مقالات ودراسات

رامي الدسوقي يكتب: لغات العمل ــ الثقافي الفني ـ الأربعة!


المسرح نيوز ـ القاهرة: مقالات ودراسات

ـ

 رامي دسوقي

المدير المالي والإداري لاتحاد المعاهد الثقافية الأوروبية في مصر

«يونيك مصر» (EUNIC Egypt).

 

كل ضلع من أضلاع المربع في مجتمع الفن والثقافة في مصر بيتكلم لغة مختلفة، وحتى في اللغة الواحدة، فيه لهجات مختلفة

هل منطقي نطلب من فنان المسرح يستخدم نفس لهجة صُنّاع السينما أو نتوقع من موظف قصر ثقافة في الصعيد إنه يتكلم بنفس لهجة اللي موظفي وزارة الثقافة اللى بينظموا المهرجانات الدولية الحكومية في القاهرة

للأسف، دي فجوة حقيقية بتواجه القطاع الثقافي في مصر. وأول خطوة عشان نتحرك لقدام هي إننا ندور على لغة مشتركة كل طرف يقدر يفهمها، خصوصًا إننا في بلد واحدة وبنشتغل في قطاع واحد، والمفروض إن أهدافنا واحدة. محتاجين نخلق حوار حقيقي يجمع كل الناس دي على ترابيزة واحدة.

تجربتي خلال الـ 6 سنين اللي فاتوا خلتني أشوف إن العمل مع الجهات والمؤسسات الثقافية -سواء حكومية أو مستقلة قائم على إن كل واحد فيهم بيتكلم لغة مختلفة، وجوه كل جهة ممكن تلاقي أكتر من لغة كمان

اللغة الأولى: البيروقراطية الحكومية

الزملاء في المؤسسات الثقافية الحكومية شطار جداً في فهم اللوائح والقوانين، لكن المشكلة إن اللوائح دي أحيانًا بتتحول عندهم حتى لو اتغيرت على الورق لسلطة مسيطرة على القرارات. لازم موافقة “كل الناس” عشان المشروع يبدأ لمجرد إن المسؤولية تتقسم على الجميع، وكله كوم وختم النسر ده كوم تاني خالص

وساعات الموظف بيكون شايف الفنان أو المشروع الثقافي مجرد أوراق وموافقات لازم تتقفل، من غير ما يفكر في الأثر الفعلي للمشروع أو دور الفنان في المجتمع. أحيانًا الحرص الزيادة ده بيتحول لخوف من أي مبادرة جديدة أو قلق من أي حد شكله مختلف، وده للأسف بيخنق الإبداع

رأيي إن القيادة السياسية عندها هدف واضح لدعم الثقافة وخصوصًا المبادرات الشبابية والمختلفة، بس مش دايماً الأهداف دي بتوصل لكل صانعي القرار، خصوصًا بره القاهرة والإسكندرية، حيث الخوف من الغلط بيكتف الجميع. النظام والقوانين مهمين لتنظيم العمل طبعاً، بس بلاش تتحول لغة القانون لسد بيوقف المشاريع بدل ما يحميها. ومن واقع تجاربي، شفت كمان نماذج حكومية مشرفّة بتسعى بجد لدعم المبادرات الثقافية والشبابية.

اللغة الثانية: عالم المستقلين

المستقلون والفاعلون الثقافيون هم قلب الحركة الإبداعية في مصر، وبأيديهم بيرسموا مستقبل الفن. لكن الفنان دايماً عايز مرونة مطلقة وكل حاجة تخلص بسرعة، رغم إن ممكن يكون هو شخصيًا بيتأخر في التزاماته! عنده حساسية مفرطة من أي حاجة “حكومية” نتيجة تراكمات سنين طويلة، ومقتنع إن البيروقراطية هي اللي بتوقف المراكب السايرة، حتى لو الواقع بيقول غير كده في أوقات كتير

السؤال هنا: هل الفنان أو المؤسسة المستقلة بيقوموا بدورهم كامل؟ فيه فرق كبير بين فن بيتقدم في مدرسة أو جامعة، وبين فن بيتقدم على مستوى دولة. لازم تراعي القوانين اللي بتدير العملية الثقافية كشركة أو جمعية أهلية خاضعة لقوانين ملهاش علاقة مباشرة بالفن

الحساسية دي بتخلق فجوة غريبة: فتلاقي “فن من غير فنانين” في مشاريع الوزارة الممتازة اللي بتفتقد المبدعين الحقيقيين لأنهم بعيد، وفي المقابل “فن من غير إمكانيات” لمشاريع مستقلة بتدور على مجرد مكان للعرض، وبيرفضوا يتواصلوا مع القطاع الحكومي لأسباب غير مفهومة، فبتضيع عليهم فرص عرض في أماكن مجهزة وجمهور أكبر، وبيفضلوا محبوسين في نفس الدايرة الضيقة.

اللغة الثالثة: المؤسسات الدولية

أما المؤسسات الدولية فما زالت بتحاول “وأتمنى تفضل تحاول” لدعم القطاع ده مادياً أو بفتح أفق جديدة للفنانين. لكن المشكلة إن المؤسسات دي أحياناً بتشتغل من غير “بوصلة حقيقية” بتشوف نص الواقع بس، وغالباً من عيون الشركاء بتوعها اللي مش بيمثلوا غير جزء بسيط جداً من القطاع الفني

 

بيعرفوا كويس لغة الإيميلات والمقترحات والميزانيات المربوطة بالإرشادات العامة للمشروع، ومحصورين في دايرة صغيرة مقفولة على نفسها من الفاعلين الثقافيين، وما عندهمش معرفة وأحياناً إرادة إنهم ياخدوا خطوة ويطلعوا بره مكاتبهم للواقع الحقيقي.

اللغة الرابعة: بيزنس الفن

دول أكتر ناس عندهم لغة واضحة، ويمكن تكون حادة في أوقات كتير لما نتكلم في قضايا زي “حق الاداء العلني” أو تعاملهم مع الجهات الرسمية، لأنهم الأكتر تأثيراً في اقتصاد القطاع الثقافي ودورهم واضح للجميع

تفكيرهم دايماً محكوم بـ: إزاي العمل الفني يطلع ويجيب فلوس وعجلة الإنتاج تلف؟ الفن من أجل الفن شيء عظيم، لكن الفن لازم يكون له جانب تجاري يدخل دخل للعاملين فيه، لأن الدولة مهما عملت مش هتقدر تشيل المسؤولية لوحدها

بتبسط جداً لما بحضر عروض مسرحية بره مصر؛ ورغم إني أعتقد إن مفيش مسرحية حققت أرباح ضخمة آخر 20 سنة (غير تجربة مسرح مصر بسبب العرض التلفزيوني)، إلا إنك بره بتلاقي الناس ممكن تسافر مخصوص بلاد عشان تحضر عرض مسرحي تذكرته مش رخيصة خالص.

المشكلة مش بس في اللي بنقوله، المشكلة في ‘إزاي’ بنقوله.. إحنا عايشين في جزر منعزلة تكنولوجياً وفكرياً هتلاقي الجهات الحكومية لسه بتخاطب المجتمع بـ ‘بيانات صحفية’ رسمية وناشفة بتنزل في الجرايد أو صفحات بتاعه الوزارة والجوابات الداخليه  عليها ختم النسر وكله الا موافقة المسئول ومع الشكر  في حين إن المستقلين والشباب لغتهم هي الاستوزيز والبوستات السريعة على فيسبوك وإنستجرام، والمؤسسات الدولية عايزة إيميلات رسمية بالإنجليزية ومصطلحات محددة علشان المقترح يعجبهم واوعي تنسي تحط شويه كلام عن العادله الثقافية وتميكن الفنانين والمرأه والاطفال وغيرهم

الاختلاف ده في لغة التواصل هو اللي بيزود الفجوة، وبيخلي كل طرف يحس إن الطرف التاني جاي من كوكب تاني، فبيضيع المضمون وسط زحمة المصطلحات والشكليات

الواقع الثقافي في مصر مش مظلم تماماً زي ما كتير من المستقلين بيصدروا، ولا وردي وجميل بزيادة زي ما البيانات الحكومية بتقول. الحقيقة دايمًا في المنطقة اللي في النص.

الواقع الثقافي محتاج ‘حوار حقيقي’ ولغة مشتركة، محتاج إن كل طرف يقوم بدوره بدل ما نكتفي بتبادل الاتهامات أو الشكوى من قلة التمويل والمساحات – اللي أوقات كتير بتكون موجودة بس إحنا مش عارفين نوصل لها. محتاجين نفهم ‘المستقلين’ محتاجين إيه فعلاً، وإيه اللي تقدر ‘المؤسسات الحكومي وكمان الدولية والمجتمع المدني ‘ تقدمه بمرونة أكبر.

لازم نستوعب إننا عايشين في بلد الفن والثقافة فيها جزء من جيناتها وتراثها، مش مجرد حاجة ترفيهية أو ثانوية بنفتكرها لما نفضى..

لأن الثقافة هي الأصل وهي أبداً مش رفاهية، وكما استلهمت فكرة العنوان رواية “قواعد العشق الأربعون”، إحنا محتاجين فعلاً نفهم “لغات العمل الثقافي الأربعة” عشان نوصل للغة حب وفهم مشتركة تنقذ الفن في مصر.

 

 

 


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock