إصدارات

قراءة في إصدارات الدورة 33 من التجريبي (3) كتاب: (نصوص معاصرة من المسرح الفرنسي) لبرنار ماري كولتيس

قراءات يقدمها الكاتب والناقد العراقي: حيدر عبدالله الشطري


المسرح نيوز ـ القاهرة: إصدارات

ـ

 الكاتب والناقد العراقي: حيدر عبدالله الشطري

 

الكاتب والناقد العراقي: حيدر عبدالله الشطري
الكاتب والناقد العراقي: حيدر عبدالله الشطري

لم أكن أتوقع وأنا أقلّب صفحات هذا الكتاب الأولى، أن أجد نفسي أمام مرافعة نظرية كاملة عن أزمة المسرح وقبل أن أصل حتى إلى السطر الأول من أي نص مسرحي وهذا بالضبط ما فعله المترجم د. يوسف أمفزع بدل أن يكتفي بتقديم كلاسيكي معتاد، اختار أن يطرح اشكالية مهمة.

الكتاب صادر ضمن فعاليات الدورة الثالثة والثلاثين لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، ويضم خمس مسرحيات لبرنار ماري كولتيس، الكاتب الفرنسي الذي عاش أقل من إحدى وأربعين سنة (1948-1989) لكنه ترك أثرًا يصعب اختصاره في سطر النصوص المختارة هي (العودة إلى الصحراء) و(المرفأ الغربي) و(في عزلة حقول القطن) و(الإرث) و(أصوات مكتومة) يرافقها ملحق نقدي يضم قراءات لهانس ليمون وميشيل كورفان وشاون هوفمان، وهو ما يحوّل الكتاب من مجرد أنطولوجيا مسرحية إلى شيء أقرب لورشة تفكير.

ما أعجبني فعلًا وأقولها بصراحة هو أن المقدّمة لا تبدأ بكولتيس وتبدأ بسؤال أكبر وأخطر عن كون المسرح العربي يعاني فعلًا في أزمة ويسرد (أمفزع) كل الاتهامات المتداولة من قلة الإنتاج وهوس الاقتباس وتكلّس النص وتراجع مكانة الكاتب المسرحي أمام صعود الصورة والجسد والتكنولوجيا في العروض المعاصرة بلغة حادة شبه غاضبة أحيانًا.

ثم يفعل شيئًا ذكيًا حيث يقارن الأزمة العربية بأزمة موازية عاشتها فرنسا نفسها منذ الستينيات، مستدعيًا برنار دور وأنطوان فيتز وريجيس دوبري مؤكداً على الفكرة الأساسية في أن حتى المسرح الفرنسي بكل عراقته مرّ بلحظة تفكك فيها النموذج الكلاسيكي القائم على وحدة النص والمعنى والجمهور وهنا يظهر كولتيس كأحد الأصوات التي أعادت للكتابة الدرامية جرعتها الزائدة وهذا التعبير بالذات يستحق التوقف عنده طويلًا.

كولتيس شخصية تستحيل قراءتها بمعزل عن سيرته حيث نشأ في مدينة ميتز داخل عائلة برجوازية فرنسية مستقرة، لكنه  وهذه نقطة جوهرية يشدد عليها التقديم  لم يبنِ هويته على ذلك الاستقرار وانما انزاح عنه باستمرار نحو الهامش وغادر أوروبا نحو إفريقيا وأمريكا اللاتينية، واحتك بعوالم وأجساد ولغات لا تنتمي للمركز، وكأنه كان يعيد كتابة إرث الاستعمار الأوروبي من الداخل بجراحة حقيقية في (أورام المركز) كما تصفه المقدمة بجرأة لافتة.

وكانت النتيجة ان شخصياته لا تتواجد في أماكن محددة وتعيش في بيوت مهجورة ومستودعات ومرافئ وأزقة منتنة وهي فضاءات تكشف هشاشتها ولا تؤسس هوية، وهذا بالضبط ما ستجده في كل نص من نصوص هذا الكتاب.

مات كولتيس بمرض الإيدز عام 1989 والمقدمة تربطها مباشرة ببنية كتابته ولا تتعامل مع هذه النهاية كحاشية بيوغرافية عابرة وكأن كل نصوصه كانت منذ البداية تحمل وعيًا خفيًا بالنهاية ورغبة محمومة في مقاومتها عبر الكلمات وهذه القراءة تعجبني شخصيًا لأنها تمنح النصوص طبقة استعجالية إضافية بمجرد معرفتك بها فجأة فكل صمت في الحوار يصبح مسكونًا بشيء آخر.

والنقطة الأهم في هذا التقديم من وجهة نظري هي كيف يتعامل مع لغة كولتيس لا يقدمها كلغة شعرية جميلة بالمعنى المسطّح المعتاد يقول بوضوح الحوار عند كولتيس لا يخدم التواصل ويتحول إلى ساحة صراع، فكل جملة فيها محاولة هيمنة وكل صمت توتر بين الكشف والانسحاب وهذا تشخيص دقيق لمن قرأ كولتيس فعلًا وليس كلامًا إنشائيًا مستعارًا.

وهنا تكمن الصعوبة الحقيقية للترجمة ويعترف بها المترجم بلا مواربة لا يمكنك ترجمة الجملة الكولتيسية بمعناها المعجمي فقط لأنها تحمل إيقاعًا ونبرة وصمتًا وعنفًا خاصًا بها والترجمة هنا كما يصفها أمفزع ليست نقلًا انها إعادة كتابة فعل يعيد تشكيل النص داخل أفق لغوي جديد مع محاولة الحفاظ على توتره الداخلي وطموح كبير، وأعترف أنني تحمّست له وأنا أقرأ ذلك.

فكان كل نص من هذه النصوص الخمسة المختارة يفتح بابًا مختلفًا.

فالنص الاول (العودة إلى الصحراء) هو عودة إلى الماضي الاستعماري الفرنسي عبر تصفية حساب كوميدي تراجيدي بين أخ وأخته، تتخللها مونولوجات ساخرة لأحد المظليين السود الذين يحنَون لزمن الإمبراطورية.

والنص الثاني (في عزلة حقول القطن) كان لقاء ليلي بين تاجر مخدرات وزبون مذبذب، تتحول فيه الصفقة إلى لغز وجودي كامل واللغة نفسها تصبح ميدان صراع بدل أن تكون وسيلة تفاهم.

والنص الثالث (المرفأ الغربي) يقدم شخصيات متنافرة تلتقي داخل مستودع مهجور، في نص يعيد مساءلة مفاهيم الهوية والانتماء وصورة الرجل والمرأة بعد صعود الحركات النسائية.

والنص الرابع (الإرث) يتحدث عن الميراث كبنية رمزية تعيد إنتاج السلطة داخل العائلة  موضوع بسيط ظاهريًا لكنه يفتح على شبكة علاقات خانقة.

وكان النص الاخير (أصوات مكتومة) نصاً إذاعياً بامتياز، يستحضر أصواتًا مهمّشة لا تبلغ تمام التلفظ، ويحوّل التجربة المسرحية من الرؤية إلى الإنصات وهي فكرة أنيقة جدًا تستحق وحدها مقالًا كاملًا.

وكان الاختيار كما يوضح المترجم لم يقم على معيار الشهرة أو الكم وكان على أساس وعي بتعدد مستويات الكتابة الكولتيسية واختلاف اشتغالاتها الدرامية وهذا واضح فعلًا حين تضع النصوص جنبًا إلى جنب.

واتوقع ان كثيرون سيقفزون مباشرة إلى النصوص المسرحية ويهملون الملحق النقدي في آخر الكتاب هذا خطأ فمقال هانس ليمون وحده الذي يناقش هل كولتيس مفكر سياسي أم لا يفتح نقاشًا خصبًا وكولتيس نفسه أنكر ذلك صراحة في أحد حواراته قائلًا إن المسرح بالنسبة إليه لعبة لا منبر أيديولوجي لكن ليمون يرد بذكاء نعم هو مفكر سياسي، لكن ليس بالمعنى الحزبي المباشر، وانما بمعنى أعمق  فهو رجل رأى نفسه أسودًا في جسد أبيض ومثليًا في عالم يهيمن عليه النظام الطبيعي، فحوّل مسرحه إلى تجربة سياسية بالمعنى الأعمق للكلمة.

وهذا التناقض بين ما يقوله المؤلف عن نفسه وما تكشفه نصوصه هو بالضبط النوع المؤثر من التوتر الذي يجعل القراءة النقدية ضرورية لا زائدة.

ولن أدّعي حيادًا لا أشعر به في ان هذا الكتاب طموح فالمقدمة نفسها تحمل كثافة نظرية وهذا الطموح مبرر تمامًا حين تدرك أن الهدف ليس مجرد تعريف عربي بكاتب فرنسي فهو محاولة حقيقية لدفع النقد المسرحي العربي إلى مواجهة أسئلة لا يحب مواجهتها عن العزلة والرغبة المحرّمة وفشل التواصل وهشاشة الهوية في زمن يتحول فيه كل شيء إلى سلعة قابلة للتفاوض.

ان كولتيس لم يكتب عن فرنسا وحدها وكتب عن كل مدينة تحولت إلى فضاء صدامي وعن كل إنسان يشعر بالغربة داخل جسده قبل أن يشعر بها في مكانه وهذا بالضبط ما يجعل نقله إلى العربية رغم كل صعوباته اللغوية والثقافية مغامرة تستحق أن تُخاض فالترجمة هنا مواجهة فكرية وليست جسرًا محايدًا ومن يقرأ هذا الكتاب سيشعر بذلك من الصفحة الأولى حتى آخر سطر في الملحق النقدي.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock