إصدارات

قراءة في إصدارات الدورة 33 من التجريبي (2) كتاب: (مسرحيتان… مال خطر ـ الرباعية)

قراءات يقدمها الكاتب والناقد العراقي: حيدر عبدالله الشطري


المسرح نيوز ـ القاهرة: إصدارات

ـ

حيدر عبدالله الشطري

كاتب وناقد عراقي

 

قراءة في كتاب (مسرحيتان… مال خطر ـ  الرباعية)

ان الكتب التي تُقرأ هي تلك التي نمر عليها لجمع المعلومات أو التسلية دون أن تترك أثراً عميقاً في بنيتنا الفكرية أو النفسية، حيث يبقى القارئ فيها في منطقة الراحة وفي موقف المتلقي السلبي.

​أما الكتب التي تُواجَه فهي أعمال تفكك المسلمات وتطرح أسئلة وجودية أو فكرية حادة، وتضع القارئ في مواجهة مباشرة مع أفكاره، مخاوفه، أو قناعاته الصارمة. القراءة هنا تتحول إلى سجال فكري يتطلب شجاعة وجهداً عقلياً، للخروج منها بشخصية ورؤية مختلفة عما قبلها. وهذا الكتاب من نوع هذه الكتب حيث تكون القراءة هنا تجربة وجدانية غنية.

صدر هذا الكتاب عام 2026 ضمن إصدارات الدورة الثالثة والثلاثين لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، ووضع فيه المترجم والناقد د. محمد رفعت يونس بين دفتيه نصّين لا يجمع بينهما شيء ظاهريًا سوى أنهما مترجمان إلى العربية، لكنهما في العمق يتحدثان عن الشيء نفسه بالضبط وهو كيف يلتهم النظام ماليًا كان أو أرستقراطيًا الإنسان من الداخل، ويترك له قناعًا يظنه وجهًا.

والنصان هما (مال خطر) لكاريل تشرشل، و(الرباعية) لهاينر مولر الاول نص بريطاني عن بورصة لندن في الثمانينيات والثاني نص ألماني عن صالون فرنسي قبل الثورة يتحول فجأة إلى ملجأ بعد الحرب العالمية الثالثة وقد جمعهما يونس في كتاب واحد، وأضاف إليهما دراسة دراماتورجية طويلة لكل نص. والنتيجة سنقرأ كتاب نقدي بقدر ما هو ترجمي، وهذا بالضبط ما يجعله يستحق التوقف عنده.

فالنص الاول مسرحية تتكلم بلسان السوق نفسه لأنها الفكرة المحورية في المسرحية كلها وتشرشل لا تكتب عن المال، هي تكتب بلغة المال وهناك فرق شاسع فالمسرحية مكتوبة أصلًا شعرًا لأن الكاتبة، كما تذكر في تقديمها، لم تستطع الإحاطة بمادة سوق الأسهم إلا حين قررت أن تصوغها شعريًا وهذا قرار جريء، وربما غير متوقع من نص يتحدث عن الانفجار الكبير( Big Bang) وتحرير سوق المال البريطاني عام 1986 لكنه قرار ذكي جدًا، لأنه يجعل الإيقاع نفسه جزءًا من المعنى فالسوق سريع، لا ينتظر أحدًا، والجملة المسرحية أيضًا سريعة، لا تنتظر أحدًا.

الدراسة التي كتبها يونس عن هذا النص وهي تمتد لصفحات طويلة تضع يدها على نقطة أساسية وهي لا يوجد في (مال خطر) بطل واحد، ولا مؤامرة واحدة، ولا شرير استثنائي. موت جيك تود ليس لغزًا بوليسيًا بالمعنى التقليدي فهو نقطة انطلاق لشبكة كاملة من العلاقات المالية والعائلية والسياسية. وشخصيًا، أجد هذا التحليل مقنعًا تمامًا، لأن قوة النص أي نص الحقيقية لا تكمن في من الفاعل وانما في أي عالم يجعل هذا الفعل بديهيًا.

وهذا بالضبط ما تفعله تشرشل فهي لا تدين شخصًا انها تُشرّح نظامًا بأكمله يجعل من الفساد ممارسة يومية عادية.
والأجمل من هذا كله هو خط سيال أخت مفجوعة تدخل عالم أخيها الميت لتبحث عن الحقيقة، فإذا بها شيئًا فشيئًا تتحول إلى واحدة من أمهر لاعبي اللعبة نفسها. فهذه قصة استيعاب والمسرحية بذكاء ترفض أن تمنحها أي خلاص أخلاقي فلا تطهير، ولا عدالة، ولا نهاية سعيدة ولا نهاية مأساوية بالمعنى الكلاسيكي فقط استمرار الآلة هذا هو الخط الذي يجعل النص رغم أنه مكتوب عن حقبة تاتشر تحديدًا يبدو معاصرًا بشكل مزعج كأنه كُتب الأسبوع الماضي لا قبل أربعين سنة.

أما النص الثاني، فهو نص من نوع آخر تمامًا فمولر يأخذ رواية (العلاقات الخطرة) لشودرلو دو لاكلو، ويقوم باختصارها حيث يزيل كل شيء إلا الجوهر ويضغط عالمًا كاملًا من الشخصيات والدسائس والرسائل داخل مواجهة لغوية بين شخصين فقط هما ميرتوي وفالمون وهذا كل شيء لكن هذين الشخصين في تبادل مستمر للأقنعة والأدوار والهويات يستحضران داخل الكلام كل من غاب عن الخشبة تورفيل، فولانج، الكاهن، الضحية، الجالد والمسرح هنا فضاء لاستحضار الأشباح.

والإرشاد المسرحي الافتتاحي (صالون قبل الثورة الفرنسية / ملجأ بعد الحرب العالمية الثالثة) من أقوى الجمل التي قرأتها في مسرح معاصر، بصراحة جملة واحدة تلخص تاريخ أوروبا كله من ثقة الذات المطلقة إلى التهشم الكامل. الصالون الأنيق والملجأ النووي كما يشير التحليل ببراعة، وجهان لعملة واحدة. البذور الأولى للكارثة كامنة في قلب ذلك العالم الأرستقراطي المتحضر نفسه.
اللغة عند مولر ليست وسيلة تواصل هي سلاح فالشخصيتان لا تتحاوران انهما تتبارزان وأكثر ما يميز هذا النص وهذا ما تشير إليه دراسة المترجم بذكاء هو أن خلع القناع لا يوصل إلى وجه حقيقي أبدًا فهناك دائمًا قناع تالٍ في الانتظار لا لحظة اعتراف خالص ولا جوهر ينكشف بالكامل وهذه في رأيي هي أكثر أفكار النص قسوة وصدقًا معًا وهي أن الهوية نفسها أداء لا نهاية له.

ولو كان الكتاب مجرد ترجمة لكان عملًا جيدًا ومفيدًا وينتهي الأمر لكن ما يرفعه إلى مستوى آخر هو الجهد النقدي الذي أحاط به يونس النصين دراستان دراماتورجيتان طويلتان تستحضران فوكو وماركس وجيمسون وباتاي وليمان وتضعان كل نص في سياقه داخل مسيرة كاتبه وداخل تاريخ المسرح الأوروبي الحديث وهذا مجهود حقيقي لا مجرد مقدمة تعريفية سطحية كما اعتدنا في كثير من الترجمات العربية.
لكن وهنا لا بد أن أكون صريحًا هذا الثراء نفسه له ثمن فاللغة النقدية أحيانًا تميل إلى الإطناب الأكاديمي وبعض الفقرات تكرر الفكرة نفسها بصياغات مختلفة أكثر مما تضيف إليها فالقارئ العام الذي يريد فقط أن يفهم لماذا تستحق هاتان المسرحيتان وقته قد يجد نفسه أحيانًا غارقًا في طبقات من التنظير قبل أن يصل إلى النص نفسه وهذه ليست مشكلة كبيرة لكنها ملاحظة لا بد منها.

Yنه كتاب يستحق أن يقرأ واعتبره من أهم إصدارات المهرجان لهذا العام فاختيار الجمع بين تشرشل ومولر بين نص بريطاني نسوي عن جشع الثمانينيات، ونص ألماني عن انهيار حضارة كاملة اختيار له دلالته فكلاهما من زاويته يسأل السؤال نفسه عن السلطة حين تتلبس الجسد واللغة والرغبة معًا ومحمد رفعت يونس لا يكتفي بنقل الكلمات من لغة إلى أخرى لأنه ينقل معها وعيًا نقديًا كاملًا يجعل من هذا الكتاب مرجعًا لا مجرد ترجمة عابرة تُقرأ مرة وتُنسى.

يبقى المال خطرًا، وتبقى العلاقات خطرة أيضًا وهذا ربما هو الخيط الخفي الذي يربط بين نصّي هذا الكتاب.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock