مقالات ودراسات

د. علي خليفة يكتب: مسرحية مغامرة رأس المملوك جابر لسعد الله ونوس.. بين التأصيل والتجريب

المسرح نيوز ـ القاهرة| دراسات ومقالات

ـ

لا شك أن مسرحيات سعد الله ونوس من أكثر المسرحيات العربية عرضًا في المسارح العربية، وأيضًا شاهدت بعضها يعرض في المسرح المدرسي بعد عمل إعداد لها.

ولا شك أن نجاح مسرحيات سعد الله ونوس على خشبات المسارح يغري كثيرين من المخرجين بإخراجها.
وكثير من النقاد يرون أن سعد الله ونوس استطاع في مسرحه أن يجمع بين النص المسرحي الجيد المتقن البناء وبين فنون الفرجة المثيرة للمشاهد، ومنها بعض المشاهد الميلودرامية التي يتجاوب معها المشاهد، وتدغدغ مشاعره – كما نرى في مشاهد الاغتصاب في مسرحية اغتصاب،ومشاهد معاناة قطاعات من شعب بغداد للجوع الذي يعتصرهم،واضطرار بعضهم للتضحية بأشياء عزيزة خلال المحنة في مسرحية مغامرة رأس المملوكجابر –.

وأيضا نرى في مسرحه الحكاية المثيرة التي يتطلع المشاهد لمتابعتها لمعرفة كيف ستكون نهايتها، وكذلك من عناصر الجذب للمشاهد في مسرحه محاولته التجديد في الشكل وربطه ببعض فنون الفرجة التي عرفها العرب قديمًا، كما نراه في هذه المسرحية يستخدم فن الحكواتي، وفي مسرحية الملك هو الملك يستفيد من إحدى قصص ألف ليلة وليلة التي فيها تمثيل داخل تمثيل، وتمتلئ بعناصر الإثارة والإبها، وهي قصة أبي الحسن المغفل التي كتب عنها رائد المسرح العربي مارون النقاش مسرحية، وسماها بهذا الاسم وباسم آخر هو هارون الرشيد، وكذلك كتب نجيب الريحاني وبديع خيري مسرحيتهما ياسمينة من أحداث هذه القصة.

ولا شك أن مسرح ونوس فيه تجديد وتجريب وإبداع، ومع ذلك ففيه بعض جوانب قصور منها بطء الإيقاع في بعضها للحرص على ذكر مشاهد كان الأولى الاستغناء عنها، وللتطويل في عرض بعض المشاهد كان الأولى اختصارها، ويتجلى هذا العيب أوضح ما يكون في مسرحية مغامرة رأس المملوك جابر، فالمؤلف يستفيض في عرض آثار الحرب التي تجرعتها بغداد بين الخليفة والوزير وأتباعهما، ثم بهجوم ملك العجم عليها، ويشعر المشاهد أنه لا جديد في عرض هذه المشاهد المتشابهة سوى الرغبة في دغدغة مشاعر النظارة، وإثارة غضبها، وهذا ما تفعله الميلودراما، وليس الدراما ذات البناء المتزن.
كذلك من المآخذ على مسرح ونوس أن لغة الحوار عند الشخصيات – في بعض مسرحياته – فيها تشابه كبير، وفي مسرحية مغامرة رأس المملوك جابر نرى الشخصيات كلها بالمسرحية تستخدم الصور في حديثها خاصة التشبيهات. وكان يجب أن تتميز لغة كل شخصية عن غيرها من الشخصيات،

ولا يتكلم بلغة التصوير إلا شخصيات معينة ينتظر منها لثقافتها وعلمها أن تتكلم بهذه اللغة العالية.
أما عن مسرحية مغامرة رأس المملوك جابر فهي من أشهر مسرحياته، وأكثرها عرضًا على خشبات المسارح، وبعض النقاد يرونها أفضل مسرحية عربية.

وأنا أراها بالفعل من أفضل مسرحيات ونوس، ومن أفضل ما كتب من مسرحيات عربية، ولكنها مع ذلك فيها بعض العيوب
– وقد ذكرت بعضها – ولهذا لا أراها تأتي ضمن أفضل عشر مسرحيات عربية مثل مسرحية علي جناح التبريزي وتابعه قفة لألفريد فرج، ومسرحية السلطان الحائر لتوفيق الحكيم.

وقد اتكأ ونوس في كتابة هذه المسرحية في موضوعها وشكلها على التراث. أما موضوعها فاستقاه من عصر الإمارات والدويلات الذي عاشته بغداد وما حولها من دول إسلامية في القرون الخامس والسادس والسابع الهجرية.
وقصة المملوك جابر الذي اقترح على الوزير أن تكتب الرسالة السرية الموجهة لملك العجم على جلدة رأسه لكي لا يراها الحرس الواقفون على بوابات بغداد لعل سعد الله ونوس استوحاها من نادرة تنسب لأبي نواس، فقد أراد أن يكتب رسالة، ولم يكن معه قرطاس، فأمر بقص شعر غلام له، وكتب الرسالة على جلدة رأسه، وكتب في آخرها للمرسل إليه أن يمزق الرسالة بعد قراءتها.

أما شكل المسرحية فاستوحاه كاتنبنا الكبير من أسلوب الحكواتي في حكايته للسير والقصص في الساحات والمقاهي.
ونرى هنا مستويين للتمثيل: المستوى الأول نرى فيه الحكواتي يلتف حوله جمهور المقهى الذي يشرب الشاي والقهوة ويدخن الشيشة، ويستمع لحكاية الحكواتي عم مؤنس، وينفعل بما يسمع، ويعلق عليه كثيرًا.
والمستوى الثاني من التمثيل هنا هو عرض الحدث الذي يمهد له الحكواتي عم مؤنس، ويتدخل فيه كثيرًا – فهو الراوي العليم بكل شيء وغير المشارك في الأحداث –.

ويقوم الحكواتي بالتحاور مع جمهور القهوة الذي يرفض سماع حكايات زمان الهزائم والضعف، ويرغب في سماع سيرة الظاهر بيبرس بما فيها من انتصارات وبطولات، ولكن العم مؤنس يصر على أن يسمع جمهوره حكايات زمن الهزائم قبل سماعه حكاية الظاهر؛ لأنه يريد استثارتهم لواقع يعيشونه مشابه للأحداث التي يحكي عنها، ويريد منهم ألا يكونوا مستمعين سلبيين، بل عليهم أن يتجاوبوا معه.

ومع نهاية المسرحية نرى جوقة بريختية تحل محل الحكواتي تحذر سكان البلاد المجاورة لبغداد من النهاية التي انتهت إليها بغداد في هذه المسرحية. وأرى أننا لم نكن بحاجة لهذه الجوقة، ففيها خروج عن بناء المسرحية، وقد كنا نتابع من خلاله شخصية الحكواتي طوال أحداث المسرحية إلى أن جاء هذا المشهد الغريب عليها.
والحكواتي يقوم بأدواره كلها – التي كان يقوم بها الحكواتي للسير الشعبية قديمًا – في هذه المسرحية، فهو يمهد للأحداث، ويعلق عليها، ويختصر بعضها، ويحذف بعضها، ومع ذلك فالمسرحية فيها بعض المشاهد التي كان يجب حذفها، وبها مشاهد أخرى كان الأولى اختصارها – وقد وضحت هذا منقبل –.

وقد برع كاتبنا الكبير في رسم شخصية جابر، فهو شاب مرح عابث واسع الحيلة، وهو أيضًا طموح مغامر، ولكن شأنه شأن أهل بغداد لا يعنيه أمر الخلاف بين الخليفة والوزير، ويعلق عليه بقوله: فخار يكسر بعضه بعضًا، ثم اتضح أن أهم من عانى ويلات هذا الصراع هو شعب بغداد.

وسخر المؤلف من الوزير، فأظهره شخصًا مدمنا للنشوق، وهو أيضًا مخادع غادر، فقد غدر بجابر، وكتب في رسالته التي أرسلها لملك العجم على جلدة رأس جابر أن الوقت قد حان لفتح بغداد، وأنه ومن معه سيسهلون لملك العجم فتحها، ثم ختم رسالته بطلبه إلى ملك العجم قطع رأس جابر؛ ليظل أمر هذه الرسالة سرًّا.

وبدت الشخصيات في المسرحية أقرب للأنماط ذات الملامح والسمات الثابتة من أول المسرحية لآخرها.

ربما تحتوي الصورة على: ‏شخص واحد‏
لا يتوفر وصف للصورة.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق