وجوه مسرحية

لمى طيارة.. دمشق؛ مسرح مفتوح على الأحزان!


لمى طيارة

مخرجة من سوريا

ـ

لا شيء تغير فيك يا دمشق رغم كل ما تغير، فيوما بعد يوم وغيابا بعد غياب، أزداد عشقا لك يا مدينتي.

عدت إلى دمشق باحثة عن عرض مسرحي للأطفال، ليشارك في أحد المهرجانات العربية، وأنا أعرف سلفاً أن مسألة خروج أي عرض مسرحي باتت مهمة صعبة على كل القائمين عليها بمن فيهم مديرية المسارح والموسيقا نفسها.

سمعت عن عرض قدمته المخرجه آنا عكاش، وشاهدت صوره، وسمعت الكثير عن زهوته وأناقته رغم أنه ظهر في أوقات عصيبة جدا من العام 2013، وحين عزمت النية على طلبه، جاءني رد المخرجة أن بطلته الشابه اليافعه ماتت بقذيفة.

انقطعت أنفاسي وأنا أسمع الخبر، تمالكت نفسي وتجاوزت الموضوع وسألت المخرجة لو كان بالإمكان عرض العمل ببديل عنها، أعرف أنه سؤال غير إنساني، ولكنه في النهاية سؤال واقعي وعملي، فشل الأمر لأنه كان على المخرجة إعادة تجميع فرقتها وإعادة الحماسة لها.

ليست (آنا) المخرجة الوحيدة التي تحدت الظروف وقدمت عرضاً مسرحياً مخصصاً للعائلة والأطفال، فهناك فرق أخرى فعلتها مع المخرج وليد الدبس والمخرج رشاد كوكش وفي ظروف أسوأ من العام 2015، هكذا كلمت نفسي وواسيتها، وأنا المحبطة حزنا عليك يا دمشقي يا حرقة قلبي.

بالأمس دعيت إلى عرض مسرحي تأخر كثيراً حتى رأى النور، مسرحية (زجاج) التي اقتبسها وأخرجها أسامه غنم، عن نص للكاتب (تينيسي ويليامز) يحمل عنوان (مجموعة الحيوانات الزجاجية)، والذي تقرر عرضه في قاعة المسرح الدائري في مبنى المعهد العالي للفنون المسرحية، وهي قاعه بالكاد تتسع لمئة مشاهد.

كان قد أُطلق عليها اسم أحد رواد المسرح في سورية (فواز الساجر)، عزمت أمري رغم أن القذائف كانت عمياء عشواء، أنا كغيري، كلنا نطالب دمشق بالصمود، رغم التعب، وبالحياة رغم الموت.

الوصول للمعهد العالي ليس سهلاً بوجود الحواجز الأمنية. منذ البوابه الخارجية للمكان الذي يضم بالإضافة إلى مبنى المعهد العالي (للمسرح والموسيقا)، دار الأوبرا ومرفقاتها، يصبح المكان أشبه بالثكنة العسكرية.

حين وصلنا كان التيار الكهربائي منقطعا، حشود من الشبان والشابات، طلابا وضيوفا وغيرهم عند البوابة الخارجية للمعهد الذي بدا معتما من الداخل إلا من بصيص نور من هنا وهناك، دخلنا أنا وصديقتي للمكان الذي كانت تجمعنا فيه ذكريات لسنوات، فأنا واحدة من خريجات المعهد العالي للفنون المسرحية قسم النقد والأدب المسرحي، وهي من خريجات المعهد العالي للموسيقا، بدأت ألتفت يمينا وشمالا أسترق النظر إلى الممرات التي تؤدي إلى الاستديوهات، أسمع وأتخيل أصدقائي القدامى من طلاب وأساتذة قسم التمثيل، الذين أصبحوا اليوم نجوما لامعين على الشاشات التلفزيونية العربية، وكيف اتخذ كل منهم موقفا تجاه الحرب في سورية بعد أن كانت تجمعهم مقاعد دراسية وقاعات واستديوهات وضحكات.

كل شيء تغير، حتى جدران المعهد وصوره المعلقة وأرضيته البيضاء الرخامية التي اقتلعت وبدلت بسوداء حالكة، كل المنافذ التي كانت تطل على شمس الحديقة المحيطة بالمعهد أصبحت مسورة كالسجن بقضبان حديدية.. لم يكن يوما هذا معهدي الذي كنت أرى فيه مكانا للحرية وللسعادة وللحب ولكل ما هو مقبل على الحياة.

توجهنا إلى مكان العرض، السيدة الواقفة أمام باب المسرح وضعت يدها مشكّلة حاجزا لا إراديا، في تلك اللحظة خاطبها ممثل كان واقفا بقربي: “يا سيدتي تشعريننا أننا نقف أمام حاجز طيار، هل تريدين تفتيش حقيبة السيارة؟” ضحك وتابع: “طيب أين هو الطريق العسكري لكي نتجاوز الازدحام؟”. مع كل هذا الاستهزاء من الممثل الشاب لم تحاول السيدة أن تتفهم كرهه لثقافة الحاجز التي أصبحت جزءا هاما من ثقافتنا نقبله دون أي تذمر، ونرتب مواعيدنا على أساسه.
نصف ساعة ونحن بانتظار الدخول والكهرباء مازالت مقطوعة، حان الوقت المخصص للعرض ومازلنا في الخارج ننتظر كما الجياع لرغيف خبز محترق، وفجأة ونحن في ظلام شبه دامس، جاءنا صوت المخرج وعميد المعهد العالي للفنون المسرحية، بلهجة كلها حزن وألم.. نأسف منكم.. العرض لن يكتمل هذا اليوم، فالقذائف التي سقطت هذا الصباح أحرقت محول الكهرباء برمته، ونأمل أن نبدأ عروضنا يوم الغد.. “وهل أنت مطمئن إلى أن العرض سيكون آمناً بالنسبة لنا نحن الجمهور!”، بادرتُ المخرج سائلة، فقال: “عزيزتي المكان مؤمّن حتى ولو سقطت أي قنبلة… لن تموتوا…”.
عدت أدراجي إلى المنزل وأنا أجرجر قدمي المتعبتين وذاكرتي المدمرة، تمنيت لو أنني لم أحاول العودة إليك يا غالية، الزجاج المنكسر لا يمكن أن يعود يوما كما كان، أو كما كنا نراه.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock