قراءة في إصدارات الدورة 33 من التجريبي (1) (مسرحيات أمريكية من فصل واحد: تمت كتابتها منذ أكثر من مائة عام)
قراءة يقدمها الكاتب والناقد العراقي: حيدر عبدالله الشطري/ العراق

المسرح نيوز ـ القاهرة: إصدارات
ـ
قراءة: حيدر عبدالله الشطري/ العراق
قراءة في كتاب (مسرحيات أمريكية من فصل واحد: تمت كتابتها منذ أكثر من مائة عام)

راكم مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي ومنذ انطلاقته عام 1988 وعلى مدار عقوده مشروعًا مواز لا يقل أهمية عن العروض المسرحية التي يقدمها وهي سلسلة من الإصدارات الفكرية والنصية المصاحبة لكل دورة وتجمع بين الترجمة والتنظير والتأريخ للمسرح ولم يكتفِ المهرجان بدوره كمنصة للعروض في الدورة الثالثة والثلاثون (2026)
وقدّم للقارئ العربي باقة لافتة من هذه الإصدارات تتوزع بين نصوص مسرحية مترجمة وكتب في نظرية المسرح وفلسفته إلى جانب دراسات في قضايا ثقافية وسياسية أوسع وهذا التنوع، و في حد ذاته يكشف عن وعي تحريري بأن التجريب مفهوم يحتاج إلى أرضية معرفية وتاريخ يُستعاد ونظرية تُترجم وممارسة راهنة تُرصد وليس شعارًا فضفاضًا.
وفي كتاب (مسرحيات أمريكية من فصل واحد: تمت كتابتها منذ أكثر من مائة عام) ترجمة سعيد قابيل يصدّر المترجم سعيد قابيل عن مقدمة استفزازية بمعناها الإيجابي فهو يفكك افتراضًا شائعًا مفاده أن ازدهار النص المسرحي القصير أمريكيًا ظاهرة نصف القرن العشرين وما بعدها في زمن آرثر ميلر وإدوارد ألبي ويوجين أونيل والمفاجأة التي يقدمها الكتاب أن هذه النصوص الأربعة كُتبت قبل ذلك بعقود في مرحلة كانت المسرحية الكلاسيكية الطويلة لا تزال تحتل الصدارة وهو ما يمنح الكتاب قيمته الأولى في إعادة كتابة سلالة نسب فن الفصل الواحد الأمريكي وتقديم الحقيقة التاريخية بحسب تعبير رئيس المهرجان (سامح مهران) في تصديره للكتاب في مقابل التاريخ كسردية متفق عليها.
النصوص الأربعة المختارة متفاوتة القيمة والأثر وهذا التفاوت نفسه هو ما يمنح المختارات ثراءها النقدي.
فالنص الاول (الملك يتدخل (للكاتب فلويد ديل وهو كوميديا خفيفة الظل عن ملاك حارس ينزل من السماء ليتدخل في علاقة عاطفية متعثرة، فإذا به يقع هو نفسه في غواية الحب البشري.
والمسرحية تستبق بعقود فكرة الملاك المتدخل في الشأن الإنساني التي سنراها لاحقًا عند توفيق الحكيم في )صلاة الملائكة( و(هبط الملاك في بابل) لفردريش دورينمات وهي ملاحظة يسجلها المترجم بنفسه، ما يمنح النص أهمية مقارنة تتجاوز قيمته الذاتية إلى كونه حلقة مفقودة في تاريخ فكرة مسرحية عابرة للثقافات.
وأما النص الثاني (كوكايين (للكاتب بندلتون كنج فهو النص الأكثر ثقلاً دراميًا في المجموعة وأقدمها تأثيرًا إذ يُنظر إليه بوصفه من أوائل النصوص المسرحية الأمريكية التي تناولت الإدمان بواقعية عارية من خلال زوجين يتصارعان مع الرغبة والفقر واليأس في غرفة نوم بائسة في مانهاتن انها جدلية الانتحار المشترك التي يبنيها النص، وتردد الحوار بين رغبة الموت والتشبث بالحياة تكشف حساسية تعبيرية تستبق بعقود ما سيُعرف لاحقًا بالواقعية القذرة الأمريكية ولذلك ظل هذا النص يُعرض حتى اليوم ويُحوَّل إلى فيلم قصير، كما يشير قابيل وهذا دليل على أن قيمته لم تنضب بمرور الوقت.
والنص الثالث (المتنورون في دراما حرة ( لـ أليس جرستنبيرج النص الأكثر جرأة شكليًا في المجموعة، إذ يقوم على حوار مقتضب من كلمة أو كلمتين في إيقاع متلاحق يستدعي عبثية بيكيت قبل ظهورها بعقود ويقترب كما يلاحظ المترجم بحصافة من تجربة توفيق الحكيم في مسرحياته من كلمة واحدة ومن كلمتين وهنا تكمن أهمية الكتاب المنهجية فهو يقدم ملاحظات أدائية غزيرة تكاد تكون بروتوكولًا إخراجيًا كاملاً وليس نصوصًا فحسب وهو ما يجعله موردًا تدريبيًا لا نصًا للقراءة فقط.
أما النص الاخير (مسرحية أزواج كلارا (لـ لورا م. ويليامز فهو نص مونودرامي ذكي يكشف عبر لسان امرأة تروي قصة زيجاتها الأربع الفاشلة عن فجوة بين ما تقوله الشخصية وما يكشفه النص عنها فكل زوج تتهمه كلارا بالأنانية يظهر من خلال التفاصيل التي تسردها هي نفسها ضحية لأنانيتها لا العكس.
وهذه المفارقة الدرامية القائمة على الراوي غير الموثوق هي تقنية متقدمة لنص كُتب في هذا التوقيت المبكر، وتستحق وحدها دراسة أكاديمية مستقلة.
يميز عمل سعيد قابيل خصائص عديدة تستحق الإشادة النقدية
منها الأمانة التوثيقية فكل نص مذيّل بمصدره الأصلي الدقيق (دار النشر، السنة، الملكية الفكرية) وهو حرص نادر في الترجمات المسرحية العربية التي كثيرًا ما تُقدَّم بلا سند ببليوغرافي.
والحواشي التفسيرية فحين يترجم إشارة إلى بريفوور أو قانون مان لا يكتفي بنقل الاسم ويوضح سياقه التاريخي والثقافي، مدركًا أن القارئ العربي بحاجة إلى جسر معرفي لا مجرد نقل لغوي.
وكذلك الصدق النقدي في المقدمة إذ يعترف المترجم صراحة بأنه لم يجد أي معلومة عن مؤلفة أزواج كلارا ولا سيرة ذاتية لها في أي موسوعة وهذا اعتراف نادر يعكس نزاهة بحثية، بدلاً من محاولة تلفيق سيرة أو تجاهل تلك الفجوة.
ويمكن للقارئ الحصيف أن يلحظ بعض الاجتهادات اللغوية التي قد تحتاج مراجعة كاستخدام الفصحى المعاصرة في حوارات يُفترض أنها عامية أمريكية شعبية من الطبقة العاملة في نص كوكايين وهي ملاحظة أسلوبية أكثر منها قدحًا في جوهر العمل، إذ يظل السؤال حول تعريب أم تدجين اللهجة الأمريكية الشعبية سؤالاً مفتوحًا أمام كل مترجم للنصوص الواقعية.
وحين يُوضع عنوان هذا الكتاب إلى جوار بقية إصدارات الدورة من عناوين نظرية إلى عناوين ترصد راهن الفرجة وصولاً إلى نصوص مترجمة أخرى يتضح أن مهرجان القاهرة التجريبي لا يقدّم قراءة أحادية للتجريب بوصفه حداثة تقنية فحسب وانما يوازن بين ثلاثة مسارات متكاملة في استعادة الجذور ومساءلة الأسس النظرية ورصد الطليعة الراهنة هذا التوازن الثلاثي إن صحّ استنتاجه من العناوين ومقدمة رئيس المهرجان نفسها التي تتحدث عن تصحيح مسار كتابة التاريخ وهو ما يمنح سلسلة إصدارات المهرجان قيمتها بوصفها أرشيفًا فكريًا تراكميًا وليس كتيبات مصاحبة لدورة عابرة.



