري ..

الخليفة      :           لقد أوكلت للوزير حامد  ،  هذا  الأمر ،

لِعِلاج ِ الوضع المُزري ، والمُتَرَدِّي  .

الحلاج      :            الفساد لا يُمكِن أن ْ يُغَيِّرَه ُ مَن ْ صنعه .

الخليفة      :            حان الوقت  لصلاة العصر  ..  ياحلاج

لقد  أتعَبَني كرسي العرش ..  زاد وزني

 

 

مِنْ  فرط  الجلوس  ،  وفرط  الأكل  ..

وفرط الحشر ..  إاتوني  بكرس ٍ وثير

الفرش  ،  وأوسعوا  القاعدة قليلا ً ،

فمؤخرتي صارت أكبر مِنْ فتحة ِ قبر .

الحلاج                   :          هل تعرف لماذا  أتعبك الكرسي يامولاي  ؟

لأنك أحببت الكرسي .. أدمنت الكرسي ..

إعلم  يامولاى  أن ّ مَن أحب ّ شيئاً  غير

الله ، عُذِّب َ به .

الخليفة                 :          هل تُريد منّا  أن ْ نُعادي الدنيا  ،  ونجعل

منها  ضُرّة ً  للآخرة ؟

الحلاج                :           لا ياأمير .. الدنيا  مزرعة  الآخرة ..

مامضى َ  فأحلام  ،  وأما مابقى َ فأماني

وغرور .. الإعتدال يامولاي .. فلا إفراط ،

ولا تفريط .

الخليفة               :          هيا .. هيا .. حديثُك يُلهيني عن أداء الفرض .

( يخرجان .. ويدخل قائد الشرطة المختبىء

وراء الستار )

صاحب الشرطة     :           ياويلتي .. ياحزن أمي .. الحلاج المأفون

لحس عقل   الخليفة ، وأ ُم الخليفة ..

حتى المرأة الخرقاء ..  العجوز الشمطاء ،

تُناصر الحلاج .. وتُصِر ُ على بقائه في

ال.. وياويلها  طلبت منه أن يكون

 

إماما ً لها .. يُصَلِّي بها الفرض .. ومن

أدرانا ، قد ينقب ُ في الأرض .. وتطلب

منه أن يؤمها في صلاة التراويح ..

ياويح نفسي مما يحدث لقلبي من تباريح ..

المرأة  بالتأكيد بالحلاج مُعجَبة ٌ .. لا .. لا

لا .. الأرملة الطروب ، وقيل أنها مِنْ عِشقِه ِ

تذوب .. وماذا عني أنا ؟ .. أنا كنت عندها

كل المُنى .. بماذا يمتازعليّ ؟ .. مالعيبُ فيّ ؟

ماذا تفعل بيّ الأيام ؟ .. ياللمهزلة .. كيف

يحظى هذا الغريب القادم من بلاد العجم بهذه

المكانة عند الخليفة المقتدر .. وأم المقتدر

وكل هذا الإهتمام ؟ .. وأنا من يتحمل  سوءات

الحكم عنهم .. والمصيبة عظُم أمره .. ولما

عاد  ،  خفق له قلب بغداد .. وأمسى له باع ..

وذاع صيته وشاع  في الأصقاع .. وأصبح

يمشى في خُيَلاءٍ في رتل ٍ من المريدين ،

والأتباع  ..  يلازمه أكثر من أربعمائة  مِنَ

المؤيدين  منهم  ،  والطامَّة  يدينون  له

بالولاية  ،  والزعامة  ..  فياترى من  يكون

أنا ؟ ..  بل من  يكون  هو ؟ .. لا .. لا ..

لا بد من مكيدة .. آن أوان الحيلة  ، والغاية

تبرر الوسيلة  .

ـــ   إظــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلام   ـــ

 

 

 

المجموعة     :    أنت السلطان

وأنا  المملوك

 

أنت السجّان

وأنا المهلوك

 

أنت المنصور

وأنا  المسفوك

 

أنا  الصعلوك

ومتى الصعلوك

يتجاسر على السلطان  ؟

 

وفي يد ِ السلطان عشرين برهان

بل عند السلطان ، مليون برهان

مليون برهان .. مليون برهان

مليون برهان .

 

 

ـــ   بتصرف عن الأبنودي   ـــ

 

 

 

المشهد الخامس

ـــــــــــــــــــــــــ

 

المنظر السابق .. قصر الخلافة .. الخليفة

بمفرده على مقعده ، يغط في النوم .. يدخل

قائد الشرطه  .

 

صاحب الشرطه      :      أوشكنا على الظهيرة ومازلت نائما ً .. لم

ترحم نفسك  ليلة الأمس ..

ليلة الأمس ؟ وقبل الأمس .. لياليك كلها

حمراء يامولاي .. وأيامك القادمة سوداء ،

بإذن الله ..

(  يتنحنح  )  هل أنت مستيقظ ُ يامولاي ؟

الخليفة             :        بل نعسان ، ياطويل اللسان ؟

ص . الشرطة     :       ( مترددا ً ، مرتبكا ً  )  إذاً  أتركك إلى وقت

آخر ..  يومك  بالنعيم زاخر .. فأنا لا أريد أن

أ ُفسِد َ عليك  متعة الأمس ..

(  متحدثا ً إلى نفسه  )  خاصة ً أن ّ صنف

الأمس أعجميُّ ، وفاخر ..

( يهم بالإنصراف  )

الخليفة            :         قف مكانك .. ماذا  وراءك ؟

ص . الشرطة    :          الحلاج  .

الخليفه               :        هل حدث مكروه ؟

صاحب الشرطة      :         بل نحن ، وليس هو .

الخليفة                :         أفصح .. تكلم ، وإلا ضربتك على أ ُم

رأسِك  ..  بل على مؤخرتك ً .

صاحب الشرطة     :         التقارير الأمنية  تقول :  أن الحلاج ليس

نقيّا ً مِن َ الشوائب  ،  فجده مجوسي ..

وهو شيعي  بحكم الزوجة ،  وتأثير

النّسب .. ويلتحف بعباءة السلف  ،

وبتخفّى َ في رداء  السُّـنَّة ..

الخليفة              :           إلام ترمي ؟

ص . الشرطة      :           ولاءه لمذهب أهل الزوجة .

الخليفة              :           وماذا يعني ؟

ص . الشرطة       :          يعني أنه يميل لأهل الشيعة ، وليس

السنة .

الخليفة              :          وماذا  بعد  ؟

ص . الشرطة       :         وتحريات ٌ أ ُخرى تقول :  أنّه يرتدي

خِرقة  الصوفي  الزاهد  الناسك  ،

المُتَعَبِّد  .. وتحت الخرقة يتوارى َ

قُرمُطيٌّ ، ماكر .. ذو أطماع ٍ سياسية ..

يطمح ُ في المقعد …

الخليفة             :           ياسبحان الله .. أتناقض ُ نفسك ..

أم تظن لأني أ ُكثرُ مِن َ الشُرب ِ فأنسي ..

 

 

تقاريرُك َ بالأمس تقول :

أنّه  شيخ  جليل ٌ ، وقور .. عريق

المُحتَّد .. وقلبه عامرٌ بالتقوى ،

والنّور ..

ألم تكن  تقاريرُك تتغزل فيه ِوتقول ُ

شِعرا ً :

ينعكِس ُ على وجهه بِشرٌ وضّاء ،

وعلامات ُ صلاح  ؟ .. ألست أنت

القائل فيه :

رجل منغمس ٌ في أنوار الكشف

والإلهام .. وأنه دوما ً في سباق ٍ

نحو الشرفات العُلا  والإيمان  ؟ ..

ياتُرى َ مَنْ  أُصَدِّق ؟ ..

تقاريرك الأولى ، أم تقاريرك الآن  ؟ ..

صاحب الشرطة      :         يامولاي .. استقي تقاريري من أفواه

النّاس ،  واختلف الناس في الحكم عليه ..

فبعضهم  رفعه إلى عِلّيين ، وبعضهم

هبط به إلى أسفل  سافلين .

الخليفة               :          فجئتني اليوم لتضعه في مصاف الزنادقة

والملحدين .. وماذا بعد ياحامى الحِمَى ،

والدين ؟ .. ماذا بعد ياحارسى الأمين ؟

ص .الشرطة         :          ( صمت )

 

 

الخليفة               :         ( صارخا ً )  ماذا بعد ؟

صاحب الشرطة     :         أعلم أني إن حدثتك ، كذبتني ..

فأنت تحبه .. لذا لن آمن العقوبة .

الخليفة              :           تكلم  ، وإلا أوجعت ُ فمك .

ص . الشرطة      :           الحلاج  يستميل العامة ، لبس

الصوف ، وتعلّقت به  النفوس ..

وقد صار حديث البصرة ، وبغداد ..

وصار الناس يؤمنون أنه عبد ٌ

مُجاب الدعوة .. فاستهبل  الفرصة

وأخذ يحُضُّ الشعب على السلطان ،

ويتّهِمُكَ بتكميم الأصوات ، وكتم

الأنفاس ..

يامولاي .. إنه كالوسواس الذي ينخر

في عقول ِ الناس .. وكثيرا ً مايستثير

العامة  بالصياح   :   هبوا  يانيام  ..

ياساكني القبور ، وساكني الخيام ..

الظلمُ  قد تراكم ، والغبن ُ قد تفاقم ..

وبلغ الفُجْر مداه ، إذ  قال بملء

فيه  :   خائن الله  في  خلقه  ، لا

يُؤتَمن علىَ شعبه ..

الخليفه              :        أنا  أ ُمَثّل ُ الحُكم الرشيد  ،  في بلد

هارون الرشيد ..

صاحب الشرطه    :         نعلم .. نعلم .. ولما اعترضه واحد ٌ

مِن ْ رجالِنا  قائلا :

إن الخليفة هو الحاكم بأمر الله ،

والحاكم نيابة عن الله ، أجاب الحلاج

بكل وقاحة  :

كيف يتسنى له ذلك  ، وهو

ـ أي أنت  ــ

يقصِدُك َ بالطبع  يامولاي  ،  لا

تبرح أفخاذ النساء ،  وخصورَ

الإماء .. المقتدر يلهو في جارِيَتِهِ

الروميّة َ الشقراء ، العلجية الحسناء

و .. و .. و …

الخليفة              :           واء .. واء .. واء .. ماذا  أصابك  ؟

تكلم  .

ص .الشرطة       :            قال في حقك ماأستحي من ذِكْرِه …

الخليفة             :             تستحي ؟  ..  مثلُك َ يستحى ؟ ..

منذ متى  يعرِف ُ وجهك َ حُمرَة

الخجل ؟ .. تكلم وإلا أخرستُك َ

للأبد .

صاحب الشرطة    :            كان ينفث سمومه بين العامة ،

ويقول  :

هل تعرفون ماذا  يفعل  السلطان

الآن ؟ .. إنّه يلهو في قصره مع عشرة

آلاف ٍ من  الخصيان ..

الخليفة              :            كاذب .. إنهم عشرة ، وواحد ..

صاحب الشرطة    :            وأنّ الخليفه لا يبرح ُ غُرَف َ النوم ..

مُتَقلِّبا ً  بين الجواري الحِسان .. يختار

من النساء ،  الكاعِبات ، ومن الصبايا

الناهِدات ، ذوات  الصدور ِ الطالِعات ..

والخصورِ الناحلات ..

وياليته توقف عند هذا الحد  بل أخذ

يقول  :

إثنى عشر عاما ً ، والخليفة  في سُدّة ِ

الحُكم ، ولم يستطع  إصلاحا ً .. وثمانِ

وزارات ٍ تعاقبت ، ولم نرَ  فلاحا ً ..

الخليفة             :           ‘‘ مادمت أنا صاحب هذه الدولة ، فأنا

الدولة .. أنا مافيها .. ومن فيها  ’’  *

ص .الشرطة      :           أنّى َ يحُط ُ الرّحال ، يُثير ُ مِن ْ حولِه ِ

زوبعة ..  ذلك المُشاكِس ، أضلَ خلقا ً

كثيرا ً مِن ْ غِلمانِ القصر ، ومِن َ الخَدَم

والحشم  .. وحتّى َ وزراءك َ يامولاي ..

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*   ـــ   صلاح عبد الصبور   :   بعد أن ْ يموت الملك .

 

 

لم  يسلموا مِن ْ بلواه …

الخليفة                :         يُقالوا  في أول تغيير ٍ وزاري .

صاحب الشرطة      :         وقد  أضل َّ حاجبك  …

الخليفة                :          حاجبي ؟

صاحب الشرطة      :          نعم  .. حاجبك الخاص .. نصرالقَشوري ..

نصر القشوري موضع ثقتك يامولاي ..

الخليفة              :           يُقال في أول تغيير وزاري .

ص . الشرطة       :           حتى أ ُمُك َ يامولاي .. السيّدة الشريفة ،

العفيفة ، لم تسلم منه …

الخليفة               :          أيضا ً تُقال ..

( مستدرِكا ً )  آه .. ماذا  تقول  ؟ ..

والدتي ؟

ص . الشرطة      :           مارس نفوذه الطاغي عليها ..

الخليفة              :           تحرّش بها  ؟

ص . الشرطة      :           بالعكس يامولاي  ..

الخليفة              :          بالعكس  ..  وامصيبتاه ..

صاحب الشرطة    :           والدتك يامولاي أصبحت من أخلص

خلصائه .. انها تجعل منه الآمر

الناهي .. وتطلب منا ألا  نقربه  بسوء ..

وأن نكون  رهن إشارته .. فأصبح الحلاج

مُدَللا ً  ..  سَـيّـدا ً  مُطاعا ً  ،   مسموع

 

 

الصوت ، في القصر ، مرهوب الجانب .

الخليفه                :         ماذا تقصد ؟  ..  أفصح .. هل أنا في

القصر الخليفة المخدوع ؟ ..

هل أصبحت ُ مثل الزوج  ( مستدركا ً )

الإبن المخدوع ؟ .. هل ترمي أمي بسوء ؟

صاحب الشرطة      :          حاشا يامولاي .. معاذ الله .. كل الأحاديث

التي تدور بين العامة ، هي ّمجرد  إشاعات

حديث الإفك .. وليس بمقدورنا كتم الأفواه

إذا كان الحديث مجرد همس ٍ ، غمزٍ ، ولمز

أعتقد  أنَّ  السيرة  ــ  حتى الآن  ــ  ليست

على كلِ  لسان  .. وكل ّ مافي  الأمر أنّ

صاحبة َ الصَوْن ِ ،  والعفاف  مولاتي أ ُمّ

أميرالمؤمنين إعتقدت أنّهُ  رجل ٌ مبارك ..

وربما  أدخل  في  روعِها  أنّه  صاحب

كرامات .. فمنحته الثقة .. فتمادى ..

وتدلل ..

ذات مرّة يامولاي .. إختلى بها في القصر ،

فتجرأت ، وسألت :  ماذا يفعل هذا الوغد ؟  ..

أجابت  :  كان  يُصلّي بيّ العصر  .

الخليفة           :              ياخبيث .. ياأبليس .

ص .الشرطه    :              مَن ْ .. أنا أم هو ؟

الخليفة          :              (  ينهض  )  فلأسألها  ؟ ..  ولأفهم  منها

 

 

الحقيقة  ؟

صاحب الشرطة     :         إهدأ يامولاي .. يامولاي إهدأ .. هديء من

روعك على رسلك .. معذرةً يامولاي ..

المرأة  حتى لو لم  تكذب .. لا تقول مطلقا ً

الحقيقة .. فقط ضعها تحت مراقبَة ٍ دقيقة .

( الخليفة يتهاوى على المقعد )

يامولاي .. خطورة الحلاج ، أنّه ُ يعرفُ

عنّا  الكثيرَ مِنَ  الأسرار .. كلامه يامولاي

يُزَعزِعُ  الأمن نفسه .. رماد ُ بغداد يكاد ُ

يشتعل  ..  والحلاج ُ يأبى َ الخنوع .. يأبى َ

الركوع .. الحلاج يضع ُ الخلافة في أزمة ..

أ ُناشِدُكَ  يامولاي  العَوْن ، والمُساعَدَة  ..

أ ُناشِدُك َ يامولاي النُّصرَةَ  ،  والتأييد …

الخليفة               :         بكل ِّ تأكيد

صاحب الشرطة    :         أنتظر منك  الإذن باغتياله ..

الخليفة              :         لا  .. لا  .. لا  أتحمل ُ دم  الحلاج  .

صاحب الشرطة    :         أو  حتّى َ إيماءة منك ، دون تصريح  .

الخليفة             :          ماذا  يُمكِن ْ أن ْ أفعل غير إهدار  الدّم  ؟

صاحب الشرطة   :          أن ْ يُسجَن الحلاج  .

الخليفة             :          مِن ْ غير حُكم ٍ ، أو  إدانة  ؟  ..  لا ..

لا ..  لن أقدر .

صاحب الشرطة   :          فليكن  أمرٌ  بالإعتقال  ..  أو .. تحديد

 

 

إقامة  .

الخليفه                  :            أين هو الآن ؟

صاحب الشرطة        :            بالباب يامولاي .

الخليفة                  :            بالباب .. ماذا يُريد ؟

صاحب  الشرطة       :            هو لايريد .. بل التجار..

الخليفة                 :            ماذا  بهِمُ  التجار ؟

ص .الشرطة          :            جاءتنا شكوى منهم ..  بأن ّ الحلاج يُشهِّر ُ

بِهِم ْ ،  ويُشنِّع عليهم ، وينعتهم  بالقطط

السمان ، ويتاجرون بقوت الشعب الغلبان ..

وشكوى  مِنْ  بعض  المشايخ  الأبرار  ،

وكذلك من بعض كبارالقوم ، وقوى ً نافذة

في السُلطة  ،  أيّ مِنْ  رجالِنا بأنّ الحلاج

يتطاول  عليهم  في  مجالسِ  وعظِه  ،

ويتهمهم بالنفاق ، والإسراف ، والفساد ،

والفجور والإفساد  .. وبأنّهم من أسبابِ

الفشل الذي  ينخر الوطن من كلّ الجوانب .

الخليفة             :               أدخله  الآن .

صاحب الشرطة   :               السمع والطاعة يامولاي .

(  يخرج ، ويدخل ومعه الحلاج  )

الحسين بن المنصور المُلَقب بالحلاج  .

الخليفة             :               مرحى مرحى  بالشيخ الطيب .. الإمام

الجليل ..  أين أنت ؟ ..  لِمَ لا نراك  ؟

 

 

أين تقيم الآن ، وأين المُستَـقـر ؟ ..

(  يلتفت فجأة آمرا ً صاحب الشرطة  )

بإمكانِك َ الإنصراف ..

صاحب الشرطة      :           السمع والطاعة لولي ّ الأمر .. السمع

والطاعة  طويل العمر …

الخليفة               :           (  للحلاج  )  ماأخبارك .. و كيف حالك  ؟

الحلاج               :            حمدا ً لله .. أنام ُ قرير العين .

الخليفة               :           ألا  يُزعِجُك َ  صاحبنا  محمـد  بن  عبد

الصمد ؟ ..

الحلاج               :             من  ؟

الخليفة               :            صاحب الشرطة .. صارحني وأنا أردعه ،

إذا  لزم الأمر .

الحلاج               :             خيرا ً ياأمير .. قُبض على في مسجد

المنصور ، بينما كنت ألقى موعظة في

الحضور  ، في تفسير سورة النور .

الخليفة              :              هوّن عليك  ياصديق .. فأنت تعرف

الشرطة  ..  كثيرا ً ماتتصرف بغلظة ..

تصل أحيانا ً حدّ التعسف ِ بل والغباء ..

ياصاحبي لمّا أطلت الغياب .. والشوق

إليك  زاد ، فأمرتهم  بسرعة إحضارك

للقصر حيا ً أو ميتا ً ؛  ففسروا الأمر

على عكس المقصد ..

 

 

إجلس ياشيخ  ..  مارأيك  ياحلاج  لو

وليناك دار الإفتاء ؟

الحلاج           :          الإفتاء ؟ .. لست ُ لها  أهلا ً ،  و  …

الخليفة           :           ياحلاج .. أنصاف الفقهاء تكاثروا ، وكبُر

جمعهم .. وباتوا  يستخدمون  شعارات ٍ

دينية ، لأغراض ٍ سياسية ، إنتهازية ،

لا علاقة لها بالدين .. إن من  يتسترون

وراء الدين  في بغداد ، ينقصهم الإخلاص

للعقيدة ، ويفتقرون إلى نُبل المقصد ..

وليس  لديهم  رؤية .. إنهم ينظرون إلى

الدين من زاوية مصالِحِهم  وأطماعهم ..

أما أنت  .. مُبارَك .. نقيُّ ، وطاهر ..

وصاحب كرامات .

الحلاج           :            بالرغم من ضحالة زادي .. لكن دوما ً

على  الله  اعتمادي  ..  لست ُ صاحب

كرامات .. ولكنها  نفحات ٌ عُلوّية ،

وطيبات .. والإيمان ُ  له ُ علامات .

الخليفة          :            وله أيضا ً إستثمارات .. أقصد ثمرات .

الحلاج          :             ياسيدي .. مكائد القصر لا تنتهي ..

وعناكب ُ البلاط  ماهرة ٌ  في  نسج

المؤامرات  .

الخليفة        :             من أجلك أنت بالذات ، سوف أتَّخِذ ُ

 

 

كافة َ الأحتياطات .

الحلاج         :       إذا كانت النيّة ، تسخير الدين للسياسة ،

فإنّها   لَـدَنِـيّـة .. إنّي أخشى من تسييس

الفتوى َ ..  أخشى ماأخشاه .. أن أ ُتّخذ َ

مطيّة  لتحويل  العقيدة النورانية إلى أداة

سياسية لتسخيرها  في خدمة  طموحات ٍ

سلطوية .. أي التجنيد  السياسي للدين

لإضفاء الشرعية على  خطايا  ومسالب

السلطة  ..  وتغطية  سوءات  السلطة

برداء الدين .

الخليفة         :       السلطة  ..  السلطة .. لو تمهلت على ّ ..

لو استمعت َ  إلىّ .. أنا أعرض عليك

الإفتاء  دون  إملاء  ..  اكتفي  ياأخي

بالدوران في حلقة الوضوء ، والطلاق ،

والميراث ِ ،  وماشابه ذلك .. وسوف

تتقاضى ماترُيد  .

الحلاج          :       حتّى لو وضعت في يميني مال قارون ،

أو يزيد .

الخليفه          :        ياحلاج .. فلأكن أنا مسئول عن مصالح

العراق ، وتلتزم أنت بمصالح  السماء .

الحلاج          :        هل هيّ صفقة ؟

الخليفة          :        أبدا ً وربُّ الكعبة  .. دعني أغرق ُ في

 

 

الواقـع  الذي  نحياه  ..  وتسبح  أنت  في

ملكوت  السماء  ..  قبولك الإفتاء ، ببساطة

حركة تهدئة لمصلحة  الإستقرار ..  وخُطوة

سنُثمّنها ، ولن تذهب  هباء .. وأعِدُك ،  لن

يمنعك أحد من تطبيق تعاليم السماء .

الحلاج        :         لا أ ُريدُ  إلا  أنْ  أكون  واعظا ً  ،  وداعيا ً

بسيطا ً ..

الخليفة       :         أنت تعيش ُ الفقر .. إستعذبت الفقر .

الحلاج       :          الخبز اليابس .. وجرعة ُ ماء .. وقيام الليل ،

علاج ٌ للروح ِ ،  وللنفس  ..  رِزقُـك َ ربّي

خيرٌ ،  وأبقى َ  ..  سَترُك َ ربّي  خير ٌ  ،

وأنقَى َ .

الخليفة      :           حسنا ً .. ماذا لو عيّناك المتحدث باسم

القصر .. وبهذا يظل يتناثر رذاذ فمك في

أسماع الشعب .

الحلاج      :            بل قُل بوقا ً للقصر ؟ ..   الحلاج ، لا

يُشتَرَى ولا يُباع  ياخليفة المسلمين ..

الحلاج ليس ممن  يلعقون  الأحذية  ،

ويُقبّلون  الأيادي  ياأمير المؤمنين ..

ياسيّدي إن التوليفة َ من حولِك َ كُلِّها

سيئة .

الخليفة     :           تقصد الحاشية .. بطانة السوء  ،  كما

 

 

تُسمِّيها ، وتَسِمها ؟ .. يبدو أننا مازلنا

في واد ، وأنت في واد ..

الحلاج       :         ياسلطان البلاد ، لا أودّ أنْ أخسرَشرفي ..

مِن ْ كلّ  جموع  الشعب لا  يعنيني غير

المظلومين .. الضعفاء المقهورين ..

المُحبَطين َ ،  المُهمشين ، المُنكَسرين َ  ،

المهزومين  ،  المحزونين ..  اليائسين  ،

المسحوقين ، المُستضعفين ، المحرومين ،

المكلومين ، مُمَزَّقي النّفس َ، والوجدان  .

الخليفة     :          هاهم  أمثالك  من الصوفيّة  لم يخرجوا

على  حكومة  من الحكومات  ..  هاهم

أقرانك  يترعرعون  في كَنَف ِ  حكومتنا

الرشيدة .. ياشيخ لم َ لا تُريد ُ أن ْ تفهم  ،

الدنيا مع الواقف

الحلاج      :           كل مافيها زائف .

الخليفة      :           ياحلاج .. كن بنفسِك َ رائف .. كُن على

نفسِك َ خائف .

الحلاج      :           أ ُدرِكُ ياسيدي أنّك َ طويل الباع .

الخليفة      :            فلماذا  إذا ً  لا  تنصاع .

الحلاج      :            خلال وجودي المؤقت على هذا الكوكب ،

لن أبيع َ ديني بدُنيايّ  ..  والدنيا  أحقر

مِنْ  أنْ تشغلني .

 

 

الخليفة       :           ترفض ُ هِبَتي السَـنِـيّـة .. ترفض ُ

مكرمتي الملكية  ؟ .

الحلاج       :         وكيف أمحو مايمكن أن يكون في قبول

المنصب من هوان  ؟

الخليفة      :         انت تُغَرِّدُ خارج السرب .. أنت تخرج

عن الآداب  السُلطانيّة  ..  لن  تُزلزل َ

مجدا ً عِشت ُ العمر كُلّه على  رنينه ..

ياحلاج  ، بدأت ُ أشتّم ُ روائح كريهة

تصدر من ناحيتك .

الحلاج       :        هل  كل  ذنبي  أني  أرفض  المناصب

الّدَنِـيّـة  ..  وأدعو  لإصلاح  الراعي

والرّعِيّة ؟ .

الخليفة      :        أنت تسكب الزيت على النار ..

والأجواءُ  أصلا ً مُلتَهِبَة ،  والأحوال ُ

ليست مُرضِية .. الظروف أصلا ً غير

طبيعية .. العراقُ علىَ صفيح  ساخن ..

لن أتركك  ياحلاج تُشَوّه ُ وجه الوطن

بالبدع ، والخُرافات ، وتُشعِل ُ نيران

الأحقاد .

الحلاج      :          كذب ٌ ماسمِعت ياسيد البلاد .. إنّي

أدعوا  أن يعُم الرخاء .. أمّا أحبابي

من أهل ِ الصفاء  يحلمون  بالعيش

 

 

في  إخاء  ..  دموعهم من التقوى

صلاة ، تغسل الوطن من البغضاء .

الخليفة        :         ياحلاج .. المشعوذ مهما طال ذقنه ،

فلن  تُداري  الذّقن َ فِسقَه  ..  ولن

تُخفىّ  كُنهَه .. ماذا تحسِب ُ نفسك ؟ ..

أفلاطون  المحبة  ؟ ..  أمْ  سُقراط

الحكيم ؟ .. أم عيسى بن مريم ؟ ..

أنت يهوذا  تتخفّى في ثوب عيسى

المسيح  ..

الحلاج       :           حاشا  أن أكون يهوذا  الخؤون ..

الخليفة       :           مأفون .. أنت تُحَركُ وتيرة التمرد ،

والعصيان .

الحلاج       :           مُبتغاي لو أرفع وتيرة الإيمان ..

الخليفة       :           أنت لا تقف عند حد ، أنت تصنع

البلبلة في كل  مكان ..

خرّبت َ عقول  العامة .. عاصمتنا

كانت واحة .. مُذ  وطأتها قدماك

لم تعرف طعم الراحة ..

لن  أجلِس َ  لأرى  بغداد  تحترق

تحت قدمي ،  ولا أ ُحَرِّك َ ساكِنا .

الحلاج      :            إنِّي أدعو إلى ربّي بالكلمة الطيبة ،

والموعظة  الحسنة  ..  لا  أرفع

 

 

عقيرتي  بالصياح  ..  وإنّي  لبريء

مِنْ  أي ّ دم ٍ  يُستباح .. ولا أرفع سيفا ً

في وجه مسلم .. إنّى أدعو  للم الشمل  ..

وأبغي واللهِ  سِلما ً .. أقولها بملء الفم ،

إمتثالا ً  لقول الحبيب المصطفى  :

إذا التقى المسلمان بسيفهما ، فالقاتل ُ

والمقتول في النار ..

الخليفة      :          وفِّر عليّ موعظتك ..  نعم  .. لا  أ ُنكِر

أنني أستلطفك َ جدا ً ، وأرتاح ُ  إليك  ..

وأيضا ً  أرتاب  فيك ، وأتوجس منك ..

لكن الخطر ،  كل ّ الخطر  أن  أ ُبقيك َ

حُرّا ً .

الحلاج      :           ‘‘   وماهم بضارين به من أحد ٍ إلا

بإذن الله   ”

صدق الله العظيم  .

 

 

ـــ  إ ظـــــــــــــــــــــــــــــــلام   ـــ

 

 

غِناء    :     رُبّما  تُطعِم ُ  للسجن  شبابي

ربّما  تحفُـرُ قبري في التُّراب ِ

لكن لن أ ُساوَم  .   *

 

 

 

 

 

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*   ـــ   سميح القاسم  .

 

 

المشهد السادس

ــــــــــــــــــــــــ

 

المنظر  :   السجن

 

سجين 01       :       مرحبا ً بك ضيفا ً في السجن .

سجين 02      :        ضيفا ً ؟ .. يبدو  من هيئته أنه مقيم

دائم  ،  وليس بزائر .

الحلاج          :        بل قل مرحبا ً في دار الهجرة .

(  يضحكون  )

سجين 02     :         دار الهجرة  ؟  ..  يظن  نفسه في

يثرب .

سجين 03     :         مرحبا ً بك في المدينة .

سجين 02     :         وكيف حال مكة ؟

( يواصلون الضحك  )

الحلاج         :         اللهم أني أعوذ بك من غفلة نفسي ..

وأعوذ بك من لحظة يأسي .

إني لم أعرف ُ  قبلك إلا قلبك ..

ولم يؤلمني بَعدَك إلا بُعدك .

سجين 02    :         أ ُقسم  بشارب  أمي ،  أنّ  الشيخ

مفتون ٌ ،  ويعشق  .

سجين 03    :         ربما  ترك وراءه زوجة ً حسناء  ،

 

 

مثل فرس ٍ أبلق .

سجين 02     :        إنّه ُ مخبول ٌ مأفون .

سجين01      :        دعكم من تلك الظنون ..

صه ٍ يامسلوبي اللُّب ..

فكركم لن يرقى أبدا ً فيما أعلى

الفخذين  .. راعوا  اللحيّة ..

والجُبّة .. والعمامة .

سجين 03   :         تقصد الخِرقة ..

سجين 02    :         ماذا نفعل ؟ .. استعصى الفهم ..

والشيخ ُ يُصرِّح ُ بكلام ٍ غامض ..

هل تفهم أنت ؟

الحلاج        :        اقتلوني ياثقاتي  ..  إنّ في قتلي

حياتي .. ومماتي في حياتي ..

وحياتي  في مماتي .

سجين 01    :        هو في ظاهر أمره من أهل الإسلام ..

ليس مِن ْ نصارى بغداد ،  ولا  يهود ِ

الموصِل .. ولا  صابئة  الأنبار ، ولا

مِن َ اليزيديين ، أو المندائيين .. ولا

الآشوريين ، أو الكِلدان  .

سجين 03   :         ينقصك أن تقول أنه شيخ الطريقة ،

وإمام الحقيقة .

سجين 01    :        حدْسي يقول :  هو رجل دعوته تُمَزِّقُ

 

 

السبع الطباق ، وفيض بركاته  تملأ

الآفاق .. وغالب ظني أنّى  ما أوفيتُه ..

ماأنصفته ..

الحلاج        :        إلهى .. وأنت ربّ العباد .. لك الروح

تاقت ، وحن َّ الفؤاد .. في الوجود  لا

أرى َ إللاّك .. أسكرني  حُبّك  ..  ولم ْ

يبق عندي  مُتّسَع ٌ  لغيرك .. رأيت ُ

النّور فبُهِت .. عشقُك َ سلَبَني سُلطان

العقل .. ( يبكي ) .

سجين 01     :        رجل ٌ يعيش أنفاسه مع مولاه ..

أتبكي ياأبتاه  ؟

الحلاج         :        إنني أبكي شوقا ً إلى سيّدي ومولاي ..

يامحبوبي  ، لا تحرمني مِن ْ مُتعة ِ

جمالِك .. من النظر إليك ..

اللهم  اعتِقني مِن ْ رِق ِ الكوْن …

سجين 01   :          إنّه ُ يهيم ُ في رحاب الملأ الأعلى ..

الحلاج       :          أحزان قلبي لا تزول ، حتّى أ ُبَشّرُ

بالقبول .. وأرى كتابي باليمين ،

وتَقَرُّ عيني بالرسول .

سجين 01   :          إنّه ُ يسبح ُ في بحر الحقيقة .. ويغيب ُ

عنْ كل ّ ماسوى الله .. إنّه مبهور عن

نفسه  بسر الجلال الإلهي ..

 

 

ماجريمتك ياعماه ؟

الحلاج        :        كل ُّ جريرتي  ياوِلداه .. وقوفي مع

المظلوم ضد الظالم .

سجين 01   :         بل أنت المظلوم الآن ، ياشيخي

العالِم  ..  فماذنبُك َ كيّ ْ تُسجَن َ

غَـبْـنَـا ً  ؟  ..

الحلاج       :         قدري المحتوم ياولدي .

سجين 02   :         بالتأكيد أنت الآن بنادم .

الحلاج       :          لا ياولدي .. فأنا يارفيقي لا أخشىَ

في الله لومة لائم .

سجين 01     :         ويبقى الطاهر في مدينة الخطايا  ،

هو  المُذنِب ُ الوحيد .

الحلاج        :          ماذا قُلت  ؟ .. أعِدها  ياولدي ..

سجين 01   :           ويبقى الطاهر في مدينة الخطايا ،

هو المُذنب ُ الوحيد

الحلاج       :           الله .. ماأحسن ماسمعت اليوم ..

ماأجمل قولك …

سجين 02  :            خذوا  الحكمة من أفواه المجانين

سجين 03  :          لا .. لا  .. وأنت الصادق  .. بل خذوا

الحِكمَة َمن أفواه المساجين  .

( تتعالى الضحكات )

سجين 02  :           مايحيرني .. لماذا يُعرِّضُك ِ الله لهذه

 

 

المِحَن ْ .. وعلى مايبدو مِن ْ سيماك

أنك رجل ٌ صالح ؟ .

الحلاج      :           ليَرْقى إيماني بالصبر على البلاء .

سجين 02  :           صدّقني  ، أنا لم أفهم .

الحلاج      :           ياولدي .. المؤمن مُبتَلى َ .. إنّ الله إذا

أحب َّ عبدا ً إبتلاه ، وإذا  ابتلاه صبّره .

سجين 01  :           إحمد الله ياشيخنا أنّك مازلت حيٌّا ً

بيننا  ..  وإلا لكنت الآن جُثة ً تطفو

على سطح  دجلة .

سجين 03  :            ( متهكما ً )  فيلسوف وراء القضبان ..

يا للهنا .. فيلسوف بيننا ..

سجين 01  :             لأن الصوت الحُر في بلادنا ، صاحبه

إمّا  خلف َ القضبان ، أو مُلاحَق ، أو

في السموات ِ العُـلى َ …

( تتعالى الضحكات ) .

الحلاج     :               يادجلة الخير خلّيني ، وماقَسَمَت ْ ليّ َ

المقاديرُ  مِن ْ لدغ ِ الثعابين ِ .

سجين 01  :             يامولانا ..  مالك تجوع  ،  وبمقدورك

أن ْ ترفُل  في النعيم .

الحلاج       :              كيف أقبل ُ لُقمَة ً مِن ْ لئيم  ،

وربِّي غنيٌّ كريم  ؟  ..

سجين 02   :             على مايبدو يشتهي  أكل المساجين .

 

 

الحلاج        :            أخاف أن أشبع فأنسى الجائعين .

سجين 01    :            ولهذا لبست الصوف  ؟

الحلاج        :            (  صمت  )

سجين 01    :            ألا  تُجيب  ؟

الحلاج        :            إن قلت ُ زُهدا ً ، زكيّت ُ نفسي ..

وإن قلت ُ فقرا ً ، أو ضيقا ً شكوت ُ

ربي .

سجين 01    :             لكنه يامولانا خشن .. ماأقساه مع

رطوبة السجن ، وصيف بغداد الخانق  .

الحلاج        :             ليحُك جلدي .. ويُذَكّرني بحقيقة نفسي ..

لقد ألِفتَه ، وأجد في خشونته مُتعة ..

سجين 02    :             ياشيخ ..  أنت تتذلف إلى الله بتلك

الخِرقة البالية ، والقدمان الحافيتان .

الحلاج        :              ياولدي عندي ما هو أفضل من هذا

أ ُقَدِّمَهُ  إلى الله ..

اللهم أنت أعلم بسريرتي .. اللهم أنت

أعلم  بنفسي منّي  ..  أنت َ الرّب ُ

المُتَفَضِّل ، وأنا  العبد المتذلل .

سجين 03    :              أدعو  لي  يامولانا  بالهداية  ..  فأنا

أُمِّيّ   لا  أفقَه ُ في أمور الدين .

الحلاج        :              الدين ياولدي ليس طقوسا ً، ومناسك ..

بل  رؤيا ، ورؤية .. رؤى ً، وبِشارة

 

 

سجين 03   :              على مايبدو من الهيئة .. أنّك  صوفي ٌّ

مِن ْ أهل ِ الخِرقَة ..

سجين 02    :              بل شيعيّ

سجين 01   :              بل سُنّي

سجين 03   :              لا .. بل من الروافض .. فكلامهم دوما ً

عليهم شاهِد .

سجين 01  :              ياإخوان .. الشيخ حتى الآن .. متَحفِظ ٌ ..

حَذِر ٌ ، وغامض .

سجين 02   :               نعم  ..  نعم  ..  شخص ٌ يكتنفه

الغموض .. أحيانا ً يبدو  لي من أهل

الفكر .. وأحيانا ً يبدو لي درويش

مجذوب ..

الحلاج        :            ياأبنائي .. أنا  لا  أنتمي للأحزاب ..

ولا للفرق الدينية .. إنّي أتجنبها  لأنها

العقبة الكبرى في وجه كل ّ إصلاح ..

ألا يكفيكم أنّى مسلم  ؟ .

سجين 01    :             وكأنّك  أنت الحلاج .. تتكلم مِثل َ

الحلاج .

الحلاج        :             إنِّي نَفْسَه .. إنِّي شَخصَه ..

سجين 02    :             اللهم أوقع الظالمين في الظالمين ..

وأخرجنا من بينهم  سالمين .

سجين 01   :              وإلى أين تخرج يامأفون .. هنا  على

 

 

الأقل  المأكل  مكفول  ،  والمسكن

مضمون

( يضحكون )

سجين 03   :              إذن فلندعوا  الله ..  اللهم أكثر من

السجون .

سجين 02   :              ( راقصا ً )  الأكل على مدار العام  ،

والسُكنى َ بالمجان

سجين 01   :              الشىء الذي يكبر كل يوم ٍ في هذا

الوطن  هو المقابر .

الحلاج       :              إنهض ياقلب ُ في طلب الحق ..

أ ُريد ُ أن ْ  تُقتَل هذه الملعونة  ؟

السجناء     :               (  يلتفتون يمينا ً، ويسارا ً )  مَن ؟ .

الحلاج       :               نفسي .

السجناء     :               أيها  الولي ُّ الصالح .. إذا كانت

نفسك  ملعونة ، فماذا عن أنفسنا ؟

الحلاج      :                على أيّ مشايخ ٍ قرأتُمْ  يارُفقاء  ؟ ..

وفي أيّ  كُتّاب ٍ ،  أو ْ رُواق ٍ ؟ ..

سجين 03  :                 قرأنا  على  يدِ  شيخٍ  نصّاب  ،

في سوق النساجين .. هو شيخ ُ

المحتالين في بغداد .

سجين 02    :                نحن ؟  ..  قرأنا ؟  ..  آه  ..  نعم  ..

قرأنا في مدرسة الحياة .. موقعها ؟ ..

 

 

أرصفة ُ ، وأزّقَة ُ بغداد .. وفي  الساحات ِ،

وفي الخمارات .. وفوق نهود الرقاصات .

سجين 03   :         أما  أنا  فقد  تلقيت  العِلمَ  ليلا ً على  شيخِ

القوادين .. ونهارا ً علىَ  رئيس المخابرات

( زميله يضربه على فمه ) .. ايه .. زعيم ُ

المُهَرَّبات ..  زعيم ُ المُنكرات ..

سجين 02   :        ( مصحِحَـا ً للسجين 03 ) زعيم المخدرات .

سجين 04   :        أما أنا تربية الشيخة صليحة ..عندها أحلَىَ

الصبايا .. لا تقتني سِوى َ كل ّ فتاة ٍ مليحة

وإن لم تدفع  لها .. تخرج من دارِها  ،

بإذن الله  ،  مشفوعا ً بفضيحة ..

بالتأكيد مثلك لم يسمع من قبل بأم السعد ؛

راقصة  الحيّ  ..  حيّ  الكرخ .. هَـزّة ُ

خصرها  مثل الرعد .. وريق فمها بطعم

الشهد .. على صدرها ننسى الهم ، والغم ..

و نلجأ لها في  الفرْح ِ ، وفي القرْح .

سجين 02  :         يخدعونك ياأمام .. دعك من  أم السعد ،

ومن صليحة ، خذها منّي نصيحة .. إنسى َ

حيّ الكرخ ..  وعليك َ  بالرَّصّافة  ، ففيها

أحلى َ رقّاصة … (  تتعالى َ الضحكات  )

سجين 01 :          لعنة الله على الشيطان .

الحلاج     :          الشيطان ياولدي  لا يقبع خارجنا .. بل هو

 

 

موجود ٌ في أنفسنا .. هداكم الله ياأبنائي ..

إستغفروه ، يغفر لكم  ذنوبكم .. ويصفح

عن  خطاياكم وزلاتكم ..

الذنب  ليس ذنبكم  ..  الذنب  ذنب  وليُّ

أمركم .. فلو انصلح  حال ُ وليّ  الأمر ،

لانصلح حال الرعية .

سجين 01 :               نسألك النُّصح يامولانا .

الحلاج      :              لا تسجدون لأصنام ٍ بشرية ..

سجين 02 :              هل عدنا  للوثنية ؟

الحلا ج     :              لا تجعل شيئا ً يحول بينك وبين الله ..

لا وصيّ .. ولا وليّ .. ولا إمام ..

لا  وَساطَة َ في الإسلام ..

لا وسيط بين العبد ِ ، ورَبِّه ..

الله لم يطلب من أحد ٍ الإنابة  عنه

في الأرض .. الله َ لم يُفوّض أحدا ً

مِنَّا  بصلاحياته .. الله معكم أينما

كنتم ، فكونوا معه …

سجين 02 :              بما أنك قد نصحتنا .. فلم لا تأخذ

بنصيحتنا  ؟ ..

خذها نصيحة مِن معتوهٍ  مثلي يامولانا ..

سجين 01 :              خذوا  الحكمة من أفواه  المعتوهين ..

أقصد .. المساجين .

 

 

سحين 02 :            لو تبيع نفسك للسلطان ، مثل غيرك من

الأئمة  ،  تُجَّارَ  الدين  ،  لتوفر لك  حظ

أفضل مما أنت عليه الآن ..  مَن يدري ..

ربما  أصبحت وزير …

الحلاج    :               معاذ الله ياولدي أن أتاجر بديني ..

لا يمكن أن أخون  نفسي لأستميل

السُلطة .. أو أن أخون الكلمة  ..

فسلاحي هو الكلمات ..

وسيفي هو الكلمة ..

سجين 01 :           فكيف تواجه الظلم  ؟  ..  كيف نواجه

الملوك الجائرة  ؟ ..  ما أدواتنا  ؟  ..

وماأدواتك ؟

الحلاج    :             ماأدواتي  ؟  ..

السيف .. أم الكلمة  ؟  ..

إليك  جواب  ماتسأل  ..

الكلمـــــــــــــــة  ..

الكلمة تُنير .. الكلمة ذو تأثير …

سجين 01 :           ماجدوى الكلمة يامولانا  ، إنْ  لمْ

تتمنطق سيفا ً  ؟  .

الحلاج     :           تظل حروفا ً ساكنة ً في جوف ِ كتاب …

سجين 01 :           أو حروفا ً تذروها  الريح …

الحلاج     :          السيف ُ يُسيل ُ  الدّم .. السيف أعمى

 

 

ياولدي  .

سجين 01       :         أعمى في يد الجاهل ِ ، والحاكم الظالم ..

مبصر في يد الثائر .

الحلاج           :         الثائر قد يغتر بنصره

سجين 01      :          مشكلتك أنّك متردد .. حائر

الحلاج          :         لا  أدري هل أرفع صوتي ، أم أرفع

سيفى ؟

سجين 01      :         يكفى .. لا تتردد .. الوقت يمضى ،

وقد أصبحت عند آخر  معبر ،

يربط الحياة بالموت .. هيا .. هيا ..

فلنهرب .. ولتهرب معنا .. نلتحم

بالناس .. اغتنم الفرصة ، لتحوّل

كلماتك إلى فعل .. وإن خانك الفعل ..

عُد من حيث جئت ..  إلى فارس ..

إلى الهند .. إلى السند .. إلى بلاد

التبت .. أو .. إكفَر بما  قد قلت ..

الحلاج        :             لا .. لا .. لا ياولدي .. لن أهرب

مِنْ قدري ..

ليس الحلاج بمن  يهرب ..

سجين 01  :             سوف تفر من قدرك إلى قدرك .

الحلاج       :            إذن فالأجدى أن أرضى َ .. أن أبقى َ ..

إنّى أحببت  بغداد  ، رغم الحرائق  ،

 

 

رغم القمع .. رغم النهب ..  ورغم

القهر ..

سجين 01      :         أنت تلف المشنقة حول  عنقك بنفسك ..

خذها من جاهل مثلي ، لست  بعلمك ..

إعقلها من جاهل لم يقرأ مثلك ألف

كتاب .. ولا يعمل مثلك  للأمر ألف

حساب .. وتذكرها .. لن يقتلك أحد ٌ ..

سيقتلك عجزك .

 

 

 

 

 

 

ـــ   إظــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلام   ـــ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

غناء ـ إنشاد    :        إذا  ذكرتُك َ كاد  الشوق ُ يقتُلُني

وغفلتي عنك أحزان ٌ ، وأوجاع ُ

وصار كُليّ  قلوبا ً فيك َ داعيّة ً

للسُقم ِ فيها  ،  والآلام ُ إسراع ُ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المشهد السابع

ــــــــــــــــــــ

 

المنظر   :   القصر

 

الخليفة              :         ماأخبار الحلاج في السجن ؟ ..

أتَعَـلَّم كيف يكون الصمْت  ؟  ..

هل استوعب معنى الدرس ؟  .

صاحب الشرطة    :         بالعكس .. جعل من سجنه مدرسة ً ،

ومنتدى طول الوقت  .

الخليفة              :         من اليوم لن يرتفع لهذا  الأزعر..

(  مستدركاً  )  لهذا  الأرعن  صوتٌ

بعد اليوم  .. فليبق في محبسه  إلى

أن يأتيه الموت .. قسما ً بشرف أ ُمي ،

سأ ُرَوّضُك َ ، كما يُروَّض ُ المُهرُ

الجامح َ ياحلاج  .. قسما ً لأجعَلَنَّ

السماء َ فوقَكَ جحيما ً، والأرض َ مِنْ

تحتِك َ سعيرا ..

ص . الشرطة     :           مولاي .. لو أذنت ، كيّ ننسف

توجهات التصوف المتمرد ، نُحصى

المتصوفة  الخانعين المستكينين ،

الموالين ، ونُنفِق عليهم  بسخاء ..

 

 

الخليفة                 :           نعم .. نعم .. نِعم َ الأمر .. اعلفوهم

جيدا ً ، ليزداد  شحمهم ، لينقطعوا

عن الحياة العامة .

صاحب الشرطة      :           إنّه يستغل الجياع ، والفئات المحرومة ،

ومن في القاع .. المعدومين .. ويدس

أفكاره في أوساط البسطاء من الحرفيين ،

والقرويين .. وينفث سمومه .. لقد فرّخ

تلاميذا ً  ،  على  شاكلته  ،  وأتباعا ً

ومريدين  ،  حتىَ  في السجن ..

الخليفة              :            ياله من شيطان في هيئة إنسان .

ص . الشرطة      :            كان يقول :  بدأت ُ الدعوة َ في سبيل

الله  ،  عندما  كان  الحاكم ُ يحبو  على

أربع .

الخليفة             :           ولنفرض أن ّ هذا حق .. كيف يجهر

بهذا  القول  ؟ ..

ص . الشرطة     :           إنّى أرى إنّ في ذلك مساس ٌ بهيبة ِ

الخليفة .. والعيب ُ في الذّات ِالسُلطانيّة .

الخليفة             :          إنّي أكاد ُ أ ُجَن ..

ص . الشرطة     :          لايهم ياأمير مايقوله الحلاج عنك ،

ومايُشيع .. فأنت يامولاي ــ والحمد لله ــ

تتمتع  بمُقت ِ الشعب ..

( مُستدركا ً ) بحُب ِ الشعب  .

 

 

الخليفه                 :        كل ّ الكلمات التي يُطلِقُها ضدي ،

ستكون ُ قريبا ً  جدا ً ، كالحبل الذي

يلفُه ُ حول عُنقِه ..

صاحب  الشرطة      :        إنّ صوته يُمَثِّل ُ خطرا ً على العرش ..

يُزَلزِل ُ العرش .. إنّه ُ يحشُر ُ أنفه ُ فى

شئون  المملكة ..

الخليفة               :        وأنا من سيجدع ُ  له ُ أنفَه .. سأجعله

يُغلِق ُ فمَه ُ وللأبد  ..  أن ْ يُغرَق َ في

دمِه  ،  أدعى َ من أن ْ  يُغرِق َ البلاد

في الدماء ..

فلتعلم يالحلاج ، أن ّ قرصة المقتدر

والقبر .. نعم .. المقتدر مُقتدِر ..

المقتدِر مندوب عزرائيل على الأرض .

ص . الشرطة       :         لكن يامولاي بفضل الملكة الأم ،

وبنفوذ حاجب مولاي فإن الحلاج

سجين فوق العادة ..

الخليفة             :          آه .. الآن فهمت ..

وأنا الذي كنت أتَعَجَّب ..

لماذا  أ ُمي صبح مساء .. وكلما

تراني تُلِحُّ على ّ كيّ أ ُطلق سراحه ..

أمي التى كانت تشمَخ ُ بأنفها  في

السماء  ،  حتى علىَ أبي ، والتي لم

 

 

أسمعها  يوما ً تترحم عليه  ..

تأتي اليوم  تناشدني .. تستعطفني ..

تستحلفني  أنْ  أ ُفرِج َ  عنه  ..

تتوسل ، تتذلل كي أعفوا  عنه ..

إذن  فليُنقل من سجن إلى سجن ،

بعيدا ً عن ِ  الملكة الأم ، بحجة

إبعاده عن أتباعه ،  خشية أن ْ

يهرب .. لا .. لا .. إن سألتك  ،

فلتخبرها .. فلتخبرها ..  من أجل

الحفاظ  على حياته ، إضطُرِرنا لهذا

الأمر .

صاحب الشرطة       :          لا تخشى شيئا ً يامولاي .. سيكون

مقرَّهُ الأخير ، في حبس منيع ..

السجن الجديد .. مارأي جلالتكم  ،

طال عمركم  لو نُهدي روحه  إلى

الله .

الخليفه               :           كُن حكيما ً ياابن عبد الصمد ..

ولا تجعل الحِكمَةَ  تتخلى عنك ..

قبّحوا  صورته ..

شوّهوا  سُمعته ..

آه ..  وجدت ُ الحل .. حاربوا

الحلاج َ بنفس سلاحه ..

 

 

ص . الشرطة        :            هو  لا يملك حتى سيف  ؟  .. بل لا

يعرف كيف يمتشق حسام ؟  ..

الخليفة              :            باسم الدين .. بسلاح الدين .. مثلما

وصل إلى  قلوب العامة  باسم الدين

يُحَطم  أيضا ً  باسـم  الدين  .. بحجة

الحفاظ على الدين ..

صاحب الشرطة    :            أي ُّ دهاء ٍ تمتلكه يامولاي ؟ ..

الخليفة             :             لن يعلوَ له كعب ٌ في مملكتي  .

(  أصوات هتافات خارج القصر  )

الحليفة             :            ماهذا  ياصاحب الشرطة  ؟

صاحب الشرطة    :             لست أدري يامولاي ..

الخليفة             :              لست أدري يامولاي  ؟ ..

الوضع آمن يامولاي ..

الأمن مستتب يامولاي ..

الأمور تحت السيطرة يامولاي  ؟

أكنت تكذب علىّ ياابن عبد الصمد  ؟

(  يدخل الوزير حامد بن العبّاس

مهرولا ً ،  مُضطربا ً )

مالذي يجري ياوزير  ؟ ..

مالذي يحدث ياحامد  ؟  ..

تكلم ياابن العباس ..

الوزير حامد      :              جموع الشعب تطوف ببغداد ..

 

 

الرعاع .. الفلاحون .. الفقراء ..

وصغارُ القوم ِ من الأوباش ..

أعدادٌ كبيرة  ..  جماهير ٌ غفيرة ..

كتل ضخمة في أسمال  ،  خرجت

مِن ْ جحورها ، وهي التي  ماكان

يراها أحد .. تُحطّم ، وتُدَمّر …

الخليفة           :              ماذا يُريدون ؟

الوزير حامد     :              يُطالبون بإنقاذ الحلاج .. بالإفراج

عن الحلاج  .. بالحريّة للحلاج  ..

(  تعلوا هتافات الجماهير الغاضبة )

الخليفة            :             الحلاج يلوي ذراعي ..الحلاج يستقوي

بالخلق من الناس .. الحلاج يستقوي

بالأوباش ..

(  تعلوا الهتافات أكثر ، وتزداد قُربا ً )  .

هتافات          :              لا إله إلا الله .. الحلاج حبيب الله …

الخليفة          :             أين هُراوات الأمن  ؟  ..  أين سياط

القمع ؟ .. أخرِسوا  تلك الكلاب الضالة ،

المسعورة ..

هتافات         :              لا  إله  إلا  الله ..  الحلاج حبيب الله  …

الخليفة         :              إقبضوا  على المعارضة ..  إقمعوهم

في الزنازين ، وخلف القضبان ..

الوزير حامد   :              لن يحل المشكلة .. ولن يفك الإحتقان ..

 

 

إنهم يهاجمون  القصر  الآن  .

الخليفة        :            يالطيف الألطاف ، نجِّنا  مما  نخاف .

 

 

 

 

 

 

ـــ   إظـــــــــــــــــــــــــــــلام   ـــ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(  غناء  )  ..

أو .. (  إنشاد  )   :       والله ما طلعت شمس ٌ ، ولا  غرُبَت ْ

إلا   وحُبُّك َ  مقرونٌ  بإحساسي  ..

ولا  خلوْت ُ  محزونا ً  ،  ولا  فَرِحَا ً

إلا  وأنت َ بقلبي ، ممزوجا ً بأنفاسي  .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المشهد الثامن

ـــــــــــــــــــــــ

 

ـــ   الموعظة   ـــ

 

المنظر     :     مسجد المنصور في بغداد

 

الحلاج              :         رب ِّ اشْـرَح ْ لي صَدْري ، وَيَسِّـرْ  لي

أمري ، وَاحْلُل ْ عُقْدَة ً مِن  لِسَـاني ِ

يفقَهُوا قـَوْلي ِ .    *

أحد المصلين     :           إذا تحدث الحلاج اهتزت عمائم العلماء .

الحلاج            :          اللهم أنت أعلم بي .. فلست ممن يضرهم

القادحون .. أو يغرهم  المادحون .. اللهم

لا تجعل همي حبّ الناس  لي ، وليكن أكبر

همي حُبّ ربّ الناس .. اللهم اجعلني عبدا ً

في طاعتك ، إخلاصا ً لا تخلصا ً .. وتقربا ً

لا  تكرُّمَاً .. اللهم أنِّي في الليل ِ وفي النهار ،

أحمِد ُ وأمدح  ،  وأنت  في  قُربي ، وبُعدي

تُعطي وتمنح ، وعن غيِّي تعفو ، وتصفح  .

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*    ـــ    طه     :   25  /   28

 

 

اللهم أرزُقنا  حاكما ً راشدا ً ، وبطانة

تُعينه ُ علىَ  الرأفة ِ  بالعباد  والبلاد .

يامن أخذتموا  المكاسب ، والمناصب ،

دعوا   للبسطاء الوطن .. اتركونا نحيا

وخُذوا ماشئتم .. لا نريد مزايا .. نحن

البسطاء نحيا  عرايا  ..

نبحث عن مسكن .. عن مأمن ٍ .. عن

مأوى .. عن كِسرة  خُبز .. عن  لُقمة

عيش .. شبعنا فقرا ً .. تجرعنا  ذُلا ً ..

كفانا هوانا .. يابطانة السوء .. يامن

تتولون المكانة ، وتتبؤون الصدارة ..

يامن تفننتم في تكميم الأفواه ، وخنق

الأنفاس ، وإلهاء الناس .. أتغضُّون

الطرف عما في البلاد ، من انحلال ٍ

وفساد ؟ .. بغداد عاصمة الخلافة ..

تفشى فيها الفساد ، دون وازع ٍ أوْ

حساب .. ومكّن ذوي النفوس الضعيفة

أن تبيع الوطن في مزاد .

أحد المُصلّين     :        إنّه ُ يختلف عن مشايخ العصر .

أحد المُصلّين     :        أتعرف لماذا ؟ .. لأنّه ُ يُحَلِّق ُ مُنفرِدَا ً

في القمم العالية .. ويهتم  بمشاكل

العصر .

 

 

أحد المصلين       :        كنت أحسبه كغيره ، سيتكلم  عن خِضاب

اللحية ، وكيف يُشَد المئزر ُ بمحاذاة

السُّـرَّة ، أو عند الخصر ؟

الحلاج              :         أيها القارئون بالمقلوب .. تعالوا  إلى ّ ..

يامن تُسىيئون إلى  قيم  السماء  ،

بتحويل الدين إلى ملكية  خاصة .. تكيّة  ،

وتبعية .. وسلعة  تُباع ُ وتُشترى َ ..

أقول  لكم  :

أتقوا  الله .. الفتنة ُ نائمة ٌ فلا توقظوها ..

يامن فرقتموا  دينكم  شِيَعا ً ، وأحلتوه ُ

عِوَجا ً .. تعالوا  إلى كلمة ٍ  سواء ..

أيها القارئون بالمقلوب ..من أنتم حتى

تحكمون في عقائد الناس ؟ ..

ياخُلصائي .. ياجُلسائي .. تعالَوْا  معي ..

نرتشف كؤوس النور .. هيا نسير ُ على

طريق  النور .. النور  الربانيّ .. النور

الإلهي ّ .. أيُّها  المُشتاقون إلى الله ..

تعالَوْا  معي .. فالله ُ مُشتاق ٌ إليكم ..

الله ُ أقرب ُ إليكم من حبل الوريد ..

سبحان  من  غطاني  بأنوار الحال  ،

وسترني عن الأوحال ..

أخي  في  الله  ..  مافي  القلوب  سوى

 

 

المحبوب ..

كُلّما كبُر َ الله ُ فى قلبِك ، كُلّما صغُر  كل ّ

شىءٍ في عينِك ..

أحد المُصلّين      :         تبارك الله .. هذا الإمام باهر الشخصيّة ..

ساحر الكلمة ..  رائع السِّمَة .. قريب ٌ

للأفئدة .. مُحَبَّب  للقلوب .

الحلاج           :         أحبابي في الله .. فمن يشتري الخُلد ،

إنّ الله بائعه .. ومن يبخل ، فإنّما  يبخل

عن نفسه .. الله أسلمنا  الكون بريئا ً ،

فلوّثناه ُ بالفقر ِ والإستعباد والطغيان ..

‘‘  فمِن منكم ُ من يغمد ُ في صدر أخيه

خنجرا ً باسم  الوطن ، ويُصَلِّي لينال

المغفرة ..    ’’      *

ياجُلاّسي .. وأ ُناسي .. دعوا  عنكم

مرضى القلوب ، وقساة  القلوب .. من

زُعماء الفِرَق ِ الضالة ، وممن يُغلون

ويلغون في الدين  ..  وإياكم  إياكم

وعُلماء الأمراء ..  كهنة النظام .. من

صغار النفوس  ،  وتجار الدين  ممن

يصادرون الرأيّ الآخر، ولا يتحملون

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*   ـــ   محمود درويش

 

 

الحوار .. الذين يحولون الإسلام دين

الحضارة  والحياة  ..  دين  المحبة ..

دين  التسامح  والسلام  ،  إلى دين

التكفير ، والعياذ  بالله ، ويُصبغوه

بالدم ، والموت .. أفيقوا  ياأحباب الله ..

أحط الدعاة ، من باع نفسه  للسلطان ..

إياكم  وفقهاء السلاطين ، وحاشيتهم

المُستبدين .

شُرطي سِــرِّي       :       هل ترى أنّ الشعب لا يملك من الحكمة ،

وسداد  الرأي ّ مالا  يُمَكّنه  من  معرفة

صالحه ، وصلاحه  ؟  .

الحلاج            :         سامحكم  الله  ..  يامن  تلوون  أعناق

الكلمات .. يامن  تستمعون  لي بنيّة

التكفير، والتخوين .. لِم َ لا  تتساءلون ؟ ..

لماذا  نحن متخلّفون ؟  .. أجيبوني ..

لماذا  نستورد ُ كلّ احتياجاتنا  من السند ،

والهند  .. وحتى الصين  ؟ .. وإلى متى

نظل عالة على الغير ؟ ..

لماذا  نحن مطمع للقوى َ الكُبرى ؟

لماذا  نحن مطمع ٌ للآخرين ، مِن تُـرْك ٍ

وفُـرس ؟ .. لماذا  تُحتَل ُ بلادنا على

الدوام ، ونحن عاجزون ؟ ..

 

 

 

لماذا صرنا أ ُلعُوبة في يد الروم  ؟

وفي الختام .. أقول لحاكم العراق ..

الخليفة العباسي المقتدر ..  يامن

تقود البلاد  خطوات كبرى للوراء ..

إنّك تُدمي كرامة َالعراق بوجود

الأتراك ، على ضفاف دجلة والفرات ..

الغُبن ُ في بغداد ، ياسلطان البلاد ..

أحد المُصَلِّين         :       كلمات ُ الإمام .. فيها بريق ٌ، ولهيب .

أحد المصلين         :       كلماتُهُ تجتاحُني ، وتُثير ُ في عقلي

عاصفة ً مِن التفكير المُزَلزِل .

الحلاج                :       ياأمراء العراق ، ياولاة الأمور في

بغداد ..  لن يُنجيكم أن ْ تختبؤا  تحت

وسائدكم .. أيّ نظام هذا ؟ .. نظام قائم

على  استقرار ٍ زائف  ..  الوزارات  ،

والدواوين في يد الفرس  ، والعسكر

في يد الترك ، والقضاء  في يد العرب ،

والمال في يد اليهود ..

ماهذه الفسيفساء ؟ ..

 

اللهم أسمِع كلماتي من به صَمَم ..

ياخليفة المسلمين .. الشعب المسكين ،

يضجرُ  بالشكوى ، ويضُج ُ بالأنين ..

 

 

والوطن  يتساقط  في أيدي العابثين .

 

(  يدخل شيخ وقور في صمت ، ويجلس

بين المُصلّين .. يراه الحلاج ، يتوقف

عن الخطبة .. )

 

الحلاج                  :             مولانا  الجُنَيْد  ؟

الجنيد                  :              لا عليك ..  أكمِل  ياحلاج  …

الحلاج                 :              ياخليفة المسلمين .. إنّك لصاحب قُدرة ٍ

ومكانة  ،  وقد  سلّمتها  لك  المقادير

طواعية ً ..  وليس عن  شطارة ، أو

مهارة  ..  وليس عن  جدارة .. ربما

استحقاق  بالوراثة .. أبشر فإن ّ تحالف

السلطة  مع المال .. سيُعَجِّل الخلافة

للزوال .. نسأل الله حُسن المآل .. والله

على كل شىء قدير .

شُرطي سري ّ 02    :            مولانا الحاكم ، أعزّه الله .. يملك من

الحصافة ، ورجاحة العقل ، وبُعد النّظر،

مَـا يُـؤَهِـلَـهُ  لأن  يَـرَى َ مَـا لا  نَـَرى َ ،

ويقودنا  لِما  يرضاه ُ لنا .

الحلاج                 :          الحاكم هو قلب الأمة ، ولا تصلح إلا

بصلاحه .. من باب أولى َ أن ْ يُزيل َ

 

 

الحاكم عن الشعب الغُمّة  ،  لا أن يكون

هو ،  وبطانته سبباً في الغُمّة  .

شرطي سري ّ02      :       الله يُسَيّر ُ الكون .. والخليفة يُسَـيِّر الأمة .

الحلاج                  :       ‘‘   ويل ٌ  لأ ُمّة  مالها  عند  بخلائها  ..

وسيوفها  بيد ِ  جبنائها  ..  وولاتها

صغارها  .  ’’     *

ياأحبار السوء  ..   ‘‘   لنقل جبل ٍ على

جبل ٍ ،  أهونُ  علىّ  مِن ْ إفهام  مَنْ

لا يفهم  ..  ’’      *

عاصرت ُ أربعة ً مِنَ  الخلفاء  ..  كل

مايهمهم  حماية  عروشهم  ..  ومَلء

كروشهم  .

شرطي سريّ02    :            مَا تَـقُـومُ  بِهِ  الآن  ،  دعوةٌ  للتمردِ

والعِصْـيان  ،  أمْ  دعـوةٌ  للفضـيلـةِ

والإيمان ؟  .

الحلاج             :             اللهم لا تخسِف بنا الأرض نظير ما

فعله السفهاء مِنّا  ..

دعوةٌ للنضال ضد الجهل ، والأ ُميّة ،

وضدَّ الفقر ِ، والإستكانة ِ، والعبودية  ..

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*   ـــ   علىّ بن أبي طالب .

 

 

دعوة للنضال ضد الغش ، والفساد ،

والوساطة ، والمحسوبية .. دعوة

للنضال ضد القوة الغاشمة التركية ،

التى  زرعها  العباسيون في العراق

لحماية عرشهم مِنَ الفاطميين  ..

أنظر حولك  ترى عسكر الأتراك

في كلّ مكان ، يعيثون في الدولة ،

ويعبثون كما يشاءون .. ويبطشون

كما يُريدون .. القوات التركية هيّ

التي  تقرر ماتريد .. والخليفة  لم

يعد عرف العدو  من الصديق ..

أصوات                 :           ياساحر البيان .. إملأ  آفاق  بغداد

دَوِيَّـا ً ،  واسمِع آذانها عجبا .

شرطيّ سِـرِّي ّ 01   :            ألا  تؤمِن ُ  ياشيخ   بأن ّ مولانـا

الحاكم  المُمقتَدِر  ، هو المكتوب ُ ،

وهو  القدر  ؟

شرطي سِـرّي 02   :            وهو  مُخَلِّص ُ الأ ُمَّة َ  ،  وهو َ

حاميها  ،  ومُحييها  ؟

شرطي سِـرّي 01   :             مَن ْ غيرَه يُمكِن أن ْ يقود الأ ُمّة ؟ ..

مَن ْ غَيْرَه ُ يُمكِن ُ أن ْ يقوم مكانه

في الوقت الراهن  ؟  .

الحلاج                     :      شرِبنا  مِن ْ هذِه ِ الكأس َ حتّى َ الثّمالة  .

 

 

أصوات                    :       ياإمـام .. ياقُـُطـبَ .. ياولي ّ .. لا غِنى َ

عنك َ للسالك .. ومَن ْ صد ّ عنك َ فهو

هالِك ْ .

شرطي سري 01         :       أتسمع  ؟ .. هؤلاء البُله ، يؤلِّهونَه …

شرطي سري 02         :       ياشيخ .. أنت تجيد اللعب على الوتر

الحساس للبسطاء من الناس ..  أنت

تُدَغدِغ ُ الإحساس .. أنت تتلاعب

بمشاعرهم ..

الحلاج                   :       ياولدي .. من يحمل هموم المساكين ؟ ..

مَن ْ يحمِل ُهموم الناس ؟

شُرطي سري 01       :        أنت تحتكر الدين .. تتكلم كأنّك القائم

وحدَكَ على الحق .. هل تحسَبُ  نفسك

ممثلا ًعن الله ؟ .

الجنيد                  :        ياحلاج  ..  كمْ  أمرتُك  بالسكون ِ ،

والمراعاة ..  لا حول ولا قوة إلا  بالله ..

كم حذّرتُـك مِن الإقتراب بالحديث من

السياسة  ..  السياسة ياحلاج نجاسة ..

أُلطف بعبدِك َ ياالله  ، فإنّي أرى سيوف

الحلاج  تقطُر ُ دما ً .. إنِّي أرى سيوف

الحلاج  تقطر دما ً ..  إنِّي أرى سيوف

الحلاج تقطر دما ً …

(  ينصرف الجُنيد من المسجد )

 

 

الشبلي                    :          لماذا  لا تلتزم الصمت ، وتُنذِر ُ لله ِ

صوما  ؟ .. ولا تُكلم بعد اليوم إنسيّا ؟ ..

مازلت  تجلب  لنفسك  المتاعب ..

أما كفاك متاعب الحياة ؟ ..

أما هانت قواك ؟ .. ألم يُصبك الهَوْن ؟

الحلاج                  :            كيف  ؟ .. وأنا أستمد من الله العَوْن .

شُرطى سري 01       :            ماذا  لو يُغتال ؟ .. مارأيُك َ أن نوزّع

دَمَهُ بين متورطين ، ومتواطئين ؟ ..

وبذلك ننال رضى الخليفة ، أميرالمؤمنين ..

شرطي سري 02      :           لا .. لا .. ستقوم ثورات جديدة ومظاهرات

تشجب ، وتستنكر ، وتندد ..

شرطي سِـرِّي 01    :           إذن .. لابُد من وأد الفتنة ، بقطع رأس

الفتنة .

الحلاج               :            يامن  حكمتمونا  ،  وأسأتم  حُكمنا  ..

سئمنا  من  اللامُبالاة .. سئِمنا من

المُحاباة .

شرطي سِـرِّي 02  :             مُخاطَرَة  ليست  سهلة  ..  لا  ..  لا ..

مُخاطَرَةٌ  لا يعلم مداها  إلا  الله ..

لا  يمكن أن ْ أتخذ  قرارا ً مثل هذا ..

شرطي سري 01  :            ليس هذا وقت التردد …

شرطي سري 02  :            لا  أ ُحِب ُ  التّوَرُّط  …

شرطي سري 01  :            لا  تورط ، ولا توريط  …

 

 

شرطي سري 02   :       دعني أتدبر الأمر .. لابد من الرجوع

لوليّ الأمر  ، فالوضع  مُلتهب ، وقابل

للأشتعال ..

الحلاج              :        ياعباد الله ، بلغ البؤس مداه .

شرطي سِـرِّي 01  :       الوضع  فوق  كل  إحتمال  ..  لا تتركوا

لهُ  المجال للصياح  .. إذا  كُنّا  تركناه

يصيح ُ  أعواما ً ،  فقد  حان  الوقت ُ

ليصمت  وللأبد .

شرطي سِـرِّي 02  :      إذن .. لا بُد من  تلفيق  التهم  له  ،  كي

ننال منه بشكل شرعي ّ .. أي بالقانون ..

 

 

 

ـــ   إظـــــــــــــــــــــــــــــــــلام   ـــ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

غناء  (  إنشاد  )   :     ليس التّصوف ُ حيلة ً ،  وتكلُّفَا ً

وتقشُّـفَـا  ً ،  وتواجدا ً بصـياح

بل عِفَّة ً ، ومروءة ً ، وقناعة ً

وطهارة ً  بصلاح  .

ماخاب  مَن ْ  كان  مِن ْ  أهل ِ

الصَّفا  ،  والوَفا  ..

فاغتنم  ثوابها  ،

قبل الوفاة  ياصاح  .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المشهد التاسع

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

ـــ   المحاكمة   ـــ

 

المنظر  :    قاعة المحكمة ببغداد ..

الحلاج في القفص ..

لم يحضر القضاة بعد .

 

صاحب الشرطة      :        إن ّ الحلاج أكثر خطرا ً على الدولة من

قوة ِالقرامطة المسلحة .. ومن العلويين

المناهضين للعباسيين .

الوزير حامد         :         إنّه يُسقِط ُ الإعتراف بسلطة الخليفة ،

وإمامته .

ص . الشرطة       :         والأدهى ، والأنكى َ أنه يعتبر نفسه

كصوفيّ أعلى من مرتبة الخليفة  ،

مع أن الخليفة ظل الله على  الأرض .

الوزير حامد        :          إذن هذا المأفون يرفع مرتبته فوق

البشر  ..

ص . الشرطة      :          هل تتصور .. أنّه يتصور .. أنّه المهدي

المنتظر ، صاحب المعالي الوزير ؟

الشبلي              :          إنّه ُ رجُل ٌ أسكرَه ُ الوجد ، فلا يُقاس ُ

 

 

بمقياسِك َ أنت ، عن شىء ٍ  لم ْ

تُجَرِّبَه ُ أنت ْ .

صاحب الشرطة        :          هذا الدّجال  يدّعى  الجوع ، والزهد  ،

والإعراض عن الدنيا  ،  وعينه على

كرسي الخليفة .. وأ ُمُّ الخليفة …

الوزير حامد            :          معتوه ٌ أنت ؟ .. هل جُننت  ؟

صاحب الشرطة        :          عفوا ً سيدي الوزير .

الوزير حامد           :          وأيّ إجراء ٍ اتخذتم  ؟ .. وبما تتهمه ؟

صاحب  الشرطة      :           محسوب ٌ في دائرة الأمن العام على

تيارات التمرد ، والرفض ، والشغب  .

الوزير حامد           :          لا تُظهروه ُ كمُعارض ٍ سياسيّ ..

لا  أ ُريدُ  أن ْ يظهر في صورة ضحية

حرية التعبير .. وحتّى َ لا يخرج منها

كالشعـرة من العجين ..

لفقوا  له ُ دعاوي  دنيئة ..  تنهش ُ

عقيدَتَه ُ ، وتُقلل شانه  ،  وتُسىء ُ

ذِمَتّه ُ .. فتهمة واحدة  لرجل ٍ مثل

الحلاج لا تكفى  .

صاحب الشرطة      :          فلنتبعها بادعائه الحلولية ، والفسق ،

وممارسة السحر ..

الشبليّ               :           ياجماعة  ..  الرّجُل ُ أمضىَ  عُمْرَهُ

في  الطاعة ..

 

 

الوزير حامد          :         على كل ٍ إن محاكمة الحلاج الآن قد

تشغل الناس عن ارتفاع الأسعار ،

وضغوط  الفقر  ،  ومايعانون  مِنْ

مجاعة .

صاحب الشرطة     :          لا تحمل هم .. لقد تدبرت الأمر ..

أكدت ُ على القاضي أبو عمر ،  أن

تكون تلك هي المحاكمة الفاصلة ..

وذلك هو الأهم .

الشبلي               :           (  للحلاج  )   تآخينا  في الرؤية ،

واختلفنا  في المنهج  ..  حفظت ُ

نوري داخلي ، واشتغلت  به .. أما

أنت ،  فبُحت َ  ، وأشعلت سراجك

للناس  ..  واشتغلت  بالناس  ..

نصحتُكَ  فلم يُجدِي النُّصح  .. كم

حذّرتُك .. كنا  صديقين .. ضدين ..

توحدنا  في الله .

الحلاج             :               ياشبلي ّ .. لا تجزع .. فأنا  لا

أخشى الموت .. فالموت هزيمة

للموت .. الموت عبور إلى برزخ

السموات العُلا .. الموت صعود ٌ

للسما ..

(  يدخل القضاة ، يعتلون المنصة  )

 

 

محمـد بن سعيد        :             هل ترى ماأرى ؟

نصر القشوري         :             لحي ً ضخمة ، وعقول فارغة ، وقلوب

صلدة .

القاضى أبو عمر      :             الله المُستعان ، وهو المقصود ُ والمقصِد .

القاضى ابن داود      :             (  فلا تَعْجَل ْ عليهم ، إنَّما نَعُد ُ لَهُم عدَّا  ) ..

القاضى ابن سريج    :             وإذا  حكمتم بين َ الناس ، أن ْ تحكموا

بالعدل ِ .    *

القاضى ابن عطاء   :              القاضى هو عدل ُ الله ِ في الأرض  .

نصر القشوري      :               هذا أمر ٌ يُدَبَّر .. وهذا  أمر ٌ يُراد .

القاضى أبو عمر    :               مالتهمة .. ياصاحب الشرطة ؟

صاحب الشرطة     :               التهمة .. تحريض العامة على ولاة

الأمر ..

التهمة .. تخريب ُ عقول الأ ُمَّة ..

أقصد العامة ..

التهمة  .. فساد العقيدة ، وسوء

المذهب ، والإبتداع .. نعم ياسادة ،

هذا المتهم  الماثل أمامكم  سعى َ

إلى َقطع ِالحبل ِالسُّـرِّي بين الحاكم ،

والرَّعِيّة .. وشق صفوف الأمة ،

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*   ـــ   النساء  :   58

 

 

ونجح في تقسيمها  باسم العقيدة  إلى

جناحين  ،  أولهما  لجأ  إلى  التطرف

والعنف ، والثاني يستكين ، ويلجأ  إلى

مسارات غيبية  حلا ً لمشاكل أرضية  ..

أو هروبا ً من مشاكل عصيّة  .

الحلاج                 :          سيدي القاضى فلتأذن لي بدحض ما

يقول .

صاحب الشرطة      :         أنا لم أنتهى من كلامي .. المتهم الماثل

أمامكم ضالع ٌ في حركتين .. حركتين

معارضتين للخلافة ، تسعيان لقلب نظام

الحكم .. القرامطة ، والصوفيّة .

الحلاج              :           أنا  لست من يسعى لذاك  ..  لست  أنا

مَنْ  يهدد ا لخلافة  بالزوال .. الخلافة

تعاني من أعراض الموت ، قبل الموت ..

الذي  يهدد  الخلافة  بالزوال  ؛  الظلم

المتفشى  ،  والإستبداد  المستشري ..

من يهدد الخلافة  بالزوال الذي لم  يعد

تحت  أقدامه  سوى العراق  ..  الذي

استعان  بالأتراك .. فزادت  سطوتهم  ،

وعلت منزلتهم على العرب  ، في ديار

العرب ..   وأذاقوا  الرعيّة  ظلما ً  ،

وتنكيلا ً .. لتكبر مأساة الجياع في ليل

 

 

العبودية الحالك .. الهالك ..

القاضى أبو عمر        :          (  لكاتب الجلسة )  تكييف القضية ..

أكتُب :

الحسين بن منصور الحلاج ، متهم

بإثارة القلاقل  ،  والتحريض  على

الفوضى ،  وتهديد ِ أركان الدولة ،

وتقويض السلم الإجتماعي ، والإخلال

بالنظام العام .

القاضى ابن عطاء     :            تهم مطاطية .. فضفاضة .. وغير

مُحَدَّدة  .. القضية خاسرة حتى الآن .

محمـد بن سعيد       :            إن ّ هذا الإتهام بُهتان .

نصر القشوري        :           (  للحلاج  )   انجوا  ..  إنّهم  يبيتون

لك  شَـرَّا ً ..

الحلاج                 :            أعلم ُذلك .. هاأنذا أجد نفسي مُحاصَرَا ً

بالخصوم ، مُحاطا ً بالأعداء ، وشهود

الزُّور ..

نصر القشوري      :              لذا  انجوا بنفسِك َ .. أرجوك

الحلاج               :              كيف ؟ .. والخليفة ُ قد انقلب علي ّ ..

وصداقات القصر ، لم ْ يعد لها فائدة ،

وخصومي أعلنوها  حربا ً عليّ ..

يانصر أشعُـرُ أن ّ ساعة الحسم

تقترب ..

 

 

قل لن يصيبنا  إلا  ما كتب الله لنا ..

يانصر  ، إشتاقت نفسي للشهادة ..

صاحب  الشرطة   :              استطاع هذا الداهية ، ياسيدي القاضى

أن يتلاعب  بأسيادنا  العباسيين  ،

الهاشميين الشرفاء  ،  حتى َوهو

سجينهم لسنوات تسع ، وأن يتأمر

عليهم  ، من خلال  نفوذه الطاغى ،

على الأرملة القويّة أم مولانا  المقتدر

المعظم ، حفظه الله …

القاضى أبوعمر   :           (  لكاتب الجلسة  )  إحذف الجملة

الأخيرة من المضبطة .. نعم .. مايتعلق

بأم مولانا الخليفة .

صاحب  الشرطة   :          ياله من أسلوب ٍ منحط ٍ دنيء .

الحلاج               :          لست ُ أنا من يقوم بذلك .. بل أهل

السياسة ، وأذناب ُ القصر …

صاحب الشرطة    :         دعك من تلك البهللة .. أنت تثير البلبلة ..

القاضى أبوعمر     :        وأين موقعك من الجناحين ؟

الحلاج               :        لا من هذا ، ولا ذاك .. عقيدتي السمحاء ،

تلتزم بتعاليم  السماء .. تكره العُنف ..

تنبُذ التطرف .. ترفض التعصب وخشية

أن ْ ترميني الغيبيات للسلبيات ، خلعت ُ

الخرقة .. وخرجت للناس .. في النور ..

 

 

في العلن ..

صاحب الشرطة  :         سجل سيدي القاضي .. المتهم يعترف ..

المتهم يُدين نفسه بلسانه .. خرج للناس ..

كل الناس .. ومن هنا أقول لكل محزونوه ،

وبائعوا  الدموع  لو كان الشيخ يتلوا

تراتيله ، وأوراده ، في خُلوته ، لكنا

تركناه .

محمـد بن سعيد :       يريدونه سيدي القاضي أن يكون من

ساكني كهوف ٍ تأبى الشمس أن تزورها ،

وألا يخرج من معبد الليل ، وأن يظل في

حال ٍ من الصمت المريب .

القاضي ابن داود :      ياحُرّاس .. إن ْ لم يصمت ، أخرجوه ..

الحاضرين       :      لا فُضّ فوه .

(  القاضى يقرع على المنضده ، طالبا ً

الهدوء )

صاحب الشرطة :      مارق ٌ  ..  مُدَع ٍ  ..  ودعيّ  ..  ينطلي

كلامه على الجُهّال .. واغـتّـرَ به ِ كثيرٌ

من الناس .. إنّهُ  يَمُد ُّ شِباك َ عناكِبِه ِ ،

فيتصيّد ُ بها  ذُبّا ً من الخلق كثيرا ً ..

منافق ٌ ، مُتلوّن كالحرباء  .. مع كل

قوم ٍ على  مذهبهم  ..  وهو مع  كل

طائفة يميل ، كيّ  للقلوب يستميل ..

 

 

يُظهر الولاء للملوك ِ مِن بني العباس ،

والصوفية  للعامة .. وفي  واقع الأمر

يرومُ  إقلاب الدولة  ..  إنّه ُ شخصٌ

تُحيطُه ُ الشُبُهات ، ويشوبُه ُ الغُموض ،

وله ُ  القُدرَة  على تحريك ِ ،  وتوجيه ِ

المُغَيبين .. مشعوذ ٍ ، محتال ، يدّعي

كل علم ٍ  ،  ويهرف  في  كل  شىء .

القاضى أبن داود      :             ماذا  تريد أن تقول ؟ .. أفصح أكثر .

صاحب الشرطة        :             ياسادة .. بوضوح .. الحلاج  زعيم

جناحٍ سياسي ّ مُتطرف ،  يلبس ثوب

الإسلام .

القاضي أبوعمر      :              وأنت ياابن عفيف  ،  ما قولُك َ في

الحلاج  ؟

ابن عفيف           :               إن كان الذي رأيته منه في الحبس

لم يكن توحيدا ً ، فليس في  الدنيا

توحيد  ..  إنّـه ُ رجُـل ٌ يَعتَـصِـم ُ

بالتقوى ، ولم يشُب نقاءَهُ نزعة ُ

هوَى َ  ..  دُنياه ُ  كلّها  تعبُّدَا  ،

وحياته كلها صلاح ٌ ، وصلاة ..

مارأيت ُ  الرَّجُل َ  إلا  ناسِكا ً ،

مُتَعَبِّدا ً .. نقيّا ً .. صوفيّا ً ..

ورِعاً   تقيّا ً مُوَحِدا .. حفر َ

 

 

دمع ُ الخِشية َ مِن َ الله ِ في كلٍّ  مِنْ

خدَّيه أ ُخدودا ً ندِيّا  …

صاحب الشرطة      :         أعترض  ..  لا  تؤخذ  بشهادته  ..

المعني ذو سوابق .. وإلا لما زامل

المتهم في محبسه .

ابن عفيف           :         حضرة القائد .. حضرة الضابط ..

عفوا ً.. خانتك الذاكرة .. أنسيتني ..

كُنتُ أخدِم ُ تحت إمْرَتِك ْ.. كما كنت ُ

حارسه  لسنوات في سجن بغداد

الكبير، قبل أن يُنقَلَ للسجن الجديد ..

(  ينفجر الحضور بالضحك  )

القاضى ابن سريج   :        صاحب  الشرطة  يحمي  سيّده  ،

ولا يحمي البيت .. مهمته حماية

سيد القصر .. الشرطة  ليست

لإستتباب الأمن بل سيف مسلط

على رقاب العباد  .

صاحب الشرطة      :          سيدي القاضي  ،  ابن سريج  ..

واجبي حماية  الخلافة من عبث

العابثين  ،  ولهو  اللاهين  ،

وخروج  المارقين ، وزندقة

الزنادقة  ، الكفرة ، الإرهابيين ..

والمخربين ، والعملاء المندسين .

 

 

القاضى ابن سريج      :          وتركتم  اللصوص  ،  والقوادين  ،

والمرتشين ، والمنحرفين  طليقي

الأيدي ، يعيثون فسادا ً في البلاد .

صاحب الشرطة        :          المتهم الماثل أمامكم استهدف الأ ُمَّة

في أمنِها  ،  ووحدتها  .. هو شيخ ُ

الفتنة  ،  ورأسُها  .. هو المُحَرِّض

الأول  ،  والأساسي  ..  هو  كبير

المارقين .

القاضى أبوعمر        :            يامولانا  ابن سريج   ..  الشرطة  ،

والوالي ،  والسلطان  يسوسون

أمور العامة  ..  لقد أ ُخِذ َ علينا

العهد ُ بأن  ندور مع  الزمان  ،

وأهلِه ، كيفما دار  ،  ولا نذدري

قط  مارفعه  اللهُ  علينا ، ولو كان

في  أمور الدنيا  وولايتها  ،  كل ّ

ذلك أدبا ً مع الله الذي رفعَهُم ،

فإنّه ُ لم يرفع أحدا ً إلا  لحكمة ٍ

هو يعلمها .

القاضى ابن سريج   :             ياأباعمر .. أنت تتبنى وجهة

نظر الحاكم ، وقائد الشرطة  ،

ليس عن قناعة ، بل لركوب

الموجة .

 

 

محمـد بن سعيد       :         هذا القاضى شيخ ُ المارقين .. هذا

العاصي  لهَّاثٌ  خلف  السلاطين

هذا الـ …

نصر القشوري       :         (  يضع يده على فمه  )  ..  إخرس

أيها الأحمق ، وإلا ضِعت َ ، وضيعتنا

معك .

القاضى ابو داود    :          أنا أرى ياابن سريج أن الحلاج يُشكل

خطرا ً على السلم  العام  ..  الحلاج

يلغوا في أمر الحُكّام ، ويؤلب أحقاد

العامة .. إنّه ُ يُريدُ أن ْ يخلق حزبا ً

يُعارِض النظام ، وجبهة تُناويء

الحكومة  .

القاضى أبو عمر     :          مارأيُ  شيخ  الحنابلة  ؟  ..  ماذا

تقول  ياابن عطاء ؟

القاضي ابن عطاء   :          اللهم  ادفع  عنا  البلاء .. أرى أن

الحلاج قطب ٌصوفيّ ، دعا  الخليفة

والأمراء إلى الصلاح ، والإصلاح

فناصبوه العداء .

القاضي أبوعمر     :            ياشيخنا  الطيب .. ياابن عطاء ..

أيها  القطب  الصوفيّ  الكبير  ،

والإمام  الجليل  .. اسمح لي أن ْ

أقـول  ،  مع  كل  الإحـترام  ،

 

 

والتبجيل  لك ، ولمذهبكم  :

”   إن ْ كان التصّوف  غير الإسلام ، فلا

حاجة َ لنا به  ،  وإن ْ كان هو الإسلام  ،

فحسبنا  الإسلام    ’’  .      *

صاحب الشرطة        :        هذي رسالة  يامولانا  القاضي  ،  من

الحلاج  لأحد أتباعه ، سقطت  في أيدينا ،

يُعبّرُ  فيها  عن  ابتهاجه  بقيام  الدولة

الفاطمية في مصر .

القاضي ابو عمر      :          إقرأها ياحامل الأقلام .

القاضى ابن داود      :          نعم .. إقرأها ياغلام .

كاتب الجلسة           :          مولانا  الخليفة الفاطمي .. حامي الدولة

الفاطمية  الزهراء  ،  المحفوفة  بأهل

الأرض والسماء .. هاهو النور قد جاء ،

ليكشف الحق قِناعه ، ويبسط  العدل

باعه ، و …

القاضى أبوعمر        :           كفى ..

القاضى أبن داود       :           فى هذا  مايكفى للإدانة .

القاضي ابن سريج     :           أيّة ُ إدانة ؟ .. أية محاكمة ؟ .. وأية ُ

محكمه  ؟  ..  إنها  لإهانة  .. أنها

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*   ـــ   أبوبكر الجزائري .

 

 

محاكمة  صورية  ..  العقاب  جاهـِزٌ

قبلها ، والشهود شهودكم .. وضِعوا

مِن قِبَلِكُم ، وتترأسها أنت أيها القاضى ،

المقرب من الحاكم .. والوزير حامد ابن

العباس  ،  قد  أعد ّ العُدّة  ،  وتربّص َ

بالفريسة .. ياألله .. الدولة أعدّت عُدّتَها ..

القاضى ابن عطاء     :          الوزير حامد .. وأنت ياصاحب الشرطة

ياابن عبد الصمد ، أرى السلطة وليس

القضاة  هي  التي تجلس على منصة

القضاء .. حاكمة سلفا ً ، وتُدينُ قبل

السؤال .. والتهمة جاهزة ٌ، ولصيقة ..

مع أنها تُجافي الحقيقة .

نصرالقشوري          :         الحقد ، والحسد يملأ  قلب القاضي ابن

عُمر ،  وخاصة ابن داود الحقود .. بل

ويملأ  قلوب  البطانة  المتملقة  حول

القصر .

القاضي ابن داود       :          بما أنّه يعارض الحاكم ، ويخرج على

الخليفة ،  فإنّه ارتكب معصية ً يُعاقَب

عليها بسخط الله .

صاحب الشرطة         :         كما جاءنا من مصادرنا السرِّيَّة ، أن ّ

الحلاج  يُدَبِّر ُ لإنقلاب ٍعلى القصر ،

بقيادة  ابن  المُعتّز ..  وأنّ  الحلاج

 

 

تحالف  مَـع  أقوى َ  قـادة  العصـر  ،

الحُسَيْن  بن  حمدان  ،  عم  سيف

الدولة .. الحلاج  ياسيدي  القاضي  بات

زعيما ً لِجماعات تحترف العمل السرّي .

القاضى ابن داود    :           أنت متهم بالمس بالأخلاق ، والمس بالذات

الإلهية  .. وتدّعي أن ّ الألوهية حلّت فيك ؟

تعالى الله ، وتقدّس عما تقول …

الحلاج                 :          أنفي الشريك َ عن الإله .. فليس لي ربٌّ

سِواه ، المُتَفَرِّدِ الوَهَّاب ..

لا  قُبَّة ً تُرْجَىَ ، ولا  وَثَنٌ  ولا قبرٌ ، ولا

نَصَبٌ  مِنَ الأنصاب .

أما  أنتم  فقد  نصَّبتُم  أنفسكم  حراسا ً

على  الذّات ِ الإلهية  ؟  ..  ومامن أحد ٍ

منكم تحدّث  عن  توريث السلطة ؟ ..

ومايجري في البلاط  من  انفلات  ..

وأغمضتم  الطرف  عن  الدجالين  ،

والمشعوذين ، وتجار الدين ..

القاضى ابن داود      :           أصبحت نجماً  ياحلاج  ،  تبيع كلاما ً

عن الدين ،  مستغلا ً جهل  العامة ..

أنت من تكون ، حتّى  تُحَرّك َ بِرْكَة َ

السكون ؟  .. أنت  مَن ْ تكون  يامن

تضلل الشعب  ..  وياللأسف  الشعب

 

 

بات  بك مفتون  ؟  .. ماأنت  إلا زنديقٌ

مُرتد .. زنديق كافر ..

الوزير حامد            :           إذن  فلتحكم على هذا المخبول بالموت  ،

حتى  نرى  أيّ  إله ٍ  هذا  الذي  يتجرع

غصة الموت .

القاضى ابن سريج     :           ياابن داوود ؟

القاضى ابن داود       :          القاضى ابن داوود .. لا تبخسني مكانتى

ياابن  سُـرَيْج .. لا تبخسني قدري ..

القاضى ابن سريج     :           من ذا الذي يتولى مهمة  تكفير الناس ؟ ..

مَنْ  ذا  الذي  يتولى  مهمة  اختيار

المؤهلين  لدخول  الجنة ، والنار ؟ ..

وعلى أيّ  أساس ؟ .. أنت أم الله ؟ .

الحلاج                  :          تُريدون  اغتيالي  مكافأة ً  لي على

اجتهادي  ،  أم جهادي  ؟  ..

القاضي ابن داود      :           أي إجتهاد ٍ ،  وأيُّ  جهاد ؟ .. ماأنت

إلا  نمرود ٌ جديد .. تزعم  الألوهية  ،

مع أنّ النمرود عجز  أن ْ يُغَيّر َ مسار

الشمس .. وأنت تزمع ُ إصلاح بغداد ..

أنت من طواغيت الكفر ، والإلحاد ..

محمـد بن سعيد      :           (  للقاضى أبو عمر ) سيدي القاضى ..

هل تأذن  لي بالشهادة  ؟

القاضى أبوعمر      :           من أنت  ؟ .. ومن تكون  ؟

 

 

محمـد بن سعيد         :            محمـد بن سعيد .. وخادم  الشيخ  ،

ومرافقه  طوال  عشرين  عاما  .

القاضى أبوعمر        :            أي ّ ُ شيخ  ؟

محمـد بن سعيد        :            الشيخ  الأكبر .. الحلاج .. الإمام ..  الفقيه ..

نفيس العلم  ..  العارف الرباني  ،  والقطب

النوراني  ،  والرّجُل  الرّوْحاني  .. يشهد  له

القاصى ، والداني .. كان بيته  لا  يخلوا  من

وفود  الزائرين  ..  يزدحم  بالقاصدين  ..

يرجونه الدعاء  ،  ويبتغون منه الكرامات ..

القاضى ابن داود     :             كرامات  ؟  .. هه ..

محـمد بن سعيد       :            الشيخ ُ له ُ كرامات ٌ ، وآيات .. مُستجاب ُ

الدعوات ..  إّنّه ُ ولي ٌّ  من  أولياء  الله  .

القاضى ابن داود     :             مايزعُم ُ أنّها  كرامة ، ماهيّ إلا  شعوذة ٌ ،

وكهانة  .

ياصاحب الشرطة .. أين الشاهد ؟ .. هه ..

الشاهد .

ابراهيم بن شيبان    :            أ ُقسِمُ بالله ، وبالقُرآن  …

القاضي أبوعمر      :            (  مُقاطِعا ً  )  إسمُك  ؟  .

إبراهيم بن شيبان    :            إبراهيم بن شيبان .. سمعت بعيناي الذي

سيأكلهما  الدود .. الحلاج يقول  :

القاضي أبوعمر      :           سَمِعتَ بعينيك  ؟ ..

إبراهيم بن شيبان    :           سمعت ُ بأ ُذُناي ، الحلاج يقول  :

 

 

أنا الحق ..

وكان يُرَدِّد عبارات أخرى َ غبيّة .

صاحب الشرطة        :         إنّه ُ لكُفر ٌ صريح .. إذَنْ  ياسادة  ، ها

أنتم  تَرَوْن  ..  الحلاج  نزع  الله عن

عرشه ، وجلس مكانه .

القاضى ابن عطاء    :          هذا  بناءا ً على  فهمك  المخمور ..

هل  تنظرون  لجوهر الإنسان  ،  أم

لظاهر سلوكه  ؟ .. هل  شققتم عن

قلبه ؟  .

القاضى ابن عطاء    :         الأمر هنا يتعلق بالسريرة الإنسانية ،

بالداخل البشري ..  الجوّانية .. التى

لا يمكن أن تتعرض للمحاكمة .. ألا

يشفع ُ للحلاج حُسن َ نواياه  ؟

القاضى ابن داود     :         هذه  النوايا  يُحاسِب ُ عليها  الله  ،

لا الشرع  ،  ولا  المجتمع  .

ياابن عطاء .. من القائل  :

مافي الجُبّة َ إلا  الله  ؟

أنا  أم هوَ  ؟ ..

القاضي ابن عطاء   :          لا  أنت َ ، ولا  هو َ ..

ألصقتموا  العبارة  للحلاج ِ بمهارة ..

المقولة  :

لأبي  يزيد  طيفور بن عيسى  ،

 

 

وياللحَقارة  . *

ابن عفيف             :           لماذا تلاحقونه ؟ .. والشيخ ليس له نشاط

مُضِـرّ ..  أما النوايا  فموكولة إلى الخالق ..

وهل من العدل أن ْ نُفَتِّش َ في الضمائر ؟ ..

فلماذا تصبون عليه  كل هذا  العذاب  ؟  ..

إنّه ليس أكثر من درويش زاهد ، مجذوب

بالحب  الإلهي .. الرجل

حج البيت ثلاث .. قال لي مرافقه في الحج

إبراهيم بن شيبان  ،  أنّ الرجل كان يطوفُ

البيت َ الحرام ، وفي داخله دموع ٌ سبقت

عينيه .. ويذكُرُ .. آه .. يذكُرُ أنّهُ لمّا صعد

اليه  على جبل قُبَيْس بمكة وقت الهاجرة ،

فإذا هو جالسٌ على صخرة ٍ في الشمس ،

يتعبد ُ والعرقُ يسيل ُ منه .. أيُّ عزيمة ٍ

يحملها  هذا  الرجل ؟ .. إنّه ُ مِنْ أهل ِ

الصفاء .. مِنْ أهل النقاء .. إنّه ُ مِنَ

أولياء الله الصالحين .

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*   ـــ   د .  عبد الرحمن عزّام  .

كتاب التصوف ، وفريد الدين العطّار .

هنداوي للنشر  ـــ  ص  :  26

 

 

إبراهيم بن شيبان  :             بل قُل الطالحين .

القاضى ابن داود    :            الرجل يظُن ُ نفسه علىَ حقٍ ياابن عفيف ..

ثُمَّ  أننا  لم ْ نأذن  لك  بالحديث  .. احترم

الضوابط وإلا عاقبناك  .

على مايبدو تود أنْ لديك ماتقولهُ  ياابن

شيبان ؟

ابراهيم بن شيبان    :            من أحب أن ينظر إلى ثمرات الدعاوي

الفاسدة ،  فلينظر إلى الحلاج  ..  إنّه ُ

ينعق ُ بأساطير مجوسيّة  ..  ينبح  بها

صديقه  الشبليّ ،  وتعوي بها  العامة ..

إنّه يتخبط في تيه الظلام ..  وقد دوّخه

الباطل .. لذا سوف يُحشر مع فرعون ،

والنمرود  ،  وأبا جهل  ..  جزاء كُفره

الصريح .

الحلاج                :             هذا واحد ٌ من أهم أسباب انحطاطنا ..

هيمنة  لغة  التكفير ،  بدل  التفكير .

القاضى أبوعمر     :               ياحلاج .. ماقولك  فيم َ  نسبه  إليك

إبراهيم بن شيبان  ،  بأنّك  تدّعي

الألوهية  ؟

الحلاج                :              ‘‘  ولو  كان فيهما  آلهة ً غير الله

لفسدتا  ’’ .. صدق الله العظيم .

القاضى ابن داود    :             أين  عُـبَـيْـد الله  بن  أحمـد  بن أبي

 

 

الطاهر  ؟  .. أين الشاهد الثاني  ؟  .

صاحب الشرطة         :           لم يحضر .. ويعتذر ..وبعث بشهادته

كتابة ً ..

القاضى ابن داود       :           ماذا تقول  ؟

صاحب الشرطة         :            مُشَعوذا ً ،  مُحتالا ً ،  يدّعي  كل

علم ٍ ،  ويهرِف ُ  في  كُل ّ  شيء

مع أنّه ُ صفر ..

الشبلي                   :            ولأنهم  اتخذوا  الكذب دينا ً ، فإنّهم

يتهمون الصادقين بالإلحاد .

القاضى أبوعمر        :             ياشبلي  ..  لم  نأذن  لك  ..  التزم

الصمت ، وإلا  أخرجناك .

(  يتقدم رجل من منصة القاضي ..

بعد أن يدفعه صاحب الشرطة )

القاضى أبوداود         :             من أنت ؟

أبو يعقوب               :            أبو يعقوب الأقطع .

القاضى أبوداود         :             ماذا لديك ؟

أبويعقوب                :             بغلة ٌ ، ونعجتين .

(  يضحك من في قاعة المحكمة )

القاضي أبوعمر        :              ماعلاقتُك َ بالمتهم  ؟

أبو يعقوب              :              صهرُ الحلاج  .

القاضى أبوداود        :               ماقولك في الحلاج  ؟

ابويعقوب               :           زوّجت ُ  ابنتي  من  المذكور  ..

 

 

الحُسَين بن المنصور المكنى بالحلاج ،

على غير رغبة منى .

القاضى أبوداود     :         لماذا  ؟

أبويعقوب            :         كنت  أود  لو تتزوج  بفتىً  بصريّ  ؛

من بني قومي ، مِنْ أهلى وعشيرتي ..

بواحد ٍ من أبناء إخوتي .. أو مِن أبناء

عمومتي  برجُل ٍ نعرفه  ويعرفنا .. من

أبناء  جِلدَتِنا  ،  وليس غريبا ً عَنّا  ،

ولا ندري  من  أين  هبط  علينا  فجأة ..

إستثقلته لأول وهلة .. توجست منه ..

وتشاءمت .. لكن ماذا بيدي ،  والصبية

قد عشقته .. قد  لعب  برأس البُنَيّة  ..

مستغلا ً  سذاجتها ، وسنّها  الصغير ،

ولأنَّ  مَن مثله  بالنساء خبير .. جُنّت

به ، ومن فرط ِ عشقها  لهُ  كاد عقلها

يطير .. الحيوان راودها  عن  نفسها  ،

فطاشت  بها  ــ  وآأسفاه  ــ  نزوة ٌ

وَلْهَى َ ..  فبالله عليكم  كيف  أردع  ،

عاشقة ً ملهوفة  ؟  ..

في بادىء الأمر رأيت ُ فيه  التُقىّ   ،

والورَع  ..  ولمست  حُسن  طريقته  ،

واجتهاده  ..  وقلت ُ  لنفسي  سُتْرَة ُ

 

 

البنات واجب  خاصة ً وزماننا  كثُرَت  فيه

المفاسِد  ..  مِنْ ملاهٍ ، ومراقِص .. فلعنت

شيطاني وسوء ظنّي .. لكن مالبث أن تبيّن

لي ، بعد مُدّة ٍ يسيره أنّه ساحرٌ ،  مُحتال ٌ ،

دجّال ٌ وكافر .

القاضي أبوعُمَر     :         ومامطلبك الآن ؟

أبو يعقوب           :         مطلبي ؟ ..  نزع ابنتي منه .

ابراهيم بن شيبان    :         لو قدرت ُ عليه لقتلته بيدي .. ذلك الوثنيّ

المُلتَحي .

القاضى ابن داود    :         يأأبا يعقوب .. لم نكن ندري أنّه بينك ، وبين

إبليس نسب ..

(  يضحك الوزير حامد  ،  وقائد الشرطة  ،

وابراهيم  بن شيبان  )  .

ياعباد الله .. بعد كل ماسمعتموه ، هل يُعَد ُ

هذا المُتعالِم ، من أولياء الرحمن ، أم من

أولياء الشيطان ؟  ..  نترك لكم الإجابة  .

الحلاج                 :         طعنوني في ظهري بأيدي أحبابي ..

طعنوني في ظهري بأيدي أنسابي ..

لم يكن هذا في حُسباني  ..

شكرا ً ياصهري .. شكرا ً  يابصري ّ

شكرا ً ياجَد أولادي .

شكرا ً ياابن الأقطع ..

 

 

هل هذا جزاء ُ إحساني ؟ .

الوزير حامد          :        سيدي القاضى .. مازالت شاهدة ٌ أ ُخرى .

( يدفعها الوزير تجاه المنصة  )

القاضى ابن عطاء   :       أيها الوزير .. أنت تُكـْرِه ُ الشهود ، وتُكـْرِه ُ

القُضاة .

الحلاج                :        بنت السمري .. زوجة ُ ابني .. وابنة ُ

أخلَصُ أحبابي   ؟ ..  مالذي جاء بك ِ إلى

هنا  ؟ ..

إطمأنّي يابنيتي .. فإن الله معي .. لا داع ٍ

للخوف عليّ .. لا تقلقي ..

لماذا  تركت ِ دارك  ؟  ..  وصِغارك  ؟

أين زوجك  ؟

القاضي أبوعمر    :         (  للحلاج  )  نحن  الذين نسأل ..لا أنت ..

(  للمرأة  )  من أنت ِ ياصبيّة  ؟

بنت السمري       :          بنتُ  السمري  ،  وزوجة  حميد  بن ُ

الحلاج .. وَلَدُ  هذا  الشيخ  .

القاضي أبوعمر   :          أين محل إقامتك  ؟

بنت السمري      :          في بيت الوزير حامد .

الحلاج             :          ولماذا تقيمين في بيت الوزير حامد .. وبأيّ

صفة ؟ .. لماذا تركت بيت زوجك ؟ ..

وأين هو ؟

القاضي أبوعمر  :          ليس لك الحق في استجوب الشاهدة  ؟

 

 

الحلاج               :          أنا لا أستجوبها .. إنما أستفسر منها ..

فهيّ زوجة إبني  .

القاضي أبوعمر    :           لماذا تقيمين في بيت الوزير حامد ؟

بنت السمري       :           لحمايتي .. خوفا ً من قتلي .

الحلاج              :           ومن يسعى إلى قتلك ؟

بنت السمري       :           أنت .

الحلاج              :           لماذا يابُنَيتى ؟ .. ومالداعي ؟

بنت السمري       :           كي أكتم شهادتي .

القاضى أبوعمر    :          وبما أنّك ِ في أصبحت ِ في أمان ،

بفضل  الوزير أبو حامد  الهُمام ،

إذا ً في الإمكان سماع ُ شهادتك الآن .

بنت السمري     :            الحلاج كان صديقا ً لوالدي .. كنتُ

أعتبره بمثابة أبي .. هذا  الشيخ استغل

ثقتي ، وسذاجتي .. وذات ليلة غشيني ..

وخوفا ً من الفضيحة  ،  زوجني إبنه .

القاضى أبوعمر  :            العياذ بالله .. زواج باطل .. الحلاج ُ آثم ..

زواجُـكِ  من ابنه باطل  هذا هو عين

الحرام  ..

ياسادة  ..  لو كان  حقا ً ما  تقول  ،

فزواج بنت السمري من إبن الحلاج

باطل

أصوات         :              (  همهمات  )  زواج بنت السمري ، من

 

 

ابن  الحلاج باطل ..

القاضى أبوداود        :         ما فعله الحلاج  ،  هو الرَّتْق ُ بعد  الفتق .

بنت السمري           :         إذَن ..  هل يحق ُ لي َّ الطلاق ؟

القاضى أبوداد         :          بالقطع يابُنَيَتي  .. وهل في ذلك شك  ؟ .

(  بنت السمري تنظر إلى الوزير حامد

بطرف عين  غامزة  له  بجفنيها  )

الشبلي                 :          وكأني بها إمرأة العزيز تعود من جديد .

محمـد بن سعيد       :          لا .. إنها  إمرأة  حميد ..  العزيز  فعلا ً

على  قلب أبيه ..

الخبثاء  ..  طعنوه  في الظهر ،  بأيدي

المُقرّبين منه .

بنت السمري          :          سيدي القاضى  ..  كدت ُ أن ْ أنسى ..

حتّىَ  أخت  زوجي .. ابنة الحلاج  ..

وبعد  أن ْ أصبحت ُ زوجة ً  لأخيها  ،

كانت  تأمرني .. كانت تأمرني …

القاضى أبوعمر      :            تأمرك ِ  بماذا  ؟  ..  تكلمي  ..

لا تترددي ..

بنت السمري         :             أستغفر الله …

القاضى أبوعمر      :             لا تخافي .. أنت  الآن في أمان .

بنت السمري        :             سامحني  ياالله  ..  كانت تأمرني أن ْ

أسجد  لأبيها  ..  للحلاج .

القاضى ابن داود   :             يالطيف  الألطاف  ..  إنها  لطامّت

 

 

الطامات  ..  أستغفر الله ، مِن َ الكُفريّات ..

مُخلّد ٌ في  النار .. مُلحِد ، مُرتَد .. زنديق ٌ

كافر

القاضى ابن عطاء     :        أنت  حانق  ..  خيرٌ  لك  أن  تقضى  وقتك

بالسعي لإدخال نفسك الجنّة ،  على السعيّ

في إثبات أن ّ غيرك  سيدخل النار ..

يارجل .. الحلاج نهارا ً يذهب إلى مسجد

المنصور .. وليلا ً يتهجد بين القبور .

ابن عفيف            :           هذا  حق .. رأيته بأم عيني ،  وأنا

أعِس ُّ ليلا ً  ،  يبكي عند قبر الإمام  ..

القاضى أبوعمر      :            أيّ إمام ؟

ابن عفيف            :            الإمام الأكبر .. أحمد بن حنبل .

القاضى ابن عطاء  :            هل انطلت عليكم الحيلة ؟ .. إن ّ الرّجُل

منقطع ٌ عن الدُنيا غارق ٌ في التسبيح ِ ،

والأذكار .. ليس  هناك  من  متصوف ٍ

أكثر عِشرَةً  مع  الله  مِن َ  الحلاج  ..

ماأكثر الأقلام المأجورة .. وماأكثر

شهود  الزور  ..  ماأكثر المرتشين

والقوّادين ، وماأسهل شراء الذّمم ..

القاضى أبوعمر    :              ياابن عطاء .. أراك َ تطعن في النوايا

والمقاصد ، وليس مِن ْ سلاح  لديك

إلا التشكيك  .

 

 

القاضى ابن عطاء    :        من يشتري ذمة القاضى  ،  يشتري ذمة

الشهود ..

طعنتموه ُ في الظهر بأيدي أقربائه .

القاضي أبوعمر      :         ياابن عطاء .. لم نعُد ندري ، هل هو

قدّيس ٌ، أم عربيد ؟ .. هل هو صِدِّيق ٌ،

أمْ  زِنديق  ؟  ..

الحلاج                :          أستغيث ُ بك ياألله ، وقد اشتد الوجع ..

وبذِكرِك َ ياألله  ، كُلّلما  ضاق  الصدر

اتّسَع  .

القاضي ابن داود    :           حسنا ً ياابن عطاء .. أيَّة ُ أذكار ٍ ،

وأية ُ  تسابيح  ؟  ..

” هل تُسَمِّي حلقات ِ الرّقص ، تحت

مُسَمَّى َ حلقات الذِّكر ِ ، في  الموالد ،

وكهوف ِ الدراويش عِشرَة مع الله ؟ ..

هل مايقوم به مريدونكم  من بِدَع ٍ ،

وصرخات ٍ هستيرية  وآهات ٍ ،

وتأوهات ، بدعوى َ الإستغاثة  ،

وهم  يميلونَ   يُسْرَة ً ، ويُمْنة ،

وتتمايل ُ  أعطافَهُم  على  وقع

دفوف ٍ ،  يدُقُّ عليها الشيطان ،

وأزيز  نايات ٍ ، كفحيح ٍ حيّات ٍ ،

تصفُر ُ فيها الشهوة .. وماهيّ

 

 

إلا  لحظات ٍ حتّى َ تُجَن ُّ فيها  تلك الأجساد ..

ويزعمون أنّها  التجلّي .. أيّة ُ تجلّي يارجُل  ؟

يزعمون  أنّها  سَكرَة  الدراويش  مِنْ  خَـمْـرِ

الإيمان .. بل إنّها  أفيون الدراويش .. وشيخ ُ

الطريقة ِ بين مريديه في حلقة ِ الزّار سعيد ..

وكأنّما  رذيلة ُ القوم ِ باتت فضيلة ٌ مُقَدَّسة ..

هل هذه البهلوانية الرعناء تُسَمّيها  َ ذِكراً ؟

ماهكذا  ذكَر  الرسول ُ  رَبّه  ؟  ..  وماهكذا

سَبَّح َ الصحابة ُ رضى َ الله ُ عنهم  رَبَّهُم  ؟ ..

هل  كان  رسول الله  يهتّز ُ مِن ْ رأسِه ِ إلى َ

قدميه  ؟ ..

أو ْ كان يضرِب ُ بذقنِه  صدره  ؟  ..

أو كان  يهُز ُ أعطافَه ُ  يُمْنَة ً ،  ويُسْرَة  ،

ويُرعِش ُ  بَدَنَه ؟ .. أبدا ً .. لكونِه ِ نبي ّْ ..

ولأنّه ُ رجُل ٌ أبيّْ ..  ’’   *

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

*   ـــ   أبوحفص عمربن عبد العزيز القريشيّ .

كتاب  :   شُبُهات التصوف  .

ص  :  222

دار الهدىَ  ــ  مصر

 

 

 

القاضي أبوعمر       :            حقا ً ياابن داود ..  ”  إن ّ أذكار َ الصوفية

على هءذه الشاكلة  ،  وهذه الكيفية ،  بِدعة ٌ

يهودية .. فاليهود هم مَن ْ   ”   يُسَبِّحون َ

الله ، برقص ٍ ، ودُف ٍ ، وعود …  ’’  .     *

الحلاج                 :               ”   وَاذْكُـرْ  رَبَّـك َ في  نَفْسِـك َ  تَضَـرُّعَـا ً

وَخِفْيَـة ً وَدُونَ  الجَهْـر ِ مِن َ القَوْل ِ ’’  .  **

القاضي ابن داود     :              ياشيخنا  الجليل  ..  ياأبا عُمَر  ..

”   إن ّ  المُريدين َ مع  شيخِهِم  ،  كعبَدَة ِ

العِجل ِ في اليهودية …  ’’’  .           ***

إنّ  هؤلاء البُلْه مِن َ المُريدين لا يَطِؤن َ له ُ

علىَ سِجّادَة ، ولا  ينامون له ُ علىَ وِسادَة ..

يلتمسون َ  مِنه ُ  البركة  ،  وَيَدينون َ  له ُ

بالطّاعة  ..  في  حين  لو  دعاهم  الوطن ،

لفرّوا  نافرين  .

القاضي أبوعمر       :             ”  أتأمرونَ النّاسَ بالبِّرِ ، وَتَـنْـسَـوْنَ

أنْـفُـسَـكُـمْ   ’’  .                        ****

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*      ـــ    أبوحفص عمر بن عبد العزيز القريشي  :   شُبُهات التصوف .

ص :  222 ــ  دار الهُدَى َ ـ  مصر  .

**     ـــ    التوراة  ــ  المزمار   :   149

***    ـــ    الأعراف   :    05

****   ـــ     البقرة   :   44

 

 

القاضي ابن داود       :          ياأبا عُمَر  ..  تبيّن َ لنا  أنّه ُ مِن ْ جِنس ِ

الكُهّان  …

القاضي أبوعمر        :          أين  شيخ شيوخ الصوفية   ؟   ..

أين  الوليّ الصالح  ؟  ..

أين  الجُنَيْد  ؟  ..

مارأيك َ في تلك القضية  ؟  .

الجُنَيْد                  :           إنّها  قضايا  ،  وليست قضية  ..

القاضى أبوعمر       :            نحصرها  أولا ً في القضايا العقائدية  ..

ولنترك  جانبا ً القضايا  السياسية  .

القاضى ابن سريج    :           كيف تغفل الجانب السياسي ؟  ..

القضية في  ظاهرها عقائدية .. دينية ..

لكن في حقيقتها  سياسية .

القاضى أبوعمر       :           ياابن سريج .. دع  لنا الفرصة  لنستمع

للقطب الجُنيد .

الجنيد                  :           الحلاج تاهت أقدامُه عن طريق الصواب ..

يتحدث ُ  بكلام ٍ غامض  ، يحيد ُ  عن

الصواب ..

يقول أشياء متشابهات ، فيها من إشارات

العارفين ، ورموز السالكين .. باطنها حق ٌ

وعرفان ،  وباطنها كفر وضلال .. اختلط

عليه  البرق الخادع ، بالنور الهادي .

إنّه  استسلم  لتيه  القلب ، وانجرف وراء

 

 

ضلال  الخواطر  ..  إنّه ُ صوفي ٌّ ضليل  ،

دوّخه ُ الباطل  .. في قلبه أهواء ٌ مُتعددة ..

وفي وجدانه أحلام ٌ  يُحِسّها  ،  ويُدرِكُها  ..

واضحة ً  حينا ً .. غامضة ً  أحيانا ً  ..

روحه  لم  تظفر  بعد  ،  وقلبه لم يصل

بعد  إلى  مقام  الثبات  ،  والتمكين  …

الحلاج          :                 لكنّى على يقين ..  ياشيخي .. وأمامي ..

وفقيهي  ..  ياجنيد  ياصديقي وحبيبي ..

كنت مُعلّمي ، وأتعبتني  ،  لَـمَّـا علّمتني

عادة  التفكير  ..  وكنت  أحسب عندك

تفسير ٌ لكل  شىء  ..  مابالك  حانق ٌ

عليّ  .. هل  أسأتُ  القول ؟  ..

ألست أنت من فتّحت عيني على الظلم ؟ ..

ألست أنت من علمني  آداب  النفوس

وصلاح القلوب ؟ ..

أما كفاني عشت سنين في غيبة مديدة ؟ ..

فغادرت .. وهاجرت  وانطلقت ، لأ ُخرج

العباد  من  عبادة  العباد  ،  لعبادة  ربّ

العباد ..

أتلومني لأن  أقدامي في الأرض ، وقلبي

في  السماء  ؟ .

الجنيد         :                   أنا  الذي  ألبستك  خرقة  الصوفية  ..

 

 

فتمردت  ،  ونقضت  العهد  وهجرت الخرقة  ،

ظنا ً  أنّـك  قـد  تنال  الحرية  ..  وهاأنت  قـد

سبقتني  ،  وجئت  الآن  تُحاجُني  .

الحلاج         :           أتلومني يامُعلمي ، وياأ ُستاذي لكوني أتلمس

طريقي  نحو  الصوفي  ،  والإصلاحي  ..

أتأخُذُ  على ّ  أني اعتزمت أن ْ أبلغه  ،  أو

أهلك دونه  ؟  ..

هل ذنبي  ياشيخي  ،  أن ّ مُراد مُريدُك َ أن

تتحول الدنيا مِن ْ غابة للشهوات  ،  ولهو

الشياطين  ،  والصراعات  ، إلى مساجد

للحب  ،  والسلام  ،  ونجوي  للساجدين  ..

ياشيخي  وإمامي  ..  يامعلمي  ومرشدي ..

إلى متى  أظل ُ سابحا ً في بحر الشطحات ؟

ثمِلا ً بخمرة الغيب ..

إلى  متى  تريدني مُغَيبا ً ،  مُستَعبَد الفِكر ،

سليب الإرادة بين يديك كجثة ميت ٍ في يد

غاسِلِه  ؟ ..

الجنيد              :          لقد خرجت  عن  طاعة  المريد  لشيخه ..

الحلاج             :          كُنتَ وَجهي ، وعيني ، وجئتُ علىَ أثَرِك ْ..

طُفت ُ بفضلِك َ مُدُن َ العِشق ْ  .

الجُنَيْد             :          هل تذكُر  ياحلاج ، كم حذّرْتُـك  :

إياك  أن ْ  تدُل  الناس َ إلى  الله  ،  وتفقد

 

 

أنت  الطريق  ..

الجلاج           :             وهل  تُـراني  فقدت ُ  الطريق  ؟

الجُنَيْد            :             أنت  تذبح  الدين  بسيف الإنتهازية  .

الحلاج           :              أستميحُك َ عفوا ً ياشيخي  ، أنْ تفهمني  ..

لَمَّا  وقعت  في  بحرِك َ  ياقُطب َ  الأقطاب  ،

راعَني  لُجُّك ، وهالَني موجُك  ،  فجَهَدْت ُ

حتّى َ رجعت ُ إلى َ الساحل ، وقَنَعت ُ بأن ْ

أصِف َ ما يقذِف ُ البحرَ مِن  جواهِر .

الجُنَيْد           :               ياحلاج .. سأظل أ ُمَثِّل ُ  أهل َ  الصّحو ِ ..

لكنّكَ  ركنت  لأهلِ السُّكر .

الحلاج          :              الصُّوَر ُ شَتّى َ ، والحقيقة ُ واحِدَة .. والطُرُق ُ

مُختَلِفَة  والمقصِد ُ واحِد …

الجُنَيد           :               صِوَر ٌ  وأوهام  ،  في  الذِهن ِ  الكليل  ،

وظنون ٌ  حَيْرَى َ في  الفِكْر ِ الضليل  ..

وتهاويل َ في الخيال ..  فضللت َ الطريق َ ،

وحِرْت ..

الحلاج        :                ألِأنِّي لازَمْت ُ أهل َ الفقر .. أدعوهُم للصبر ِ ،

وللشُكْر  ؟

الجُنَيد          :                يامَن ْ  تتوسل  بالعقل  الحائر ..  حذار ِ أن

تقع في الشِّـرْك  .

الحلاج         :                ياقُطبي الأكبر .. إطمئن .. مازاغ البصر ُ ،

ومازاغ  الفِكْـر  .

 

 

القاضى أبوداود         :          إذا ً .. الحلاج ُ لم يلزم التقيّة .. باح بالسر ،

فيستحِق ُ  السيف  .

القاضى ابن سريج      :          أيّ ُ سِـر ٍ ، وأي ُّ سيف  ؟  .. ماكل ّ  هذا

الزيف  ؟ ..

ألِكَوْن  الرجل  أفصح  عن  عِشقِه ِ لربِّ

الكون ، بلغة ٍ عصيّة على الفهم ، وفوق

الإدراك  ،  فتحيّرت  الألباب  ،  يحسبها

الطافح  في  ظاهِـــرِ  النصوص  كُفرا ً ،

تستَـنُّوا  له ُ سيوف البتر ، والتكفير ..

عِوَضا ً عن  أن ْ  تعترفوا  بأنّكم وقفتم

في الضفة الخاطئة من النهر ؟  ..

القاضى ابن داود        :           ماذا  تريد  ياابن سريج  ..  أن ْ نضع

أقدامنا  ،  وأجسادنا  في  النهر ،  مثل

الحلاج ،  فيغرق ، ويُغـرِقُنا  معه ؟ ..

ياابن سريج  ..  الرجل  إقتحم  مواقع

الشبهة ِ ،  ومواقع  الريبة  .

القاضى ابن سريج        :         ياابن داود .. الحلاج عاصر ثلاثة من

الخلفاء العباسيين  ،  وَلَـم ْ  يُـفَـتِّـشـوا

عقيدته الدينية ، ولم يقيموا عليه الحد..

فلماذا  تفعلون ذلك الآن ؟  .. وهل

يُعقَل ُ ذلك  ،  وفي عصر المُقتدر ؟ ..

الوزير حامد              :          لماذا  الآن  ؟  ..  ليس في السياسـة ِ

 

 

صُدفة  ،  بل  حسابات  .

القاضى ابن عطاء       :             ضاق صدر الجنيد بتلميذه ، غيرة ً وحسدا ..

الشبلي                    :             فانقطعت  المودة  بين  المعلم  وتلميذه  ،

وتولدت خصومة ..  وحدث فتور .. وأوغر

ذلك عليه  الصدور .

القاضى أبوعمر          :             (  لإبن داوود )  أستثقله ُ المشايخ ، وأولهم

الجنيد .

القاضى ابن داود         :             استثقلوا  كلامه ، فأخذوا  ينالون منه .

الحلاج                    :              ياشبلي ّ .. مايحرق قلبي ، موقف  الجنيد

منّي .

القاضى ابن عطاء       :              الحلاج  المسكين  .. لا  المتزمتين  مِنَ

الصوفيين رضوا عنه  ،  ولادار الخلافة ،

وأصحابها  الأمراء  ،  ولا  السلاطين ،

أشفقوا عليه .

القاضى أبوعمر         :              ياحلاج .. أنت فقيه .. عالم ٌ في الدين ..

والدين  يقوم على اليقين  المطلق  ،

والسياسة تقوم على المصالح المُتَغَيِّرَة

بين الحين  ،  والحين  ..  والخلط  بين

المطلق  ،  والنسبي ، هو خلط  يؤذي

كليهما  ..  فإلى  ماتسعى َ  ؟  .

الحلاج                  :                كنت ُ أسعىَ  إلى  المعرفة  ..  والآن

أسعى  إلى  الحكمة  .

 

 

القاضى أبوعمر        :                الحكمة ؟ .. ماذا تقصد ؟

الحلاج                  :                الحكمة ذروة الذرى ، وغاية الغايات .

القاضى أبوعمر        :                وأين ستجدها إن شاء الله .

الحلاج                  :                ”  يؤتي الحكمة من يشاء  ..  ومن يؤتى

الحكمة  ،  فقد أ ُوتِىَ خيرا ً كثيراً . ’’  *

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*   ـــ   البقرة   :

 

 

القاضى ابن سريج    :                 ياأبا عمر .. إن ّ الرجل مثال للتعقل ،

والإعتدال .. الرجل  ليس من هؤلاء

مِمَّن  يَـدعون  الناس  إلى  الجَـنَّــة

بأقوالهم  ،  وإلى النار بأفعالهم  .

القاضى ابن داود      :                 ياابن سريج  .. الرجل زعيم جماعة

متنطعة  ،  مُنَظِّروها  عاجزون عن

كتابة  ،  أو  حفظ آية  .

القاضى ابن سريج    :                  أراجيف .. محض ُ أراجيف .. لو

كان  الرجل  بهذا  الهوان  ، وقلّة

الشان  ،  فلماذا  تُجَنّد  الخلافة كُلَّ

طاقاتها  للإيقاع به  ،  ومحاربته  ،

والفتك به  ؟

كيف  ياابن داود ، وأنت  أول  مَنْ

 

 

يعلم  أنّ  الرجل منحنا تفسيرا ً  نادرا ً

للقرآن  ؟  .

القاضى ابن داود           :           ياابن سريج .. رأيُك َ لا  يُعتّد ُ به ..

ولا يؤخَذ ُ به  .

القاضى ابن سريج         :            لماذا  ياابن داود  ؟

القاضى ابن داود           :           لأنّك َ شافعي ّ …

القاضى ابن سريج         :           الشـــافِـعِـيِّ   سُـنِّي ّ ،  وليس  بيهـوديّ

ياابن داود  .

القاضى ابن عطاء         :            أتفترون على الرجل ؟ ..  والرجل يدعو

إلى  سبيل  ربه بالحكمة  ،  والموعظة

الحسنة .. ومارأيته  إلا  للقرآن حافظا ،

وبالحديث  والسنة عالما  ،  وفي الفقه

ماهرا .. صائما ً الدهر ، وبالليل قائما .

الشبلي                      :            ألا يكفي أن ّ للرجل  أورادا ً  يتعبد  بها

في  العشايا  ،  والأسحار ؟  ..

القاضى ابن داود          :             أيّة ُ  أوراد ٍ  ياشـبلي  ..  إنها  أوهـام

في ذهن ٍ كليل  ،  وظنون حيرى في فكرٍ

ضليل  ،  وتهاويل ُ خيال  .

ابراهيم بن شيبان         :             يامولاي  ابن داود .. كلامك حق .. إن ّ

المخبولون  مِنْ  أتباعه ، عمّدوه ُ أرفع

صوفيّة  العصر  ..  وجعلوا  منه  قُطبا ً

يُخشى َ ويُرهَب ..

 

 

القاضى ابن داود      :          ”    قُل ْ أ َفاتَّخَذْتُم مِن ْ دُونِه ِ أولياء َ لا يملِكُون َ

لأ َنفُسِهِمْ  نَفْعَا ً  ولا ضَرَا َ .   ’’  …     *

القاضى ابن عطاء    :             حسنا ً .. لماذا تغاضيتم عن شطحات الصوفية ..

وتتبعتم الحلاج  ؟  .. ألِكَوْن ِ الرجل يسعى َ إلى َ

ثورة ٍ بيضاء .. ثورة ٍ لا تُهرَق ُ فيها دماء ..

ثورة ٍ لا يُشَـوِّه ُ جمالها  سلب ٌ ، أو نهب ٌ ، أو

سبيٌّ  .. ثورة ٌ صوفيّة بلا شعارات ٍ جوفاء ..

ثورة إصلاحيّة ، بلا رياء .

ابراهيم بن شيبان   :              (  كمن يتذكّر  )  آه .. عُبيد بن أحمد أخبرني :

أن ّ الحلاج يزعم .. والزعم مطيّة الكذاب ، أنّه

ليس  بينه  وبين  الله  حجاب  ،  وأن ّ  دعاءه

مُستجاب  ..  ويزعم ُ أنّه ُ  تتجلى َ  له ُ  أمور ٌ

صادقة .. وأنّه ُ لايبوح ُ بالأسرار ، ولا يكشف

عنها   إلا  لمن  هم   في  منزلته  من  المعرفة

المزعومة .

القاضى ابن داود    :              إنها  لفرية ٌ كبيرة .. الدَّعِي ّ االمُحتال .. الساحر

الدّجال .

نصر القشوري      :               سيدي  القاضي  ابن داود  ..  حاشا  أن ْ يكون

الرجل  ساحر ، أو  دجّال .. ولا  هو  دعيّ  ..

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*   ـــ   الرعد   :   16

 

 

 

عادة الناس أن تُضيف َ ، وتُـزَوِّق حتى أصبح

الرجل  أكــثر من  أ ُســـطورة  ،  وأكــبر من

ولي ّ .. الرجل  زاهد  ..  ولكن  ليس  من

الزُّهاد  التائهين  ،  الممسوسين   ..

والـرَّجُـــل  صُــوفي ّ  ..  ولكن  ليس  مِـنْ

متصوفي  الموالد  ،  والرقص   ،  والزّار  ،

والزردات   ،  وصُحبة ِ  الغُلمان  .

القاضى ابن سريج      :         ياابن داود ..  ”  إن ّ لله  رجالا ً   لو  أقسموا

على الله لأبرّهم .  ’’  ..  صدق رسول الله .

القاضى ابن عطاء      :         إتقوا  فراسة المؤمن ، فإنّه ُ ينظُر ُ بنور ِ الله . *

القاضى أبو داود       :          يقولون أنك تزعم أن ّ الله تجلّى لك .. وأنّه يراك َ ،

وأنت َ تراه ؟ ..  وهو يسمعك ، وأنت تستمع إليه

هل تظن نفسك موسى الكليم ؟

الحلاج                 :           نسأل ُ الله العِصمة في الدين .. أرى َربي  بعين

قلبي  ..  وأتذوق  القرآن  بروحي ،  وأفنى َ في

معناه .. وأنا  أتلوه ُ ،  أسمعه ُ مِن َ  الله  .

صاحب الشرطة     :            مولانا  القاضي  ..  يزعم  أنه  يطرح أ فكارا ً

عصرية  ،  وفي  واقع  الأمر كلها  طعن  في

الخلافة العباسية .

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*   ـــ   حديث شريف

 

 

القاضى ابوعمر    :            ياحلاج  ..  ماذا  تقول  في  الخلافة خصوصا ً  ..

وفى الإمامة  عموما ً  ؟  .

صاحب الشرطة    :          (  للوزير أبوحامد )   سؤال  ماكر  من  القاضى

أبوعمر .. عسى أن ْ تفلت من فم الحلاج ، كلمة

في هذا  الشأن  ،  فيؤخذ ُ بها .. أو يكبو  بلفظ ٍ

كسيح ، فيؤخذ ُ عليه .

الوزير حامد        :         إنها  لخطة  بارعة  الدهاء  .. وسوف يقع ُ في

الفخ .

الحلاج              :         ماسُـل َّ في الإسلام سـيف ٌ قط ، كما  سُـل َّ في

مسألة  الإمامة ، والمشكلة  أن  تلك السيوف

غالبا ً  ماتُخطىء  الهدف  ،  وتجلب الخراب

للذين تُسَـل ُّ من أجلهم  ..

ما أ ُريق في العالمين العربي ، والإسلامي مِنْ

دمٍّ  ،  ولا  أ ُهْدِرَت أحلامٌ  في سبيل التغيير ،

كما   أ ُهْدِرَت  في  الصراع على السُـلطَة ..

ياسيدي القاضي .. نحن الحيوانات البشريّة

الوحيدة  على  هذا  الكوكب  ،  التي  تذبح ُ

بعضها  البعض .

القاضى أبوعمر     :        وماقولك في السُـلطة في بغداد الآن ؟

الحلاج               :        توليفة السُـلطة ، أو التركيبة ، أو الخلطة ،

في بغداد ، أو الخلافة ، وحتى الحكم عامة ً

في العالم  الإسلامي ، تتألف  من ثالوث .

 

 

القاضى أبوعمر        :          أيّة ُ  ثالوث  ؟  ..  أفصح  ؟  .

الحلاج                  :           الثالوث الرابح .. الثالوث المنتصر الآن :

سياسيٌّ  طموح   ،   يتربع على عرش

الحكم  ..

وتاجر ثري ، يُمارِس ُ نفوذَه ُ من خلف

الستار ..

وفقيهٌ  ضخم  العمام  ،  يبيع جهده  ،

و فتاويه  للإثنين  .

ابراهيم بن شيبان    :             الحلاج يدق ُ آخِرَ مسمار ٍ في نعشِه  .

القاضى ابن داود    :              مئات الآلاف من الناس ،  يرون  في

شخص  الخليفة  العادل  ،  الإمـــــام

العادل  ..  إلا  أنت  .

الحلاج                :             هذا  الأمر يُسأل ُ فيه ِ الخليفة  .

القاضى أبوعُمر      :             ياحلاج .. الخليفة يَسأل ، ولا  يُسأل  .

محمـد بن سعيد      :             هُراء .. كذب ٌ ، وافتراء ..

الشبلي                :             أ ُسكُت  أنت  .

القاضى أبوعمر      :             مشكلتك  ياحلاج أنّك جئت في عصر ٍ

ليس عصرك .

الحلاج                :             أرى  السلطة  في  بغداد  ،  فاسدة ً ،

وظالمـة  ،  وأرىَ  ترفــا ً  ماجــنا ً ،

وخلافة ً مُتَسَلِّطَة مُستبِّدة ومُتَكَبِّرة  .

القاضى أبوعمر    :               ياحلاج .. كلامُك َ مُزعِج ، ومُربِك ْ ..

 

 

ألهذا  عقدت النيّة على قتل الخليفة  ؟

الحلاج                  :            هذا  كلام ٌ لا معنى له .

القاضى أبوعمر        :            قبضوا  عليك تحوم حول القصر .. وتحت

الثوب  ،  تُخفي سكين  ،  أمضى َ مِن ْ حَدِّ

السيّف  .

(   القاضى أبو عمر  يُخرج  سكينا ً  ،

ويضعها أمامه )

الحلاج                 :             يعلمُ  الله  هذه  ليست  لي .

صاحب الشرطة       :             بل ْ  لَـه ُ  ياشيخ  .

الحلاج                 :             هبني  قتلت  الخليفة  ..  فهل  سأقضى

عليه  ؟  ..

الملوك ُ تتجدد سلالتهم .. ويكثُرُ حرثهم ..

ويتكاثر ُ نسلُهم .. ومَن يدري ، ربما  في

المستقبل  يُستنسخون  .

القاضى أبوداود      :              ياأبا عمر .. لا تُضيّع وقتنا ، ووقتك ..

أرِح ْ نفسك .. الحلاج سيواصل الأنكار ..

ويجيد التمييع .. الحلاج صعب التطويع ..

هذا  الصنف  أنا  أدرى َ به .. مجادلٌ  ،

وعنيد ..

القاضى ابو عمر    :               أين  الشيخ  على بن عيسى  ،  عالِـم ُ

بغداد  ؟  .

صاحب الشرطة     :               طلب  الإعفاء  ..

 

 

القاضى ابن عطاء       :            ربّما  تهيب مواجهة الحلاج .

القاضى أبوعمر         :             الشيخ الجليل .. والعالم ، والوزير ،

الغير متواجد  معنا الآن ، على  بن

عيسى ، يتهمك ياحلاج بأنّك قرمطي ّ ..

الحلاج                   :            أراجيف .. محض ُ أراجيف .. من ينشر

الفارسية في الدواوين الرسميّة ، وعلى

كل ّ لسان .. وكأنّكم كفرتم بلغة الوطن ،

ولغة القرأن .. أنا ، أم أنتم ؟ ..

القاضى أبو عمر       :             فلماذا  إذا ً تُشيع ُ إذن أن ّ العربية لا

تُسايرركب الحضارة ، مثلما الفارسيّة ؟

الحلاج                  :             مِن ْ أنَّى َ  لكم  ذلك  ؟  .. لا يُمكِن  أن ْ

أقول ذلك عن العربية .. وأنا لا  أعرف ُ

غيرها .. ولا  أكتب إلا  بها  .. العربية

هي ّ لغة الرب ّ للعباد  ..  العربية  هيّ

لغة  السماء  لأهل الأرض .. من يُفَرّط

في العربية ، كمن يُفَرِّط ُ في العِرض ..

من ذا الذي يدعوا  للتعريب .. ومن ذا

الذي يدعو للتغريب .. أنا ، أم أنتم  ؟ .

القاضى ابن داود      :             مجوسي ّ ٌ ..  مُراوغ ٌ  ..  وكاذب ..

الشبلي                 :             الرَّجُـل  يُصَـلِّـي  بالعربية  ..  يُسبّح ُ

بالعربية ..  يعظ ُ بالعربية  .. الرَّجُـل

يتذوق الإيمان بروحه  ..

 

 

الحلاج  سكران  بوجد  المحبة .. كلام العاشقين

في حال السكر يُطوى ، ولا يُحكى َ .. وما شهِدنا

إلا  بما  علِمنا  .

صاحب الشرطة       :            الشبلي مجنون .. بشهادة طبيب القصر ، وطبيب

السجون .

القاضى أبوداود      :             ياأبا عُمْر  .. الشبلي تبطل شهادته .. فلا شهادة

لمجنون .. الشبلي ّ فاقد  الأهلية  .

الشبلي               :              أمرُك َ موكول إلى الله .. فكنت في الدنيا غريب

تريد الرحيل .. أردت الصراخ  لكن بُح ّ صوتك ،

في عالم لم يُدرك بعد أسرار  الوجود .. وحُب ّ

العابد للمعبود .

نصر القشوري     :               إجتزت الحدود ، وتخطيت الحدود .

القاضى ابوعمر   :                لم نجد مايوجب قتل الحلاج ، ولا عقابه ..

ولا يجوز قبول  إدعاء ٍ بغير دليل ، أو إقرار ..

إنّي في حيرة .. إختلط الأمر علي ّ .. واختلفت

الألسن  في  أمره  ..  واختلف  الناس  عليه ..

فمنهم من  رفعه إلى عليين .. ومنهم من هبط

به إلى أسفل سافلين .. حيث وضعوه في مصاف

الزنادقة والملحدين .

هه ..  ماذا نحن فاعلون  بالحلاج  ؟  .

محمـد بن سعيد    :              الحمد لله .. ظهر الحق  ،  وزهق الباطل …

ابن عفيف          :             (  يميل على ابراهيم بن فاتك  )   لا تتعجل ..

 

 

محمـد بن سعيد         :             ألم تسمع قول القاضى ؟ .. لا  يوجد مايوجب

قتل الحلاج  .

ابن عفيف              :              كلام  القاضى ابن عمر غناء  ضمن الطاحونة ..

لا يُطرِب َ أحدا ً ، ولا يوقف َ الضجيج  .

القاضى أبوداود       :              حكمت على الحلاج بالصلب على باب خراسان

ببغداد .

ابن عفيف             :              ألم أقُل لك ، كلام  القاضى ابن عمر غناء  ؟  .

القاضى ابن عطاء    :              أتقتلون رجلا ً أن يقول ربيّ الله ؟

القاضي أبوداود      :               إنّه ُ ومُريديه ، عِبءٌ علىَ الإسلام ِ والمسلمين ..

كيف نُبرِّيءُ مُذنِبا ً آثِم  ؟  ..

القاضى ابن سريج   :               ولا  يجب ُ الحُكم َ على َ الحلاج  إلا  بما  يَصِحُّ

عنه ُ  فِعلا ً.. كنت أحسَب ُ أنّكم في ديوان الحق

أصحاب ضمائر حيّة ..

القاضى ابن عطاء   :               إنها مهزلة سياسية ، إرتدت ثوب الدين ..

أنتم جميعا ً إشتركت  فيها .. من أكبر رأس ٍ

في البلاد ، إلى لحاد  القبور .. من الخليفة

إلى جيش المنافقين والمرتشين والمنتفعين

والإنتهازيين ، ومحترفي السياسة .. أنتم

جميعا ً  إشتركتم في قتل سافر ، لتخنقوا

صوت الحق .

القاضى ابن سريج   :               نعم ياابن عطاء .. لا فُض َّ فوك .. المسألة

لا تعدوا  كونها   قضية إرهاب ؟

 

 

القاضى أبوعمر         :              ماذا  تقول ياابن سُرَيْج  ؟

القاضى ابن سُرَيْج      :              ما قد  سمعت  ..  القضية ، قضية إرهاب ٍ

للفكر .. نعم ..  ماتقومون به هو إرهاب ٌ

للفِكْر .. إرهاب فكري ّ .. مثلما حدث لمن

قبله ، بدءا ً من الجعد بن درهم ، والمعتزلة

ولمن سوف يأتي بعده ..

الوزير أبوحامد         :              ياابن عطاء  ..  إن ْ  لم  تصمت  ،  ستكون

عطاءنا   للسماء  ..  قسما ً  لتُقتَلَن َّ قبله ..

القاضى أبوعمر        :               ياابن داود .. إنّه شيخ ٌ هَرِم .. دعه ُ لخالقه ،

وسوف يموت ..

القاضى ابن داود        :              ياأبا عُمَر .. أحيانا ً عزرائيل يحتاج لمساعدة .

القاضى أبو عمر       :              لا يمكن أن  تؤخذ  قضية  ،  وأن يُبَت ُ فيها ،

ونُصدِرَ  حُكما ً بدون بينّة ، أو دليل لا يرقى

إليه الشك .. لابد من الحُجّة ،  والبرهان ..

فأين الدليل ؟ .

القاضى ابن سريج    :               ”  قُل هاتُوا بُرهانَكُم ْ إن ْ كُنتُم ْ صادقين . ’’  *

الوزير حامد           :               الرسالة التي وقعت في أيدينا .. السّكين ..

الشهود ..  بنت السمري .. أبو يعقوب ..

القاضى ابن عطاء    :               ياأبا عمر .. واأسفاه .. أنت  تشارك  في

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*   ـــ   البقرة   :   111

 

 

آخر عمرك ، في  حملة من أكبر حملات

التزييف في التاريخ .. أكبر عملية تشهير

عرفتها  البشرية .. حملة ستنقلب إلى

عاصفة ، ستدوّي ريحها  عبر قرون …

القاضي أبوعمر         :       إنْ كان الحلاج ُ حبيبا ً إلى قلوبِنا  ،

فالحَقُّ أحبُّ إلينا  مِنه ُ .

القاضى ابن داود       :         والله إنّي  لأتعجَّب ُ لِمَن ْ يُمَجِّد ُ زندَقَة َ الحلاج  ..

أمازلت ياابن عطاء تُدافع عمن يغرس في

النفوس  تعاليم المجوس  ؟ .. ألم يُحدِث فِتنة

بين العباد .. وفرّق بين  أئمة ِ هذي الأ ُمَّة   ،

والدُعاة .. فصاروا  يتبادلون َ التُّهَم َ ، والتكفير

من فوق المنابر  ؟  …  وجعل الشرخ يكبُر بين

مَن يُفَكِّر َ ، ومَن ْ يحكُم ْ  .

القاضى ابن سريج    :         (  وهو يخرج من المحكمة  )  أنتم  الخصم

والحَكَم ..  لن أكون قاضى الشيطان في

محكمة الإيمان .

ابن عفيف             :          القاضى ابن سريج ، يأبى أن ْ يكون من عبيد

السلطة ، شيوخ  الدّرهم ، والدينار .

القاضى ابن داود    :           أمازلتم تُدافعون عن هذا المارق ؟ .. عن

هذا الزنديق الكافر ، والمُلحِد ؟ .. الذي

يقول ُ بالحلول ِ ، والإتحاد .. وأفكار ٍ أ ُخرَى

خطيرة ، تضرب ُ الإسلام َ في مقتل  .

 

 

القاضى ابن عطاء     :             إن  كان  هذا  زنديق  ..  فليس في الأرض

مُوَحِّد  .

الحلاج                  :             ياقُضاتي ..  لا  تنسبوا  إلى ّ مالم  أقُله ..

ولا تُحَرِّفوا  كلماتي .. إقرأوا  كُتبي ،

ومخطوطاتي .. لن يُكَلِّفَكُم الأمر ُ  شيئا ً ،

ففيها  دليل براآتي

القاضى ابن داود     :               لا داعي للتسويف .. لقد أطلنا الوقت ..

محاكمات سبعة أشهر دون الحسم  ..

قد أرهقتنا حتى العظم .

القاضى ابن  عطاء   :                إمنحوا الرجل فُرصة للدفاع عن نفسه ..

فقد  تحتاجون  يوما ً  لمَن ْ يمنحكم هذه

الفرصة .

محمـد بن سعيد     :                إبن داود ، قاض ٍ مُرتَش ٍ .. أغراه ُ الوزير

حامد بالمال  .

ابن عفيف           :                ابن داود يستخدم الدين بطريقة انتهازية

فجّة  .. ساعده  من  ساعده  ،  وسكت

مَنْ سكت .

الوزير أبو حامد   :                 طفح الكيل ُ ياحلاج .. سوف أنفيك َ مِن

العراق مملكة المُقتَدِر ،  إلى مملكة ربّ

المُقتَدِر ..

سوف أبعث ُ بك من مملكة ِ الأرض ِ إلىَ

مملكةِ  السماء ..  لا .. بل إلى الجحيم .

 

 

(  لصاحب الشرطة  )  إحذر ، وانتبه ..  تُرفع

درجة  الإستعداد .. وتوضع الشرطة  في حالة

تأهب قصوى َ في  بغداد  .

اكتب الى الأمير أنّ الأمر جد خطير ، ولا يحتاج

إلى تأخير للتصديق على قتل هذا الساحر الشرير

لابد من موت هذا المُتألِه .. العامة خلقوا  منه

وثن .. يؤلهونه ،  ويُجلّونه .. ولم يعد مجرد

قطب ٍ ،  أوْ  إمام  ..  اقتله  يامولاي  قبل أن

يفلت الزمام ..  قتل الحلاج ياخليفة المسلمين ،

سوف يُلقي الرُّعب َ في قلوب المُعارضين .

الحلاج              :            أتمنى َ مِن ْ كُل ِّ قلبي ، لقلبِك َ الشِّفاء .. طهِّر

فؤادَك َ ياحامد  من البغضاء …

الوزير حامد         :            أكتب على لساني :  دون استئصال لهذا البلاء ،

فإن ّ الخلافة معرضة للفناء .

نصر القشوري     :             أ ُناشِدُك ياوزير .. باسم الدين ، الرأفة بالشيخ

المسكين .

الوزير حامد         :             أ ُكتب :  إنّ العفو عن الحلاج ، في هذه الساعة ،

قد يُلهِب َ بغداد أكثر مما يُلهِبَها  قتل ُ الحلاج ..

نصر القشوري    :              إنّ دماء الحلاج ، سوف تدفع البلاد إلى ثورة ٍ

عارمة ، تُطيح ُ بكل ّ شيء .. تُدَمِّر ُ كُل َّ شيء ..

الوزير حامد       :             أ ُكتُب   :   ياأمير المؤمنين ، هذا  إن ْ بَقى َ ،

أدّى َ إلى زوال ِ سُلطانِك ، فدعني أقتُله .. وإن ْ

 

 

أصابك  شئ ٌ  فاقتُلني  .

الحلاج                 :             متى يصفوا  قلبك  مِن َ الغِل ِّ ياحامد  ؟  .

الوزير حامد           :             أ ُكتُب  :   أ ُناشِدُك َ يامولاي أن ْ تضرب

ضربتُك َ الكبرى .. أن ْ تُجهِز َ عليه .. أقتُله ُ

قبل أن تثور العاصفة .

أ ُكتُب  :    أ ُقتُله ُ ياأمير المؤمنين  ،  وفي

عُـنُـقى دمُه .

الحلاج               :              كم  مِن ْ  قلوب ٍ أوجعتموها  ،  وأجساد ٍ

عَـرَّيتموها .. إفعلوا ما  شئتم ، واظلِموا ،

وجوروا ، فإنّا  بالله مستجيرون  .

القاضى ابن عطاء  :              ياحلاج .. أصبحت كالثور الواهن ، الذي

تكثُرُ عليه السكاكين .

الوزير حامد         :              (  للحلاّج  )  عُدت َ إلى بغداد ، لِتُشعِل َ فيها

كل ّ شىء  ، إذا ً .. فلتُحرَق في أتون ِ نارِها  .

(  الوزير حامد يمُد ُّ يَدَه ُ بالدَّواة إلى القاضي

أبو عمر  )

أ ُكتُب ياأباعمر .. نعم .. أ ُكتُب منطوق الحكم ..

وأرِحنا ، وأرِح  المسلمين من شَـرِّه .

الحلاج             :               دمي حرام .. ومايحل لكم أن ْ تتأوّلوا  عليّ ..

الوزير حامد       :              أ ُكتُب …

الحلاج             :              إعتقادي الإسلام ، ومذهبي السُّـنَّة …

الوزير حامد       :             أ ُكتُب …

 

 

الحلاج             :               الله في دمي .

الوزير حامد       :             أ ُكتُب …

الحلاج             :              الله في دمي .. الله في دمي .. الله في دمي …

 

(    ــ  إظلام سريع ، يعقبه إضاءة على نفس

المنظر ،  ونفس الأشخاص دون أدنى َ

تغيير   )

 

الوزير حامد     :             صدر عن قصر الخليفة ، مولاي أمير المؤمنين

المعظم ، خليفة المسلمين ، حفظه الله ، وأبقاه ،

المرسوم  التالي  :

لقد صدقنا نحن الخليفة العباسيّ المُقتدر على

الحُكم بإعدام الحُسين بن المنصور الحلاج ..

لما  في ذلك صلاح البلاد ، والعباد .

القاضي ابن سريج  :        العار ُ لكم  .

الوزير حامد         :        (  لإبن سُرَيج  ) الحلاج عاش أكثر مِن َ اللازم  .

الشبلي               :         ياخليفة المسلمين .. من أيّ كتاب ٍ ، أو سُـنّة

جئت بهذا الحُكم  ؟

القاضى ابن عطاء   :        وآ أسفاه  ..  أطاع الخليفة هواه .

القاضى ابن عطاء   :        حسبُك َ ياحلاج .. فمامِن إمام ٍ كامل  ،  إلا

وتفرقوا  فيه .. فهذا  عُمَر .. وذلك علي ّ ..

وكذلك عُثمان ..  ياحلاج  ..  فوِّض  أمرك َ

 

 

لله  ..  أما  أنتم   يامعشر  المسلمين  ..

إستغفروا  إجمالا ً  للحلاج ..  فإسلامُه ُ

أصلي  بيقين  ..  وضلاله  كما  يدّعون

مشكوك فيه .

ابن عفيف          :          الحلاج ضحيّة كل الأطراف .

الوزير حامد       :           وإليكم فتوى الفقهاء  :  قتل الحلاج فيه

صلاح ُ أمر ِ المُسلمين  .

الشبلي             :           إن ْ كانت هذه هيّ العدالة ، وحرّية الفكر ،

والمُعتَقَد ، فكيف  يكون القمع ، والظلم ،

والحق المُغتصب  .

الوزير حامد     :            (  للحلاج  )  يازعيم الأوباش .. أين هم

أعوانك  مِن  مُثيري الفِتَن  ؟ ..   أين هم

الرعاع ُ ، الأوغاد الذين كانوا  يهرعون

لإستقبالِك على طول الطريق  مِن بغداد ،

للكوفة  ..  يُهللون  لك  ،  ويُكَبّرون  ..

يحـرســونـك  مِن  قرية  إلـى  قرية  ..

ويحمونك  ؟  …

إبراهيم بن شيبان :         اقتلوه  ..  واتركوه  رِمّة ً  تتقزز ُ  مِن ْ

صديدِها  الدود  ..  اقتلوه  ..  طاغوت

الصوفيّة  .. اقتلوه  ..  بل  احرِقوه  ..

فلتحرِقوه ..

الحلاج           :            جِئتُـك َ بِذُلّي  ،  فأمِدَّنِي بِعِـزَّتِـك ْ

 

 

لجأت ُ  بعجزي  ،  فأمِدَّني  بقُدرَتِـك ْ  ..

قصدتُـك َ بضعفي  ،  فأمِدَّني  بِحَوْلِك َ وقُـوَّتِـك ْ

إغفر لي تقصيري فيما طلبت منّي ، ولا تطمِس ْ

بصيرَتي .

 

 

 

 

ـــ   إظــــــــــــــــــــــــــــــــلام   ـــ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

غناء   :   (  رثاء  )        ألا  ابلغ  أحبائي  بأنّي

ركبت ُ البحر ، وانكسر َ

السفينة   ..

فعلى  الصليب  يكون

موتي  ..

وبغدادُ  ياربُّ  ثكلىَ  ،

حزينة  .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المنظر العاشر

 

ــــــــــــــــــــــ

 

المنظر    :   منصة الإعدام .. الحلاج مصفودا ً .

 

الحلاج             :      إلهي إنَّـك َ تتودد إلى من يؤذيك  ،  فكيف لا

تتودد  إلى  مَن  يُؤذَى َ فيك  …

لمن المُلك َ اليوم  ؟  ..  للواحد القهّار  .

رجل 01           :       هل هيّ مأساة الحلاج .. أم مأساة الظلم  ،

وفساد البشر ؟

نصر القشوري   :       الحلاج شهيد الجهل المُقَدَّس  .

رجل 02          :        واستخدام الدين ذريعة ، وسوط ، وسيف .

رجل 03          :        وسطوة السيف في يد الحمقى َ .

رجل 04          :        مأساة غياب العدل .

الشبلي ّ           :         أنت ، وأنا ياحلاج شىء واحد ..

أهلكك عقلك .. وخلّصني جنوني .

نصر القشوري  :         أعداء النور والتنوير ، شوّهوا  السُّـمعة ..

رجل 01         :         أخمدوا  الشُّـعلة ..

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*   ـــ   غافر   :    16

 

 

رجل 02              :         وأطفأوا  المشكاة ..

المجموعة            :          طلب منّا  أن ْ يُقتَـل .

رجل 01              :          كيف ؟

المجموعة            :          إن ْ لم ْ تُصَدّقونا  فليُسأل .

رجل 02             :           هُراء ..

رجل 01             :           محض ُ إفتراء ..

المجموعة           :           أقتلونا  إن ْ أنكر .

الشبلي               :           كيّ يستريح  من الوجد الفائض  ..

وتستريحوا  مِن َ الذنب  .

رجل 03            :            ياحلاج .. يامن حلجت القطن صبيا ً

رجل 04            :           وحلجت الفكر عتِيّا ..

نصر القشوري    :            ياصاحب ستة وأربعين كتابا ً .. أبدا ً لن تكون

سرابا ً .

رجل 01          :            كيف يفتون بجهلك .. وماقرأوا  مما تركت

كتابا

بنت السمري     :            سامحنى على جُرمي .. كم ألقيت ُ بنفسي تحت

أقدامك ، أسألك حُبّا ً ،  ليكون جوابُك :

ليس في قلبي مكان لِحُب ٍّ غير حُب ّ ِ الله .

ابن عفيف        :            يامالىء الدنيا ، وشاغل النّاس .. بغداد ُ اليوم َ

تحبِس ُ الأنفاس .

نصر القشوري  :           يامن أيقظتنا  من سُبات .. ونبّهتنا  من موات ..

ألهمتنا  الرشاد .. في زمن الفساد .

 

 

رجل 02         :           كيف لآذان الأنعام ، أن تسمع أنّات الإنسان ؟

الحلاج           :            لا تجعلوا  من عشائي الأخير ، في وليمة

الحياة .. حساء ٌ من بكاء ..

ياأحبابي .. مايُبكيكم يُبكيني ..

وما يُدميكم يُدميني ..

رجل 03          :        أ ُنظر .. أراه ُ فرِحا ً .. يإلهي .. يرتسم الفرح

الطاغي على وجهه ،  وهو يتقدم ُ نحو الموت

يتبختر .

المجموعة       :          مُنتَصَب القامة ِ يمشي .. مرفوع الهامة ِ يَرْحَل .

الشبلي          :           كيف لا يختال ُ ، وهو َ يُغادِر ُ  دار َ المِحْنَة  ؟  ..

مأخوذ ٌ  بما  لاح َ له .. مُغتبط ٌ  بما  أدرك .

رجل 04         :          كأنّه ُ واحد ٌ من ضحايا كربلاء ، وهم يُقدمون

في شموخ ،  أجسادهم للسيوف .

رجل 03         :          إنّه لا يخشى الموت الدنيوي ّ ، إزاء الخلود

الأبدي ّ .

نصرالقشوري  :          مَن طلّق الدنيا ، كانت الآخرة ُ حليلته .

رجل 01        :           لماذا يقتلون الحلاج ؟ .. غضبا ً لله ِ ،

أم للكرسي ؟ .

الشرطي        :           إرجموه  .

المجموعه      :          لن تقترف أيدينا  السوء .

الشرطي        :          (  للشبلي  )   إرجمه .. أقسمنا  على قتلك إن ْ

لم تفعل .. إرجمه ُ ياشبلي ِّ

 

 

الحلاج         :            ارجُمني ياشبلي ّ .. ارجُمني  يارفيق العُمر ،

وصفي ِّ .. إفعل ماتؤمَر ُ به .. صوْنا ً  لِدَمِك .

الشبلي         :           (  يرمي الحلاج بوردة  ”  باقة ورد ”  ،

ويستمر الشبلي ّ في البكاء  )

(  يصيح الناس ، ويرتفع زئير الجماهير ،

والغضب المتوهج  )

مجموعة 01     :        لا للبغي  ياظالم ..

مجموعة 02      :        لا للظلم  ياقاضى .

مجموعة 01      :       لا للظلم ياآمِر .

مجموعة 02      :       لا للظلم ياناهي .

مجموعة 01       :        لا للظلم ياظالم .

مجموعة 02      :        لا للظلم ياحاكم .

المجموعة         :       لا للظلم ياحاكم .

 

(  يُسرِع ُ الحُراس ، فيشدون  وثاق الحلاج

إلى آلة الصلب  )

محمـد بن سعيد :        أ ُنظُر .. لا أ ُصَدِّق .. هل حقا ً ما أرى َ ؟ ..

الحلاج ُ يضحك في وجه الموت ..

ابن عفيف       :        الحلاج في قدميه ثلاثة عشر قيدا ً ..

 

(   من على منصة الإعدام  .. الحلاج في نشوة ..

ثمِل ٌ روحيّا ً .. رغم العذاب  المُسَلَّط عليه  ،

 

 

أقوى من جلاديه  .. يقف في أغلاله وقيوده  ،

مُشرِق َ  الوجه .. عال ٍ الرأس ، شامِخا ً ،

جليلا ً  ..  وقد أحاطت به صفوف الجُنْد   )   .

الحلاج         :           ألا  إنّ الذين يُمارون في الساعة ، لفي ضلال ٍ

بعيد .

وظنوا بي حلولا ً ، واتحادا ً .. وقلبي مِن

سِوى َ التوحيد ِ خال ٍ ..

ابن عفيف              :          يابحر الحقائق .. إلى أين أنت ذاهب ؟

لابن عفيف               :        لم تُسرِع ُ الخطوَ نحو الموت ؟ ..

هل يئست منّا  ؟

الحلاج                 :           يارب .. إنّى أضحيت ُ بين الناس غريب ،

وإن ّ ذكرك أضحى بينهم غريب ، ولا

يأوي  الغريب  إلا  الغريب  .

إشهدوا  ياعباد الله .. أنّي مسافر ٌ إلى

الله ، بلا متاع ..

الشبلي              :          جلدوك ألف سوط ٍ فما تأوهت .

الحلاج             :          ياشبلي .. ماأوجعني أن ّ السلطة تحرق

فكري .. تحرق كتبي .

(  والحلاج ُ يُجلد  )

زوجة الحلاج       :            أ ُناشِدكم باسم الدين ، أن ْ تعفوا عن

الجسد الممزق .

الشبلي              :             والله ُ ليس بغافل ٍ عما يعمل الظالمون .

 

 

ابراهيم بن فاتك    :              الأسلام دين الرحمة ، والعفو .. وليس

دين ُ الحرق َ ، والذّبح .

القاضى ابن سريج  :            قل لي ياحامد .. لماذا  تُضمِرُ كل هذا

الحقد الدفين  للحلاج  ؟

الوزير حامد         :            لأنه يقف حجر عثرة أمامي .. أبعدني

عن الصدرة ، مثلما أبعدني لسنين ٍ عن

الوزارة ..

القاضي ابن سُرَيْج  :            ياللحقارة  .

الوزير حامد         :            ياشيخنا  القاضى إني متسرع ٌ في ردة ِ

الفعل ، حين أتعرض ُ إلى استفزاز .

الشبلي               :           ولماذا  قررتم جلده ألف جلدة ، على مرأى َ

من الناس ِ ، ومَسمَع  ؟

الوزير حامد         :            كيّ  يُذَل  ..  وحتّى يُهان .

الشبلي               :            بدايتك المُشرِقَة  ،  أوصلتك إلى نهايتك

المُحرِقَة .. وإنْ سلَكت َ مناهج َ الإستقامة  ،

فإنّك َ لمْ تلتمِس طُرُقَ النجّاة ِ ، والسلامة .

الحلاج               :            ياأبا بكر .. ياشبلي ّ .. أخذ َ  مِنِّي  أنا  ،

فبقَيْت ُ  أنا  بِلا  أنا  .. لا تجزع  ياشبلي ّ..

إنِّي مدفوع ٌ بقدري إلى  مصيري المحتوم ..

لا تحزن ياشبلي .. الليلة سوف أبيت ُ

عند محبوبي .. هو خالقنا ، وإليه نعود .

ياشبلي .. هل معك سجّادتُك ؟

 

 

الشبلي ّ              :             بلى َ ياشيخ .

الحلاج               :            إفرشها  لي .

(  الحلاج يُصَلّي ..  في الركعة الأولى  )

لنبلونكم بشىء ٍ من الخوف ، والجوع …

(  في الركعة الثانية  )  كل نفس ٍ ذائقة ُ

الموت .

(  ثم يدعو  )  اللهم لك الحمد ُ في

ما تفعل  ،  ولك الحمد ُ في ما تُريد  .

يارب .. ارفع الغُمّة عن هذه الأ ُمَّة .

القاضى ابن عطاء    :         ياحلاج .. وأنت َ تُقابل ُ الله .. ماذا تتمنى َ

أن ْ يقول لك  ؟

الحلاج                :          أتمنى َ أن ْ يُخبرني أنّه ُ بريء ٌ مِن ْ كُل ّ

الجرائم التي  تُرتكب باسمه .

(  للسياف  )  دعوني قبل أن ْ أموت ،

أن ْ  أزرع  على  ضفاف  دجلة  ،  ولو

فسيلة .

(  يهوي الحارس ُ بالسيف عليه .. تُطفأ

الأنوار  )  .

القاضى ابن سريج  :           في وطني .. يموت ُ من لا يستحق الموت ..

على يد من  لا يستحق الحياة .

 

 

ابن عقيل            :            إنتهى الشخص .. وتبدأ  الأسطورة .

 

 

 

(  بعد القتل ، ويعم الظلام ، وتُضىء المشاعل ،

أو ْ الشموع .. ومن عشرات المشاعل تضاء

شواطىء دجله  ، وتُغمَرُ المياه بالأضواء

والظلال  . )

 

 

يتم تسكين المشهد ، ويصدر تعليق  صوتي  :

 

رحل الحلاج .. لكن أفكاره لا تموت .

مات الرجل ، لكن المشكلات التي أثارها ،

لم تزل بعد ُ حاضرة ً ، وبقوة  .

 

‘‘   وَضُرِبَت ْ عليهم ُ الذِّلَّة َ والمسكنة ُ ،

وباؤوا  بغضب ٍ مِنَ الله  ’’  .      *

 

 

إظلام تام .. تهبط شاشة سوداء ، تظهر عايها

كتابة بيضاء تباعا ً ، كما لوكانت راقنة .

 

 

 

ــ   عاصر الحلاج  أربعة  من الخلفاء العباسيين ،

مِن ْ أصل ِ تسعة  :

*    قُتِل َ خمسة ٌ منهم  .

*   ومات ثلاثة ٌ آخرون مَيْتَة ً مشبوهة .

ــ   عندما  اعترض القاضي ابن عطاء  على محاكمة الحلاج  ،

أ ُعتُقِل َ ،  وقُتِل َ في سجنه .

ــ    أدخلوا الشبلي في بيمارستان ( مستشفى الأمراض العقلية )  ،

إلى أن ْ مات بداخلها  .

ــ    إنتقم الحنابلة للحلاج من الوزير حامد شرَّ انتقام ؛

حيث قطّعوا  أطرافَه ُ ، وحرقوا  به ِ منزله .

ــ     انفصل القرامطة عن الخلافة العباسية بدولة لهم في اليمن .

ــ    وانشق الأدارسة عن الخلافة  العباسية بدولة لهم في المغرب .

ــ    وانقض الشيعة على الخليفة  العباسي ، وانفصلوا بأرض فارس .

ــ    ثم جاء سوط الله في الأرض (  هولاكو  )  فسحق رفات الخلافة .

 

 

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*   ـــ   البقرة   :   61  .

 

 

تُرفع  الشاشة  السوداء  (  السبورة  )

يظهر  قبر  ،  عليه شاهد من رخام  .. مكتوب عليه

لا  إله  إلا   الله  ،

محمـد رسول الله .

 

 

 

الحسين بن منصور الحلاج

شهيد الجهل المُـقَـدَّ س

وُلِدَ  في  فارس  عام  :   858  م  .

قُتِلَ  في  بغداد   عام  :   922  م  .

 

 

 

أرملة  الحلاج  ،  وولده  حميد  ،

واقفان  أمام  القبر  ..

ينهضُ  من بين الجمهور  الكاتب  ؛

أو  ..  مَن يقوم بدور مؤلف المسرحية

من  الصف الأول  ،  من بين المتفرجين

متوجها  نحو  خشبة المسرح  ،  في يده

باقة  زهور  ،  ينحني أمام  القبر ،  بينما

يضع  باقة الورود  في خشوع ..

 

 

تخاطبه  الأرملة

(  بينما  تهدديه قميص الحلاج  )  :

 

 

أم الحسين     :     هو  يعتذر  لك  عن  موته  ..

لقد  إنتظرك  طويلا ً ..

كان لديه مايقوله لك ..

 

 

يطوقهما  الكاتب بذراعيه ، ووجهه  للجمهور

بينما  يخلع نظارته الطبية ، مجففا ً دمعة ..

 

 

 

 

 

 

 

ـــ     سِــــــــــــــــــــــــتـار     ـــ

 

 

 

 

 

 

تمَّتْ  كتابة  المسرحية ، بحمد الله ،

وفضله  ،  في  :

 

35 .  05    صباحا ً .

الأحد  07   ســبتمبر  2014   م  .

12  ذو القِعدَة  1435  هـ  .

 

المعهد العالي لمهن فنون العرض ،

والسمعي البصري .

برج الكيفان .

الجزائر العاصمة .

 

 

 

 

ســـعيد  نصـــر ســـليم

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى