مقالات ودراسات

د. تيسير عبد الجبار الآلوسي يقدم .. قراءة في مسرحية أسئلة الجلاد والضحية للأنباري كاتبا وصبري مخرجاً.. وفرص ولادة جنس درامي جديد!


د. تيسيرعبد الجبار الآلوسي

مسرحي عراقي

ـ

في مشروع المونودراما التعاقبية: هل سنلتقي ولادة جنس درامي و\أو معالجة درامية مختلفة جديدة
أكتب هذه المعالجة في مسرحية أسئلة الجلاد والضحية للكاتب صباح الأنباري والمخرج فاروق صبري وعرض كندا تحديدا.. آمل اغتناء المعالجة بوقت لاحق من طرف النقاد المعنيين سواء بالنقد وتنظيراته أم بالنقد وتطبيقاته
قراءة في مسرحية أسئلة الجلاد والضحية للأنباري كاتبا وصبري مخرجاً: وفرص ولادة جنس درامي جديد
تاريخياً عبرت الدراما عن مجتمع المدينة الناشيء وانقسام مجتمعها الذي بات مصطرعاً بين قطبين متعارضين و\أو تعددية أقطابه التي تحيا بصيغة تجمع عناصرها المتناقضة في إطار وحدة تمتلك العلة والسبب في وجودها، وتتحرك إلى أمام بمسيرة التغيير الإنساني وصيرورتها… ومع تعاظم خطى التقدم الدرامي في عصر النهضة والمرحلة الأليزابثية كان الاهتمام بالمونولوجات، موظَّفة فيها، قد بدا أكثر وضوحاً. لكننا إذ نتجه لنستكشف مسستجدات مرحلة ولادة الرومانسية، سنجد اهتماماً بالفرد والنزعة الفردية وبمحاولات استكناه الشخصية وعوالمها النفسية بخاصة منها المضطربة المعتملة بخلجات ربما تكون أحيانا متناقضة حد الانفصام، فضلا عن حال الصراع بين الفرد ومحيطه في محاولته الاستقلال بوجوده عن بيئته وتأثيراتها أو في محاولته إدارة علاقاته بذاك المحيط..
ولهذا السبب فإن التجسد المونودرامي يتشكل في سردية ربما تضمنت تمظهرات حوارية على وفق تمظهرات الشخصية وحالاتها النفسية المتجسدة في النص المكتوب أو نص العرض..
إن شرط المونودراما القائم على الممثل الواحد لا يعني اقتطاع مونولوج من نص أو مطابقته خصائصه؛ فذلك أمر مختلف يبقى يتشكل في إطار نص درامي بتعددية شخصياته وطابعه القائم على الصراع بين طرفين متعارضين.. ولا يُفسّر المونولوج إلا في سياق البنية الدرامية.. بينما المونودراما هي نص مكتمل تركزت معالجته في كثافة أدائها، لكنها ستمتد على مسار ينبني من بداية ونهاية للسرد ويتضمن معالجة درامية تختلف عن السرد القصصي المنبسط في امتداد خطوطه أفقياً، بخلاف الدراما القائمة على التعاقب السببي لحلقات حدثها..
وبين انتشار الكتابة المونودرامية في ظروف المرحلة الرومانسية وانسحابها في ظروف أخرى، كانت المونودراما تمضي بمراحل متعددة لوجودها نصاً درامياً (مسرحياً بمعنى مصطلحه) أو وجوداً لخطاب على الركح.. وبجميع الأحوال احتاج العرض المسرحي المونودرامي إلى عدد من الأمور للتعبير أو التجسيد منها سينوغرافيا العرض وطابع حركة الممثل وتلوينات الأداء الصوتي وتفاصيل سير ما نسميه خط الحدث الدرامي ونموه مجازاً.
المونودراما عمل جمالي ممسرح ينهض به ممثل واحد حصراً لينقل إلى المتلقي تجربته المنفعلة باصطراعات روحية ربما تصل درجة الاضطراب والتمزق والفوضى التي لا تسمح للذات \ الفرد أن تكون عدوانية تجاه الآخر بل تشترط فيه، لا نقول التسامح معه، ولكن إيجاد علاقة تتبادل فيها معه سبب الوجود… وأعلى ما يعبر عنه الممثل السارد (المحاور) مع أو تجاه محيطه أو الآخر هو وصف آثار الآخر في ذات المونودرامي وعبوره لحسم نتيجة الصراع ووضعها بقالب بعينه.. فالمونودراما صيغت للخلاص الفردي الروحي بشكل جوهري أساس لا الموضوعي بما تفرضه قوانين تطوره من متطلبات خلاص لتغيير وضعية فيه…
ولكن، لطالما حاولت المونودراما أن تتملص من الالتباس بالتكثيف الذاتي الغنائي وأنْ تتجاوز حدود الفردي فيما تتقمصه وتعرضه وأن تشير تصريحا لا تلميحا إلى البيئة الموضوعية إلى الوجود بنموذجه الجمعي وإن ظهر متجسِّداً بالفرد.. إن تلكم الإشارة (الإيحائية المشفرة) إلى الموضوعي ليست من بوابة مطلب التغيير والإرهاص الدرامي بوصفه قيمة موضوعية، منذ ولادة الدراما تعبيراً عن الموضوعي متحدا بالذاتي الغنائي، مستولداً وجوده النوعي بوحدة السردي والملحمي، إنما من بوابة التمسك والتحدد بالهموم الروحية النفسية للفرد وآليات الاشتغال والتحول فيها أو التغيير والخلاص بتلك الحدود التي يتجسد بها..
اليوم، نجد من يحاول نحت مصطلح مونودرامي جديد، ربما شكّل جنساً جديداً في إطار النوع المسرحي الدرامي، إذا ما أغنته التجربة الآتية المستشرِفة مستقبلا مشروطاً بالتفاعل مع قوانين التعبير الجمالي عن واقعنا الإنساني الراهن والمرهص.
ما أستطيع الجزم فيه، أنّ أحداً لا يمكنه الحسم بطريقة رياضية قاطعة، توكيداً أو نفياً للتجريب الجديد، فيما تمت تسميته مبدئياً (المونودراما التعاقبية).. فكل شيءٍ يبقى قيد الجدل والتجريب حتى يتكرس منجزاً أو يضمحل إن لم يجد مستقبليه ومنفذيه من مبدعين ومن جمهور لا مناص من وجوده لإقرار وجود كيان جمالي جديد.
لكن ما يمكنني من طرفي وأنا أناصر مبدئياً كلَّ جهدٍ إبداعي جديد، أن أشير بوضوح إلى ما (قد) يثيره وصف (تعاقبية) من التباس كون الدراما بنية سببية في سمة ارتباط حلقاتها تعاقبيا أو في سمة (تعاقبية) حلقاتها على أساس السبب والنتيجة.. لكن، ربما يشفع لأصحاب مشروع (المونودراما التعاقبية) أنهم يتحدثون عن بنية جنس درامي (مسرحي) يلتزم بمبدأ الممثل الواحد لمادته التي تعلن بوضوح عن تأثرها بالتعددية الموضوعية على حساب الأحادية الفردية واحتمالات اقترابها من (الغنائية) وطابع الكثافة فيها…
ولابد من التذكير أيضا أنّ صاحب بيان المونودراما التعاقبية قد طوَّر اشتغاله بالتوكيد على مونودراماأولى تعقبها ثانية بطريقة تندمج وتتحد بها وتكون اتجاها متقاطعا معها في ثنائية التعاقب الزمني والسببي بطريقة تفصح عن مسوغات التسمية وآلية التجسيد بوفها جنسا دراميا ربما سيضع خصوصية هويته واستقلاليته ومن هنا أضع هذه الإضافة ايضا لاستكمال القراءة وتحديثها بما يتفق واتجاه العمل التنظيري من جهة ومحاولة تنفيذه تطبيقيا عمليا بمونودراما أسئلة الجلاد والضحية
فماذا أراد الفنان المبدع فاروق صبري أنْ يقدّمَه لنا في مونودراماه التي يتحدث فيها عن التجديد وربما عن استيلاد جنس مسرحي آخر في حضن النوع الدرامي؟ وهل جاء نص الكاتب المبدع صباح الأنباري مطواعاً ومناسباً للتنظير الذي وضعه السيد صبري ويتطلع إليه ويدفعنا لقبوله؟ هل ينطبق مصطلح مونودراما على مادة فيها تعدد في التجسيد تكسر الأحادية فضلا عن ظاهرة تشكّل موضوعي الهوية والوجود للدراما؟
هل شخصيتا الجلاد والضحية بتناقضهما وتعارضهما تسمحان بمادة مونودرامية التجسيد الإبداعي؟ ما هي دواعي وربما أسباب قبول تسمية أو تجنيس الإبداع الجديد كونه مونودراما؟ ثم ما هي دواعي وربما أسباب قبول تسمية التعاقبية من دون تناقض في المصطلح أو على أقل تقدير بتجاوز لعقبة التعارض في المصطلحين (مونودراما بمعنى فردي بأحادية التقمص والتجسيد وبدرجة اقترابه من ذاتي غنائي [ضمنا] بسمات كثافة أحاديته) و (تعاقبي بمعنى تعددي موضوعي ضمنا بغنى تنوعاته التي تكسر التقمص أو التجسد الأحادي)؟
حسنا، وهل جمالياً فلسفياً \ فكرياً يمكننا إقرار شكل التعبير في إطار هذا النحت الاصطلاحي؟ كم هو العمق الفكري للمعالجة المضمونية وهل ترقى لحجم ما تريد البرهنة عليه جمالياً؟ وستكون هناك أسئلة فرعية على هذه المحاور من قبيل: كيف يمكن للجلاد أن يقع بنيوياً في دائرة النطق بخطاب الضحية وتقمصه وتجسيده والعكس يصح التساؤل بشأنه؟ وما مبررات كل من الكاتب والمخرج لمثل هذا مما ربما يعدّ في إحدى منظوراته منزلقا في المعالجة و\أو التشخيص الفكري؟
وفي عرض “أسئلة الجلاد والضحية”: ما الذي لوحظ على أداء الممثل للهرب من مثل هذه المنزلقات (المحتملة بمحدد أشرنا إليه بعامة ومن دون تفصيل) في نص الكاتب أو ريبتوار العرض؟ هل نقبل خيار التحوير اللفظي في نصوص الموروث لتمرير سمات الشخصية مثلما حصل في أداء الممثل (مونودراميا) لأغنية شعبية؟ وحيثما استخدمت ربما غهي ضرورة لتأكيد فرص احتمال تشخيص آخر ومنحى مختلف عما أتلمسه في قراءتي هذه.. وفي المعالجات والأعمال المميزة تظهر تعددية القراءات وتنوعاتها على وفق منطلقات متنوعة متعددة.. وذلكم هو غنى الأعمال الجمالية الثرة كما هذه المونودراما تأليفا وإخراجا وتنفيذا…
لدي هنا ثقة وطيدة بأن الخطوة الأولى عادة ما تعترضها الأسئلة؛ ربما بقسوة كما تتبدى شكلياً مظهريا أسئلتي هنا في أول وهلة لقارئها. ولهذا السبب أحاول مراراً توكيد مؤازرتي التجربة المشروعة لاستيلاد جنس تعبيري جمالي جديد، وهي محاولة ستتعزز لاحقاً بالتأكيد.. فعصرنا مثلما مسيرة البشرية يتسم بخصوصيته، بمعنى هوية وجوده وقوانينه، ما يتطلب أن توجد تعبيرات جمالية تتسق وطابعه وتفاصيل الوجود الإنساني فيه..
إن الوليد عادة ما يكون غير مكتمل النمو وتظهر فيه علامات الحاجة للتقدم والنمو والاكتمال.. ولهذا لا يعيب الوليد أنه يولد طفلا غير مكتمل بل هو موجود بنضج بنيوي جيني من نوعه وجنسه. وبهذا لا يهضمنّ عملٌ نقديٌ إبداعاً جمالياً، لمجرد تبيان مواضع ما يُنتظر من التقدم والاستكمال له وفيه بل يؤكد البحث النقدي السليم هذا الإبداع وأهميته بتوقفه عنده وإلا فإن الأعمال النقدية بخاصة الغنية فكرياً نظرياً لا تتوقف عند العمل الزائف الملفق فتلك أمور خارج مهام النقد المعرفي الرصين…
ولنبدأ الرحلة في نقد تطبيقي على عرض مسرحية (أسئلة الجلاد والضحية) حيث تقديم جلاد على ضحية ربما في إشارة إلى سلطة القوة وإلى سطوة القوي وهيمنته وربما من دون سبب منتخب مختار سوى الأداء الصوتي وإيقاعه في ترتيب هذا العنوان..
لنبدأ الرحلة مع مسرحية أُريدَ لها أن تكون تأسيساً لمنجز نوعي كبير وجديد ولكنها حوصرت بالإمكانات المادية المحدودة؛ فصالة العرض كانت لمدرسة ثانوية تفتقر للإمكانات التقنية المطلوبة، من إضاءة و فضاء الركح وتفاصيل مهمة أخرى. كما أن أغلب بروفات العمل كما يبدو كانت تجري في ظروف إنتاجية محدودة… وذلكم حال اشتغالاتنا المسرحية بعامة في الوطن والمهجر لظروف ليس من الضروري تسجيلها هنا منعاً لتشعب المعالجة وحذراً من ابتعادها عن مادتها الرئيسة..
نبدأ بديكور قحطان الأمين الذي تبنى السهل الممتنع حيث الواقعي يتحد بالرمزي وهنا سنجد أسواراً من سلاسل في فضاء الركح ومحاولة لصنع (السايك) في الامتداد وعمقه اللامحدود باستخدامات حاولت التعويض.. وسنجد تلك السلاسل على أرضيته مع أرجوحة حياة وموت تتدلى بها الدمية رمز الضحية؛ يحوم حولها الجلاد.. إنّ تلك الأرجوحة محاولة لكسر سَكينة الضحية وصمتها التي لا يمنحها حراكها إلا مصدر من خارجها بإشارة ذكية لاستسلام (الضحية) و\أو أسْرِها من جهة وهول الإلغاء والهيمنة اللذين يقعان عليها من طرف الجلاد طبعا بمحيط أو بيئة تبقى مقيَّدة بسلاسل الاستغلال والاستعباد والإذلال.. وبذكاء سنجد اختيار صيغة في مجسمات الركح لصنع تعدد نسخ من شخصيتي الجلاد والضحية باستغلال الضوء والظل… إلى هذا الحد لا يغادر الديكورست بل يمنح تفاصيل أخرى للعرض مثل هراوة الجلاد من بين اكسسوارات تشكل ضرورات وحاجات في الاشتغال..
ولأن العرض يقوم على المونو والأحادية ومحدودية في الحركة والتنقلات المتاحة للظهور فإننا سنتحدث عن تفاصيل سينوغرافيا الجلاد والضحية بتلك من بوابة خدمة معالجتها بمحدداتها وما عرضت.. ولكننا سنشير إلى ما توافر من حركة محدودة وتفاعل مع البيئة وُفِّق الأداء في تشكيلها بين مواضع الفعل مشيرين لدرجة انسجامها مع البيئة بصرياً..
ولعل أبرز ذلك ما تجسد في الحركة الدورانية حول الأرجوحة والاقتراب والابتعاد منها وفي اتجاه الشخصية بحركتها ثم تفاعلها مع جدران رمزية الوجود هي (السلاسل المعلقة) ثم إسقاطات الإضاءة والألوان عليها باختلاف المشاهد فنحن أحيانا نجدها حمراء بمعنى وأخرى سوداء برمزية ودلالة مختلفة. إن ذلك هو ما منحنا تصورا إيجابيا طيبا بالخصوص..ولابد لي من التذكير بأنّ فكرة الأرجوحة ستبقى تبحث عن تفسيرات سواء عن تلك التي أرادها المخرج ومحاولته كسر المألوف في كون دلالة الأرجوحة كما رآها في تفاصيل اليوم العادي هي دلالة للمسرة بينما قدمها هنا مسرحاً للألم والحزن والعذابات وعن تفسيرات أخرى أشرنا إلى بعضها في ثنايا هذه القراءة.. لعلي بجميع الأحوال أراها حال من استخدام يشفِّر الدلالة ويمنحها أبعادا مركبة وطاقات إيحائية ثرّة في وعي الذاكرة البصرية للمتلقي وهو الأمر الذي يتيح لنا فرص حوارات مع مجمل تلك الدلالات من منطلقات تعددية الرؤى والمعالجات بالتفاعل مع هذه المفردة مثلما عديد المفردات البصرية الأخرى وما أريد لها.
هنا بعد هذه الوقفة وغشارتها دعوني أعود لأذكّر بالإضاءة وتلك الألوان التي تتبدى في مشاهد الدم بما أوحى لنا به اللون المختار له عندما طافت الشخصية في ذاك الدم أو غرقت فيه في أثناء هدير خطاب التفجيرات وتمزق أجساد الضحايا ومن ثمّ نزيفها كأنهار وبرك من دمٍ، تجسيدا لحجم الكارثة وفواجعها…
لابد هنا من إشارة إلى اشتغال علي اللامي ومنجزه في المؤثرات الصوتية وفعلها الواضح في تسليط الضغط على المتلقي لنقله إلى فضاء الحدث وقد نجح بوضوح في ملء مهمته بدقة متكاملا مع الأغنية والترنيمات المؤداة في الخلفية أو من طرف الشخصية.. هنا كان أداء الفنانة ريهام صبري على الرغم من قصر حجمه وتحدد مداه، مميزاً في استحضار الصوت العراقي وعذابات الروح وأنينها، وهو يعْلق في الذاكرة لتلك العذوبة التي تبدى بها ولرخامة الصوت وسلامة الأداء الصوتي للحرف وإيقاعه باللهجة العراقية، لقد كانت حنجرة ممتلئة بمعزوفات آلات الإبداع والخلق الموسيقي متناغمة منسجمة مع اللحن ومع إيقاع العمل وتنقلاته الصوتية ومع طباع الانفعالات فيه…
وفي التجسيد المسرحي، لابد لي من التوكيد على نجاح الفنانين غسان العزاوي وميثم صالح في استيعاب الشخصية وفي التناغم معها وأداء مسارها بتفاصيل دقيقة من قبيل الإيماءات وحركة الأكف والأذرع والجسد وتنقلات الحركة الخارجية والتفاعل مع الديكور والاكسسوارات وفي السيطرة على الصوت وطابع دلالاته بعيدا عن الصراخ والبكائية، عميقا حيث مواضع التعبير عن الأحاسيس بطريقة تجسد كل نأمة وكلمة وعبارة بالصيغة أو الآلية التي توصل رسالتها سليمة.. أذكِّر بهذه المناسبة إلى أنّهُ ربما وردت (بضع كلمات) بغير موضعها، لكنها ظاهرة تحصل وتكون ابنة العرض ومساحة عطائه المخصوص.. لكن سبب إشارتي هذه يعود إلى أنّ بعض التغييرات في عبارات النص وصيغة أدائها قد تفضي إلى دلالات تتعارض والغاية الأبعد (استراتيجياً) للعمل كما اشرت بموضع آخر من هذه المعالجة وطبعا حصل هنا بهذا العرض أن جاء الممثلان بأداء أعاد العبارات إلى سياقات ما أراده بيان التنظير لهذا المنجز الجمالي المسرحي.. أثني على الإخراج التلفزيوني لحيدر فارس بخاصة في مواضع الكاميرا وتنقلاتها وزواياها، بما نقل الصورة المسرحية بسلاسة ودقة وربما بتطابق مع رؤية الإخراج المسرحي وتنظيرات سعى إليها كل من المؤلف والمخرج..
لكنني بسبب من محاولتي التركيز على العرض بعدما كتبتُ بوقت سابق عن النص، أحاول هنا بهذه المعالجة، الانتقال سريعا إلى الإخراج المسرحي متسائللا: هل تطابق مع النص؟ وهل استطاع تلبية التنظير الذي أطلقه المخرج نفسه في بيان أسماه (المونودراما التعاقبية)؟ بإشارة صريحة في البيان إلى سعيه لاستحداث جنس درامي بعمق فكري يعبر عن طابع العصر وما فيه؟
أحيل قارئي إلى أن من طابع العصر، بخاصة في ظل انتصار التكنولوجيا الحديثة في بلدان التقدم (التكنولوجي)، سمات تتجسد في طابع الروح الفردي والعزلة ودرجة السحق للبنى التقليدية لوجود الإنسان ومنها التكوينات المجتمعية من عائلة تقليدية ومن حلقات القرابة والصداقة وما أشبه، ليبقى كما أسلفتُ للتو، الإنسان الفرد بعزلته..
ولربما فرض هذا الطابع على الدراما التي وُلِدت في كنف المدينة وولادة الصراع المجتمعي أول مرة، جنسا جديداً، يقدم الموضوعي بـ(مزيد) من التقمص والتجسد الذاتي الفردي؛ حيث الإنسان بمطحنة الآلة الجهنمية.. فهل نشهد ولادة هذا الجنس عبر المونودراما الجديدة (التعاقبية) في تسمية بيانها الأول عند فاروق صبري منظّراً ومخرجاً منفذاً؟ مثلما عند نص المبدع صباح الأنباري؟؟
بقدر الممكن المتاح، سأترك الموقف الفكري السياسي المجسَّد في رؤية المزاوجة بين الجلاد \ الضحية، لأركّز على الاشتغال على العمل الدرامي الجمالي وطاقات أدائه ومستوى تعبيره.. وأشير بدءاً إلى أنّ المخرج بعرضه هذا كان قد مزَّق المونودرامية شكلاً عندما قدمها، ومزق هنا بالإيجاب لا السلب، أقول فعل ذلك بالتكافل مع الكاتب تطبيقاً لاستيلاد الجنس الدرامي الجديد، بتعددية استنساخ (الممثل) على الركح. لنقل: إنَّهما حاولا استنطاق الممثل الواحد باثنين بما اسمياه (التعاقبي) أي مونودرامي يعقب مونودرامي آخر يوحدهما الموضوع من جهة وطابع المعالجة التي تضعهما متكاملين في كينونة إنسانية واحدة..
ولكن، على الرغم من التمزيق المقصود بقصديته الإيجابية بنيوياً أو دفعه بممثلين اثنين على الركح إلا أنّهما بقيا متناغمين كأنهما وجود واحد أو متحد مندمج إنهما محاولة لتقديم الصراع الداخلي في الشخصية عبر تجسيدهما باثنين هما وجهان لأحادية معنوية يُراد التحدث عن إسقاطاتها الفكرية البعيدة المختزنة فيها وعبرها…
لنلاحظ أن الاختيار قدم نموذجه، موحِّدا للجلاد والضحية بأسئلتهما تحت عنوان بنيوي دالّ هو:((أسئلة الجلاد والضحية)) وتلكم هي عبارة ستتعدد وتتوالد ولكنها تبقى بمرجعية لا تتناسل إلا من ذات الوجود وأحاديته أو وحدته الغريبة.
وفي هذا العرض بكندا، أونتاريو فــ: إنَّ أول ضربة إخراجية، هي تلك التي تبدأ مع دخول الجلاد إذ تولد معها نسختها الأخرى بصرياً على خلفية من ظلال لتتحد النسخة الظل مع دمية هي شخصية الضحية وكأن الضحية تولد بحركة الضوء الظل من رحم الجلاد أو من وجوده الموضوعي بصورة دلالية مشفرة في النسخة التي يتم إسقاطها على الشاشة المعدة في فضاء الركح إنها إشارة موحية للعلاقة العضوية بين الكيانين \ الشخصيتين في إطار الوجود الإنساني الجمعي الواحد…
أما لماذا الضحية في هذا المشهد تتجسد أو تولد هكذا؟ فإن كلا من الكاتب والمخرج [لربما] أرادا تنفيذ فكرة المونودراما المعبرة عن الإنسان بوجوده الجمعي الموضوعي بصيغة الإنسان الفرد الذي يتقمص هذه الكلية الشاملة للوجود الجمعي وبصيغة المونودراما النظيرة لعزلة الإنسان الفرد وما يعانيه من حال سحقه في إطار الانسحاق العام… وتوكيداً لأسئلتنا الاستطلاعية بشأن الشفرات والرموز نجيب عن تساؤلنا: لماذا (دمية) بقولنا: دمية إنما لرمزية ربما يراد بها كشف مقدار إلغاء الجلاد للضحية وهيمنته عليها بالمطلق وهنا لا تكون الدمية وجودا سلبيا بل إيجابا بمعنى الفعل الدرامي والمشاركة في بناء الحدث بصرف النظر عن المضمون المقصود قيميا أخلاقيا ولهذا قلتُ هنا (إيجابا) ولم أقل (إيجابيا) لأن اللفظ الأول أريد به الإشارة إلى كونها فاعلا ولا أتحدث عنها قيميا بما تدل عليه لفظة (إيجابيا)…
ومع انطلاق الفعل نتأكد من أن الكاتب والمخرج اختارا الإنسان الجمعي لا الفردي من عبارة الجلاد وهو يكلّم الضحية بقوله: “من آلاف السنين” وأنت تقبع تحت التعذيب ألم تكتفِ!؟ ألم تشبع!؟ في هذه اللحظات يؤكد أداء الممثل أسلوب النجوى وكأنه لا يتحدث إلى الآخر الضحية وإنما إلى وجودٍ بداخله ومنه وفيه في محاولة لتجسيد المونودرامية (دلالياً معنوياً) بصورة بنيوية…
لاحظوا معي عند مشاهدة المسرحية ستجدون أن الجلاد يحجب الضحية عن عين المتلقي وقد ظهَر هذا بالوقفة العمودية ربما بقصد أراد توكيد الهيمنة من صفة الجلاد في الوجود البشري على صفة الضحية في هذا الوجود المتحد.. ربما رأى تحليل دلالي إنها محاولة استبدال ولكنها محاولة تجسيد لمتناقضين يهيمن أحدهما على الآخر لتظهر ثنائية جلاد\ضحية في الشخصية الإنسانية وفي الوجود البشري بوحدة الأضداد في هذا الوجود…
في هذه اللحظة التي تصل ذروة من ذرواتها في الهيمنة يستفيد الكاتب والمخرج من لغة الأغنية (الخطاب الغنائي الذاتي) المأثورة بالتلاعب بكلماتها حيث اندماج السادي بالمازوخي بين الجلاد والضحية متحدين، وفي التمثيل نشهد روعة الأداء عندما يوظف هستيريا الضحك بالمشهد حيث ضحكة الجلاد ومعانيها غيرها عند الإنسان العادي المبتلى وهو هنا الضحية..
وفي خطاب الكلمة ستكشف مونودراما (أسئلة الجلاد والضحية) عن أسلوب الأول وكون كل شيء عنده عبارة عن صفقات فيدعو الضحية لعقد صفقة وبلحظة تالية يبدع في سينوغرافيا الظهور متنقلا بين السلاسل وهو يصرخ: “ألتهمكم الواحد تلو الآخر” ضائعا بـ تيهٍ بين تلك السلاسل \ الجدران في فضاء الركح، وهنا سنشهد تقدم الضحية \ الدمية لتكون مشهديا في مقدمة المسرح وهو ما يُظهره التصوير التلفزيوني وكأنها في منطقة البروسينيوم متضخمة لأنها هي التي تختار الجلاد وهي التي تضعه في موضعه وفعله فكأنها تصنعه؛ فيما الجلاد يلتهم سلبيا في مضمون الالتهام وسلبا في موضع الفعل كونه مصنوع من طرف الضحية متَنَحٍ تجاهها و دمويته وقدراته في الفعل السلبي أخلاقيا هو سقوط وولوغ مصطنع أو دفع به إلى هذا الوضع فعل الضحية واختيارها… أما الضحايا التي يلتهمها فهي غير مرئية لأنها منسحقة ملغاة تماما بلا قيمة وليس وجودها أو رمزها في البروسينيوم إلا حال تضخم إيهامي بمنطق القطيع مغمض العينين فيما أراد أو هكذا افترض الكاتب والمخرج الإيحاء والدلالة عليه بهذه التركيبة القيمية..
لكن ليس بالضرورة بنائيا دراميا أن تكون كل العبارات دقيقة بمواضع ظهورها وتدخل في السياق الذي اخترنا النظر من خلاله إلى تلك المعالجة المونودرامية؛ فعبارة: “قلة خلصت من عندي اختارت المنفى” عبارة لا جدوى منها في سياق العمل وبنيته، إنها دغدغة لمشاعر المتلقي حيث مكان العرض خارج الوطن الذي ينتمي إليهي مبدعو هذا العمل… وهي ثغرة بنيوية ربما جرى تخليصها بعبارة حتى هذا الخلاص جاء برضاي يعني أن الضحية (العراقية) مطلقة الاستلاب ولا مجال لها لفعل بما ينسجم والدلالة الفكرية الأشمل في العمل..
ولابد من وقفة هنا أو على الأقل إبداء ملاحظة كما أشرتُ في أعلاه بشأن سلامة وحدة البنية الدرامية جماليا وفكريا فلسفيا.
المشاهد التالية هي مشاهد سردية مشحونة؛ يتبادل الجلاد فيها دوره ودور الضحية للتعبير عن وقائع الحدث.. ومرةً يتيه في فضاء المسرح تعبيرا عن توهان الضحية و مرة يكون موجه الحركة بوصفه الجلاد، متهِما بهذه الحال، جمهور القاعة بأنهم من ساهم في صنعه ثم استخدام المؤثرات بلحظة ذروة انفعالية وليس ذروة تولد من نمو الحدث وتبرير هذا قد يُسعفه كوننا بصدد معالجة مونودرامية الهوية والبنية..
إذن، ربما هذا ناجم عن طابع المونودراما في التعبير عن الاحتقان أكثر من تعبيره عن الصراع؛ لكن هنا يُنتظر من الوليد الجديد التعبير عن الموضوعي في الذاتي الغنائي بطريقة مناسبة وجعل حلقات الحدث متنامية..
بخلاف ما جرى بهذا العمل فلدينا وجهان لشخصية متحدة مندمجة من الجلاد والضحية تقدم الأولى أسئلتها بقصد الإيحاء إلى إجابات باتجاه حتى ينتهي مسار سردها وتجسداته لتبدأ الصفحة الثانية مجسِّدة لأسئلة باتجاه معاكس للضحية وننتهي حيث بدأنا، عندما ينقلب الاتجاه أو يعاود مساراً كأنه الحلقة تدور لتعاود اللقاء بالبداية ولكن بعد أن تكون شغَّلتنا بالاتجاه الواقع خارج الدائرة أو بعيدا عن السرد أي في موضع نكون نحن المتلقين فاعلين في وضع الإجابة لمجمل الأسئلة الملقاة علينا من الشخصيتين المنشطرتين عن وجود إنساني مندمج أو متحد..
قابيل يريد بعضا من هابيل فيما الضحية تتخلص من جثوم هابيل على وجودها برمته.. الجلاد يلتقط أغنية من عالم الضحية وعواطفه وانفعالاته حركت الروح لمن فارقتهم ليصبها في خطابه وتصير حركت الروح لمن عذبتهم وتبادل الأدوار واندغامها أو اندماجها هنا مقصود مثلما في كل مسار المسرحية المونودرامية إلى درجة وحدة الجلاد والضحية بطريقة لم ينقذها إلا المؤثرات الصوتية تحسم إقفال المشهد والانتقال إلى مشهد جديد..
وبانتهاء مشهد الجلاد (ومونودراماه) تظهر الشخصية الفعل على الركح ولكن هذه المرة بروح الضحية وأسئلتها بعد أن انتهينا إليها أعلى صوتا في نهاية المشهد السابق.. إن ولادة الشخصية بوجهها الجديد وجه الضحية (ومونودراما تعقب السابقة، تحدث من تمزيق الدمية وخروج الشخصية من شرنقتها، فينكسر الحراك الخاص بالضحية ليُنهي الجمود والسلبية وليصير هو الفاعل المهيمن على الحدث الدرامي.. ومجددا أؤكد بلا نمو يؤدي بنا إلى خاتمة فعلية متنامية متوالدة الحلقات بل بامتداد أفقي بأغلب مساره وربما دوران يعود بنا ليلتقي بنصفه الآخر قدريا بلا ثورة تغيير بل بفعل مشروط بتعايش سلبي مرضي مازوخي على الرغم من وجود عبارة ترفض أو تنفي هذا، لعل كل من الكاتب والمخرج أحسّا بما فرضه خطاب شخصيتيهما فأرادا نفي ذلك بتلك العبارة المُدخلة بلسان من خارج بنية الشخصيتين…
ربما أقول ربما حاول الإخراج التملص من طابع التكرار المونودرامي والمسار المنبسط أفقيا بوضع ضحكات التحدي للضحية بمواجهة ضحكات هستيرية للجلاد وبوضع تحديات تعبيرية في أداء الممثل بالضد من استباحة أو استغلالٍ يقع عليه.. لكن المسار البنيوي يبقى مقفلا بالدائرة أو بخط الرجوع المقابل لتقدم الجلاد وهو خط قد يفضي إلى محو ما وقع من الجلاد ولكنه لا يبني عالما بديلا بالتخلص من الأول وبناء عالم جديد مستقل حر، وهذا ليس سلبية.. لربما لأنه أراد ترك بناء العالم الجديد خارج دائرة النص ودائرة العرض في دائرة التلقي والوجود الاجتماعي الحقيقي حيث يكون الكشف عن الحقيقة في المنجز المسرحي (المونودرامي) فرصة للتخلص من سكونية الفعل عند الضحية.. ربما! وهذه الربما أقصد بها الجمهور وليس النص ولا غايته ومعالجته!؟
تذكروا معي مشهد ألوان الدم فيما الضحية تطلب من آخر ما ربما من السجان \ الجلاد، تطلب مساعدته لينقذها: “طلعني ما أريد أموت” وتذكروا ايضاً: وضع الجلاد اختيار واحد أمام الضحية وهو ليس سوى اختيار الموت فأين الاختيار الآخر؟ هل نسيه الممثل أم تقصَّده الكاتب والمخرج!؟ كيف يمكن أن يكون اختر بين الموت و… وبين ماذا؟ لربما هناك تقابلات انقطعت عن استكمال مسار السرد وعن مسار بناء التوضيح الدرامي كاملا… أو لم تستطع الإيفاء بالإيحاء للمتلقي بما تريد سوى بانسحاق استسلمت له الضحية بلا خيار حقيقي..
ومجددا الغربة والعودة وعذاباتهما تدخل في النجوى وفي سرد مونودرامي على لسان الضحية، كأن أحداً يريد الإشارة إلى خيط يرتبط بالذين تخلصوا من الجلاد بالتوجه إلى المنفى ولكن لا روابط بنيوية حقيقية تعود على ما سبق أن مر في النص… هناك في إطار الأداء ومسار العرض استدعاءات لمشاهد من واقع الأقبية والسجون ولكن من دون ربط (بنيوي) بحسب ما تقتضيه الوقائع وتسلسلها بل هو استدعاء يستند إلى رابط واه هو رابط الموضوع أو وحدته بسلطانه الخارجي على البنية!
والنهاية الخاتمة تأتينا بلا صوت بل بصمت كما فلسفة الضحية المنسحقة والمستسلمة لذاك الانسحاق وطبعا ليس كما كان يُنتظر من ضرورة الإيحاء بأي افتراض وأي نداء قد تطلقه الضحية في الواقع ولهذا اكتفى كل من الكاتب والمخرج بنهاية صامتة تعود إلى السكينة والاضمحلال مكتفيا إذن هنا بمهمة الكشف عن تداعيات ومجريات السلب والإيجاب بالحدث والواقعة مجردين كما هما وليس بتقديم موقف قيمي أخلاقي أو نداء يتضمن ذلك.. إن كل من الكاتب والمخرج يتطلعان لموقف من شاهد مونودراما الحقيقة الوجودية لظاهرة الجلاد \ الضحية…
هناك في بنية النص ما كان مستهدفا في ثنايا متخفية وهنا في العرض بشيء من التملص من قيود النص محاولة أخرى وكلاهما تسعيان إلى إثارة المتلقي باتجاه رفض السكينة والوداعة ومهادنة الجلاد ورفض السلبية والاستسلام ورفض القبول بالنقيض مهيمنا يلغي وجود الضحية شخصية إنسانية تقف بتحد وباستقلالية.. ترفض السحق لكن من سيرفض السحق ليس ضحية مونودراما الأنباري وصبري ولكنهم المتلقين إذا ما أخذوا أو التقطوا الدرس كما أراداه..ولكن لماذا اختار صياح الأنباري وفاروق صبري ترك الخيار للجمهور ألأنهما يكرران أو يحملان فلسفة الضحية وانهما لا يريان أفق تغيير أم لتبنيهما مدرسة فنية بعينها. ذلك ما أترك الإجابة عنه هنا.
وبالعودة إلى البنى الجمالية؛ فلقد كانت مونودراما (أسئلة الجلاد والضحية) حفلة عرض مسرحي تنتمي إلى الذاكرة العريقة للمسرحية العراقية ومفرداتها ومن هذه الجذور الموحية نستنطق مضوموناً حاولت المونودراما به اختراق الهوية المحلية لتنتقل إلى الإنساني الأشمل في تغطية وجودنا وفي استيلاد منجز جمالي لفن ملتزم إنسانيا.. أما أية درجة من النجاح تحقق فيها فأتركها لكم مثلما تعرفت إليها في جغرافيا قاعة العرض وجمهورها الذي صفق لدقائق عديدة بتصريح أكَّد استقبالا مسرحيا حاراً دسم المادة، ما يجعل تركها لكم يؤكد نجاحا في المنجز سيتحدد مساره وحجمه ليس بعيدا بمستوى العمل نفسه وبمستوى الطرح التنظيري لجنس المونودراما التعاقبية الدرامي..
شكرا فاروق صبري مرات عديدة، للإخراج ولكل المنجز الفني المسرحي ومفرداته ولمحاولة استيلاد عمل بتنظير أثق أنه سيحظى باهتمام أكبر يليق بتجديده وبما يتطلع إليه من حجم مميز كبير وتأكد أن مسرح العبث المنسوب للفرنسيين مطلع الستينات كان العاني قد قدمه بمسرحنا العراقي سنة 1949 وما سيولد من بنية مونودرامية جديدة بأي مسمى سيستقر عليه الوضع سينسب هذه المرة لأهله ومبدعه فلقد تغير الزمن ووسائط الاتصال والتفاعل المسرحي في عالمنا..
شكرا صباح الأنباري لمنجز جسد تصورا نظريا ووضع اللمسات الأولى لانطلاقة ستبنى تراكميا ولك قصب السبق والأولوية فيها…
شكرا لوعي التمثيل منهجا وأداء بعمق مدارسه ليقدم عرضا ممنهجا بروعة شكرا غسان العزاوي وميثم صالح..
شكرا لوعي المضامين وغنى الشفرات والرموز ودلالاتها في الديكور والمؤثرات الصوتية والإضاءة ولكل فريق العمل مبدعةً مبدعةً ومبدعاً مبدعاً…
أيها السادة لا يقدح في هذا المنجز أي ملاحظة نقدية سجَّلْتُها بل يتشرف بتعميد المنجز ويسعد بفريق العمل متكاملا حتى بمنتجي العمل وهم الجمعية العراقية الكندية في أونتاريو لأنهم المبادرون في تقديم العرض على الرغم من ظروف الإنتاج ومحدودية الإمكانات..
تحية لجمهور العرض الأول جميعا فلقد شهدتم حدثاً سيحتفي به المسرح المعاصر وإن كان اليوم مجرد وليد صغير إلا أنه من البذرة تنمو الشجرة وتولد الغابات سقف الحياة وفضاء وجودنا برمته جماليا بكل مضامينه ومعالجاته..
شكرا لقد أعدتموني مرة جديدة مضافة إلى تخصصي الأكاديمي والإبداعي وإلى اشتغال جمالي مستحق وسط انشغال بأولويات زمننا ومطاحن آلته الجهنمية.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock