مقالات ودراسات

قراءة نقدية بقلم الناقد يوسف الحمدان  لعرض (المنطقة) الذي قُدِمَ ضمن فعاليات “مهرجان الدن الدولي” العرض حازَ على جائزة أفضل عرض في المهرجان.

مسرح_الشارع في سلطنة عُمان 


المسرح نيوز ـ القاهرة| مقالات ودراسات

ـ

يوسف الحمدان

 

وأنا أقف على عتبات التظاهرة الجمالية الاحتفالية والاحتفائية بالمسرح والفن بمختلف تنويعاتها وصورها الادائية مجسدة في مهرجان الدن في نسخته الدولية الأولى، أسرتني الجهود الشبابية العمانية التي كان لها نصيب الأسد في اختيار مسرح الشارع بهوا أو فسحا مفتوحا لعروضها المسرحية ، وفي اختيار هذا النوع من الفنون الادائية بوصفه فنا موازيا ومغايرا للفنون الادائية الأخرى التي شاركتها الاحتفاء بهذا المهرجان، مثل مسرح الطفل ومسرح الكبار والندوات الفكرية والتطبيقية المصاحبة لهم. ، ليصبح مسرح الشارع في سلطنة عمان واحدا من أهم الفنون التي تتملك زمام الريادة في خليجنا العربي ، خاصة وأن هذا المسرح أصبح له مؤلفون لنصوصه ومخرجون ومؤدون لها منذ انطلاقة مهرجان الدن في دورته الأولى.

لقد توفر هذا المهرجان على طاقات أدائية شابة ملؤها الحماس والجرأة والإخلاص لتقديم هذا النوع من المسرح أمام الجمهور، وقدرة وتمكن ادائيين على محاورة هذا الجمهور والتفاعل معه وطرح مشكلاته وهمومه التي ربما يعاني منها كثير من شباب السلطنة، بل في الخليج والوطن العربي كله.

ونموذجنا إلى ذلك مسرحية ( المنطقة ) لفرقة الدن ، تأليف وإخراج سامي البوسعيدي التي افتتحت مسرح الشارع بهذا المهرجان، والتي طرحت قضية مهمة يعاني منها شبابنا العربي ، وهي البطالة وعدم التوفر على وظيفة بعد التخرج من الدراسة بمستوياتها المتعددة ، واللجوء إلى الاكتفاء بوظائف هامشية تجد مكانها الحقيقي في الأسواق الشعبية، ليصبح العرض بذلك أقرب تبيئا وتواصلا مع مسرح السوق الشعبية التي تتوفر فيه الكثير من النماذج التي يؤرقها مثل هذا الهم المشترك..


ولقد تمكن المخرج البوسعيدي من جعل هذا الهم قضية ارتحالية لا تتوقف عند محطة واحدة في سوق واحدة، باستثماره للسيارة ( الميني باص ) التي تقتحم حلقة الفرجة في الشارع بشكل احتفالي وكما لو أنه استجلب سوقه إلى سوق أخرى في المنطقة ليشارك روادها همه وهم فرقته، ليبدأ بذلك العرض وتبدأ معه حياة أخرى تتداخل فيها تنويعات هذا الهم بأشكالها ووسائلها الفنية الشعبية البسيطة والمتواضعة ولتنفتح معها جروح هذه الفرقة عبر الأداء الغنائي المحكي الشجي وعبر النزاعات العابرة بين أفراد هذه الفرقة وعبر مشاركة الجمهور هذا الهم بمرطبات ما تفتأ أن يسخن اوارها في الحلقة لتشكل بذلك معزوفة أو اهزوجة شعبية تصدر اوجاعها بتنويعات متعددة من جوف القلب والروح..

ولكن المؤلف المخرج البوسعيدي لا يترك هذه الأوجاع تطمئن إلى استسلامها السلبي ليصبح مصيرها ميئوسا من الخلاص منه، بل واشج هذه الأوجاع المبعثرة بأمل قد يكون أقل قسوة في الالتياذ إليه من تركه مبعثرا وان كان لا يقل قسوة من سابقه، وذلك باستضافة الضيف المتعلم للموسيقى الفنان مرشد العربي الذي حاول أن يقنع الآخرين بالتشبث بالأمل مهما كانت قسوة الأوجاع، فكانت الموسيقى وكان الحل معها ومن خلالها ، وما أجمل وأروع اللحظة التي ظل سرها غامضا وهو يحملها بين يديه إلى أن كشفت عن أسرارها التي راح يتناغم معها هذا الوجع ليصبح سيمفونية شعبية أدواتها والاتها تلك المواد الشعبية البسيطة التي استخدمها المؤدون في عرضهم، وليصبح هذا الوجع هما جماعيا تتوحد من خلاله مطالب هذه الفرقة المؤرقة بثقل وطأة البطالة وقسوة الحال التي يعانون منها في مجتمعهم..


سيمفونية شعبية لم تلجأ إلى مؤثرات موسيقية أو صوتية معدة مسبقا، بل كان زادها وزوادتها هذه الروح المتعددة المتشظية الحية التي لم تكف لحظة واحدة عن مشاكستنا ولفت انظارنا باهتمام إليها ..
إن المؤلف المخرج البوسعيدي يشكل سينوغرافية العرض من خلال هذا الفسح الاشتباكي بين مستلزمات العرض الشعبية البسيطة كالطبول وفرش البيع الشعبية والميني باص الذي ظل مواربا في مكانه خلف الجمهور والعصي باحجامها المتباينة والة العزف التي استقطبها الضيف معه لتصبح هذه السينوغرافيا المشتتة المبعثرة بسببها ساحة حية تتناغم فيها كل المستلزمات والأدوات الشعبية البسيطةوبشكل عفوي جمالي موفق ..
وقد وفق المخرج البوسعيدي في إدارة حركته الإخراجية للممثلين، فهو إذ يعتمد الأداء العفوي السائد لرواد السوق الشعبية، فإنه في الوقت نفسه ينتظم هذه الحركة وفق إيقاع جمالي ما يفتأ أن يشكل رؤية إخراجية تنسجم وسيمفونيته الشعبية التي أراد لها أن تتحقق من خلال معزوفة الضيف الموسيقية والتي تجعل من كل هذه الأدوات المبعثرة المضطربة في سوق العرض جسدا موسيقيا حيا ومنتظما..


والعرض لم ينته بعد ، فالميني باص بانتظار الفرقة التي ستغادرنا إلى سوق أخرى لتعرض همومها وفرحها فيها ، فمسرح الشارع لا يكتفي بتقديم عروضه في المهرجانات، إنما يحيا ويتوهج دوره الحقيقي خارجها كي تتطور التجربة وتتطور بالمقابل تجربة التلقي لدى المتلقين ، ومن خلال الشارع تتشكل مواقف وأنواع أخرى جديدة جديرة بانضاج روح التجربة وترسيخ حضورها في مسرح الشارع ، والشارع كفيل بعرض أسئلة جديدة على المشتغلين في بهوه الواسع والضيق والمتعدد الافضية وبذلك تنمو تجربة جديدة تأتي للمهرجان ولكن من الشارع أولا ، وذلك ما حاول البوسعيدي تحقيقه في عرضه لو ترك فقط مساحة للحوار ولمشاركة المتلقي في عرضه ، خاصة وأن مسرح الشارع يتكيء على الفعل في عروضه ويترك ردود الأفعال للمتلقين حتى تفتح حلقة العرض أسئلة لا تغادر رؤوس المتلقين حتى بعد انتهاء العرض..

 


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock