حوارات

محمود تيمور في حوار له عام 1960: بلا مجاملة.. هذا رأيي في طه حسين والعقاد والحكيم!

حاوره: عادل رضا

عام 1960

ـ

محمود تيمور رائد الرواية، والقصة، وكاتب المسرحية، والأديب الأنيق، والناقد الهادئ، يتحدث في صراحة، في وضوح، في منزله الرائع بالزمالك.. قلت له:

إن كتابة الأديب عن نفسه أصبحت تقليدا أدبيا فنيا، وقد لا تكون الكتابة مباشرة، ولكنها توجد في ثنايا الروايات والمسرحيات، فأين أنت ممن كتبت؟ لقد بحثت عنك في 500 بطل خلقتهم، ولكني أحس أنني لم أجدك؟

قال:

ـ إحساسك في مكانه، وفي محله، إن كنت خلقت 500 بطل، فأنا البطل رقم 501 الذي لم أكتب عنه. لم أكتب عنه مباشرة في ترجمة ذاتية، ولم أعطه اسما غير اسمي ولم أطلقه في ثنايا أي قصة مما كتبت. إنني ببساطة لم ألبس نفسي حتى الآن ثوب البطل الروائي..

وأنا صراحة عجزت، أو قل فشلت، في الكتابة عن نفسي، لقد استطعت أن أبعث الحياة في 500 بطل، ولكن البطل رقم 501 ما يزال بعيدا عن متناول قلمي.

* والسبب؟

ـ السبب أني أسوي شخصياتي في عالم الخيال، وأخشى إن أنا كتبت عن نفسي أن “أشطح” كالمعتاد، فيأتي البطل خياليا زائفا، وهكذا أزيف حقيقتي التي حافظت عليها طوال عمري، وأصبح شخصية قصصية.

* ما هي قصة حياتك؟ أليس فيها ما يستحق الكتابة؟

ـ قصة حياتي هي قصة حياة كل فرد حي على الأرض، نفس الميلاد ونفس الطعام والشراب ولكن…

* ولكن ماذا؟

ـ ولكن كنت قد وجهت إلى هدف، فالتويت عنه، ووضعت لحياتي هدفا آخر، لقد قدرت أسرتي أنني ساسير في الطريق الذي رسمته لي، ولكنني اخترت، أو قل اختارت لي الأقدار طريقا آخر، هذا الطريق الذي أعيش فيه الآن شريدا تائها لا أستطيع العودة، لأنه طريق بلا عودة. لم أعد أستطيع النكوص. سأعيش بقية عمري كما عشت، مورد الحكايات والحواديت لدور الطباعة والنشر في الشرقين الأدنى والأقصى، وفيما وراء البحار، أما ما كان فقد كان ولا سبيل إليه.

*ما هو المذهب الأدبي الذي تؤمن به، وهل أنت رومانتيكيا، أم واقعي، أم رمزي أو طبيعي؟

ـ لا أعتقد أنني تقيدت فيما أكتب بأي مذهب من المذاهب الأدبية، فقد بدأت حياتي واقعيا مسرفا في الواقعية، وانتهيت اليوم إلى كتابة القصص التحليلي، جاريا وراء أغوار النفس البشرية، ملقيا الضوء على الظلام الكثيف الذي لا يزال بعيدا عن الإدراك.

*ماهي الأسس التي يقوم عليها كاتب قصص ناجحة؟

ـ الموهبة، ولكنها وحدها لا تكفي، إنها عشرة في المائة فقط من مقومات النجاح، والباقي قراءة وصقل ومران. قراءة واعية متعمقة، وصقل بالتجربة ومران على أساليب الكتابة حتى يصل إلى أسلوبه الشخصي الخاص، أضف إلى هذا ملاحظة الحياة حوله والانفجار فيها، والإلمام بالتطور الضخم الذي يمر به العالم الصناعي الجديد.

*عندي سؤال، أرجو أن تجيب عليه بلا مجاملات.. ما هو رأيك في مشاهير الأدباء والكتاب عندنا؟ سؤال أرجو أن تجيب عليه في كلمة واحدة؟

* طه حسين

ـ موسيقى

عباس العقاد

ـ رسم

* توفيق الحكيم

فنان

*نجيب محفوظ

مصور

*إحسان عبدالقدوس

مترجم

*يوسف السباعي

خصب

*بدون مجاملات؟

ـ بدون مجاملات

*هل تتقيد بلون معين من القراءة؟

ـ أبدا، إنما اقرأ في شتى نواحي الثقافات ومناحي الأدب، سواء في اللغة العربية أو في غيرها من اللغات التي أجيدها، يلذ لي أن أقرأ كتاب بلغة أجنبية ثم أقرأه مترجما، وقد أصبحت أجد متعة فائقة في قراءة  أفكار الناس، سواء وهي على الورق أم وهي حية تجري في الرؤوس. إن هذه القراءة تمنحني الزاد الفني للكتابة كلما جلست إلى مكتبي أستجدي ما يسمونه “ألإلهام”.

* أين تقضي وقت فراغك؟

ـ أين هو الفراغ، دلني عليه، إني لا أملك وقت فراغ، إن وقت فراغي هو توقع وارتقاب لما سيأتي بعد حين.

* كيف تختار أصدقاءك؟

ـ وهل أنا حقا أختارهم؟ هل تختارهم أنت؟.. عندما تتاح لنا الفرصة لنضع الناس في أقفاص ونراقبهم ونختبرهم ثم نختار بينهم، عندما يتاح لنا ذلك سأقول لك كيف أختار أصدقائي، أما الآن فهم مكتوبون علينا، مثل عشرات الأشياء المكتوبة في قائمة الجبر.

*سؤال أخير.. هل تقرأ الشعر الجديد، وما رأيك فيه؟

ـ اقرأه وأتذوقه، وأنا أرى الشعر في ثوبه الجديد مغامرة جديدة، ستخرج منا بروح جديدة ومقاييس جديدة جديرة بالحترام.

إن ما يعيب الشعر الجديد هو الغلو والإسراف في الأخذ بالمعايير المتطرفة مما يوقع الشعر في فوضى الأزياء والألوان.

ولكن في الشعراء الجدد عبقريات ونوابغ، سوف يخرجون الشعر الجديد من فوضاه، ويضعونه على الطريق القويم للشعر.

وتركت محمود تيمور يعود إلى أفكار الناس، أما أنا فقد كتبت أفكاره.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: سلسلة كتب للجميع، العدد 159، ديسمبر 1960م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى