نصوص

مونودراما “صبية كان اسمها حنين” للكاتب المسرحي.. “عباس الحايك”


مونودراما “صبية كان اسمها حنين”

للكاتب المسرحي.. “عباس الحايك”

المسرح عبارة عن غرفة رحبة من بيت كبير وفخم للوجيه أبي سليمان، سرير كبير في اليسار وعلى اليمين كنبة من الطراز الكلاسيكي، وعلى الجدار صورة الوجيه العجوز، باب الغرفة على يمين المسرح، في العمق وعلى جدار الغرفة دولاب ملابس كبير، وبجانبها نافذة تطل على الشارع، ظلام سوى خيوط من نور من النافذة، صمت وهدوء يعم المكان، لحظات ويفتح باب الغرفة ويتسرب النور الخارجي إلى المسرح ليضيء بعض تفاصيلها. تدخل حنين بخطى وئيدة، يتقدم ظلها قبلها.. تتقدم إلى منتصف المسرح، حنين فتاة في الثانية والعشرين ترتدى ملابس سوداء تغطي كامل جسدها تقف وعليها مهابة الحزن، وعلى وجهها آثار البكاء، تنظر لليمين اتجاه الصورة على الجدار، تنظر ملياً تتحرك بذات الخطى اتجاه الباب، تغلق الباب بهدوء، وتشعل ضوء الغرفة لتتضح كل تفاصيلها، تستند بظهرها بحزن على الباب يتهادى صوت موسيقى حزينة تتناسب مع حزنها، تبتعد عن الباب وتتجه نحو الصورة المعلقة تنظر إليها بحزن وتجهش بالبكاء، تبتعد عن الصورة باتجاه السرير، تجلس على طرف السرير وهي تبكي، تنتبه لعباءة زوجها الوجيه أبي سليمان تسحبها إليها وتحتضنها وتجهش بالبكاء، تتركها وتستلقي على السرير وهي تبكي..

حنين: (تنشج) أبا سليمان.. أبا سليمان، كيف رحلت وتركتني وحدي في هذا العالم، أي معنى لحياة لست فيها وأنت كل شيء في حياتي بعد أن باعدتني المسافات عن أمي وأبي..(تعدل نومتها وتنظر للوسادة بجانبها، تتحسها) كيف سيكون صباحي الأول دونك؟، كيف سأصحو ولا أراك بجانبي؟، كيف لقلب كقلبي الصغير أن يتحمل موتك يا أبا سليمان؟، كيف لي أن أن أنسى آخر نفس دافئ تنفستَه قبل موتك. هو لا يزال عالقاً في أذني.

تجلس من رقدتها، وتفرش عباءة زوجها بامتداد السرير، تنزل من على السرير وتنتبه لعلب الأدوية المصفوفة على الكومدينة بجانب السرير، ترفع بعضها وتنظر إليهم

حنين: (وهي ترفع علبتي دواء) لمن سأقدم الدواء بعدك؟، هه، قل لي، فمنذ تزوجتك وأتيت بي إلى هذا البيت الكبير وأنا اعتدت يومياً على إعطائك أدويتك، اعتدت على رائحتها، تعلمت أسماءها، تعلمت كيف استخدم الإبر، تعلمت كيف أصل لأوردتك الصغيرة لأزرق الدواء فيها.. غرفتنا صارت معبئة برائحة الأدوية والأمصال، وأيامي صارت مجرد حبوب وكبسولات، حبة في الصباح وحبة في الظهر وحبة في المساء، حبة قبل الأكل وحبة بعد الأكل، حبة قبل الإفطار، حبة سكر، حبة ضغط (تتسارع كلماتها تدريجياً حتى تصل إلى الهستيريا) حبة هنا وحبة هناك، حبوب.. حبوب ..حبوب (تفتح علب الأدوية وتفرغها على الأرض بهستيريا وهي تنشج بكاءً ثم تنهار على الأرض) بعدك لن تعود لي علاقة بجهاز فحص الضغط ولا جهاز فحص السكر ولا بتنظيم مواعيد المستشفى. بعدك لا شيء من كل ما مضى (تتنفس بسرعة وهي تحاول التقاط أنفسها المختلطة بالنشيج).

حنين: (بعد أن تهدأ قليلاً تجلس القرفصاء على الأرض) عشر سنوات وأنا معك، تقاسمني كل تفاصيل حياتي، كنت الزوجة والطبيبة والممرضة لرجل عجوز مريض..(تصمت لحظات) لا أدري كيف ستتغير حياتي بعد هذه اللحظة، كل شيء اعتدته لن يعود كما كان، لن يعود ثمة رجل أقاسمه السرير والغرفة والطعام، رجل أعد أنفاسه حتى لا يفلت منه نفس فيموت، أعينه على ارتداء ملابسه ودفع عربته ومساعدته على دخول الحمام، فأحممه كطفل صغير، أفرك جلده المتجعد الذي نحتته السنوات. والآن .. كل شيء سيتغير، حتى هواء هذه الغرفة الذي امتزج برائحة مرضك يا أبا سليمان.

تقف بهدوء، تظل واقفة حزينة، تخلع غطاء شعرها بكل هدوء، تضعه على كتفيها..

حنين: ياااه، إنه يوم طويل، موت وجنازة وقبر، حزن طويل وبكاء بناتك وأولادك وأحفادك، تفجعهم وعويلهم، لا أدري أيهم يبكي عليك ومن يبكي لأجلك ومن يدعي البكاء، لكن الجميع تشاركوا في البكاء.. لم يجمعنا الفرح يوماً كما جمعنا الحزن عليك.. حتى في الأعياد لم نجتمع كلنا هكذا، واجتمعنا على موتك.. بالتأكيد أن هناك من جاء ليرى ما سيناله من إرث، كنت أقرأ في وجوه بعضهم أرقاما وحسابات، حتى أن إحداهن .. لا اتذكر من هي ..كنت في حزني مطرقة الرأس وإذا بصوت هامس يقترب مني (تهمس) يبدو أنكِ لن تنالي لا عنب الشام ولا بلح اليمن.. (باستنكار) عنب الشام؟، بلح اليمن؟، عن أي عنب وبلح تتحدث، لم أفهم بداية ما تعنيه، لكن الكلمات التي كانت تطفو في الهواء من هذا وذاك جعلتني أعي أنهم يقصدون ثروتك، لم يأتوا ليبكوك بل جاءوا ليتقاسموا ثروتك.. أعلم أنهم فرحون لأني لم أنجب منك ولداً ليقاسمهم الإرث.. (تبكي) أنا لا أريد إرثاً ولا مالاً، يكفي ذلك السواد الذي رأيته لحظة أعلن الطبيب وفاتك.. (تتقدم جهة السرير وتنظر للعباءة الموضوعة عليه) استيقظت متأخرة اليوم لأنك لم توقظنِ كعادتك، كنت مندهشة لأنك لم تصحُ بعد، لم تتأخر يوماً على مر العشر سنوات عن الاستيقاظ في ذات الوقت، هززتك وناديتك: أبا سليمان، لقد تأخرت. لكنك لم تجب، هززتك أكثر وناديتك بصوت أعلى وأنا أراقب أنفاسك: أبا سليمان، استيقظ، استيقظ يا أبا سليمان، لكنك لم تجب، قمت من رقدتي وأنا خائفة، اقتربت أكثر منك، كنت أهزك والفجيعة أمامي، هززت أكثر (تهز السرير) لكنك لم تجب، وضعت رأسي على صدرك، كان فارغاً، لا طبول تقرع داخله، لا ضجيج يخرج من صدرك، كان خوفي أوسع من فراغ صدرك، ارتديت بعض ملابسي بسرعة وخرجت (تواجه الجمهور) كان الخوف أكبر من أن أدرك أني خرجت من الغرفة دون أن أرتدي ما يغطي ما انكشف من جسد نائم وأنا المخفورة دائماً بهيبة السيدات الوجيهات، لم أعر بالاً للنظرات التي كانت تلتهمني من خدم المنزل، ساعتها لم اكن في نظرهم سيدة المنزل، بل تلك الفتاة الجميلة شبه العارية التي تجري بكل خوفها.. وحين جاء الطبيب إلى هنا، قال لي (تمثل دور الطبيب) البقية في حياتك، لقد مات!!.. أتذكر تلك الصرخة التي لم تخرج من داخلي، فقد ظلت مكتومة، كنت أحاول أن أصرخ (تفتح فمها تحاول الصراخ لكنها لا تفلح) لم تخرج، حاولت مراراً ولم تخرج.

تبتعد عن السرير وتمشي باتجاه الصورة، تنظر ملياً للصورة

حنين: أبا سليمان، لن أراك ثانية، لن تعود إلى هذه الحياة، أنا لست أحلم، لن تفاجأني بعودتك.. صحيح؟، رأيتك جثة هامدة بلا روح، جثة زرقاء بلا أنفاس، ولكني لا أدري إذا كان الأمر حقيقياً أم كان مجرد حلم سأصحو بعده لأناولك دواءك.. أبا سليمان، قل لي.. هل ستعود؟ (تفرك عينيها) هل أنا أحلم؟، قل لي أرجوك.. أرجوك (تجلس على الأرض، وتغطي وجهها وهي تكرر) أرجوك يا أبا سليمان .. أرجوك (تصمت وهي لا تزال تغطي وجهها.. ترفع يديها عن وجهها وتتجه ناحية الباب، تضع أذنها عليه لتسترق السمع، لا تسمع صوتاً، تفتح الباب وتخرج للحظات، ثم تعود.. تغلق الباب وتقف في منتصف المسرح بملامح حيادية بعد لحظات تنفجر ضحكاً) ههههههه، مات أبو سليمان، (تتوقف عن الضحك وتلتفت يمنة ويسرة) الحمد لله أن لا أحد قريب من غرفتي.. أصلاً كلهم نائمون ولن يسمعوا ضحكاتي، ربما هم يضحكون الآن في غرفهم لما سينالونه من ثروة، أما أنا فمن حقي الضحك فالرجل الذي كان زوجي مات، الرجل الذي نسيت اسمه الحقيقي لأني أجبرت أن أناديه بأبي سليمان، مات من أنساني أمي وأبي وإخوتي، أنساني بيتي الصغير المتواضع، أنساني قريتي، وأنساني حتى طفولتي، أنساني ماضيَ كله.. سنوات عمري التي قضيتها معه كفيلة بنسيان كل شيء قبلها، حتى أني لم أعد أتذكر شكل أبي الذي باعني لك يا أبا سليمان ببعض ما يسد جوعه وجوع إخوتي.. لا أتذكر إلا لحظة رماني في حضنك كسلعة رخيصة وقال لي: إذهبي يا حبيبتي مع عمك أبي سليمان، سوف يشتري لك دمية جديدة، دمية أحلى من الدمية التي صنعتها لك أمكِ.. (صمت) كنت أرى الأسى على وجه أمي، القلق على وجه إخوتي.. كنت خائفة من هذا العم، لم أكن أعرفه فكيف سيكون عمي، لم أرَ وجه ذلك العجوز الذي رآني ألعب عند باب البيت ورأيت في وجهه ملامح الجوع وهو ينظر لي بلهفة، لم أكن أتصور أن هذا العم ليس سوى زوجي. لم أصدق أمي وهي تحتضنني وتقول لي: سأشتاق يا حنين، ولكن أكيد أنك ستكونين أسعد في بيت زوجك، ستركبين معه الطائرة، ستركبينها قبلي وقبل أبيك يا شقية، ستريننا من السماء.. (صمت) كنت أظنها تمزح، أعرفها جيداً حتى ورغم الألم والحزن، لا تتوقف عن المزاح، فهي من توزع في البيت الضحك رغم أننا نبيت بلا عشاء، تنسينا ضحكتها حتى تجهم أبي وصمته الدائم وحزنه الطويل، لم أظن يوماً أن ثمن ابتسامته سيكون أنا (تفرد يديها على اتساعهما وتتنفس هواء عميقاً) تلك الليلة لم أحلم سوى بالطائرة، حلمت بالطيران، حلمت أني طائر يفرد جناحيه ويطير .. ويطير (تركض في المسرح وهي تفرد جناحيها كطائر) كان حلماً جميلاً، وكنت أتوق لليوم الذي يأخذني ذلك العم الغريب إلى الطائرة (تتوقف، تتنهد، تنظر للبعيد) ولم أظن أن الحلم ليس سوى بداية كابوس طويل خنقني سنوات.. آه..

تجلس على طرف السرير، تتنهد

حنين: ما زلت رغم السنوات العشر أحن إلى بيتي الصغير، أحن إلى ضحكات أمي الممزوجة بالوجع، أحن لإخوتي الصغار الذين تعلقوا بي حين غادرت مع أبي سليمان، ولم يهدأوا إلا حين وعدتهم بالعودة إليهم بالحلويات والألعاب. أحن لأخي الصغير.. (تبتسم وهي صنع من عباءة أبي سليمان شكل طفل صغير تحمله ثم تداعبه) كنت أحمله بين يدي، كنت أتسلى معه وأظفر شعره كفتاة صغيرة، أكيد صار طفلاً كبيراً، عشر سنوات تغير فيها كل شيء، لكني ما زلت أحن، لصوت المطر الذي يطرق سقف بيتنا الصفيح، أحن لحزنك حتى يا أبي..(بحزن أكثر) أنسيتم حنين؟، أنسيتِ حنين يا أمي؟.. أنا لم أنسَ حتى رائحة شالك ولا أهدأ إن تألمت إلا إذا تذكرتها، أنسيتِ طفلتك التي كنت تحلمين بها زوجة تنجب لك أحفاداً (بصوت أعلى) أنسيت حنين يا أبي بعد أن بعتها لأبي سليمان. الذي منعني من زيارتكم أو التفكير حتى في زيارتكم.. (يسمع صوت طرق عل الباب، تنتبه بخوف، تغطي شعرها بارتباك تقترب من الباب وبصوت هامس) يا إلهي، ربما سمعوا ضحكاتي (تنادي بخوف) من؟، من بالباب؟

الصوت: (من الخارج) أنا الخادم سيدتي، جئت لأسألك إذا كان يعوزك شيء.

حنين: لا، لا أريد شيئاً، اذهب لتنام. لا أريد من أحد أن يقترب من بابي، اتركوني وحزني على زوجي الغالي.

الصوت: أمرك سيدتي.

صوت خطوات تبتعد من الخارج وحنين ما زالت تسترق السمع. تبتعد عن الباب شبه منهارة، تنزل غطاء رأسها ثم تبكي بصوت عال

حنين: (وهي تنشج) أمي، أريد أمي، أريد حضنها، أريد بيتنا.. تعبت يا أهلي، تعبت من سنوات عشر ثقيلة، صليت فيها كل يوم أن يخلصني من هذي المعاناة، أن يأخذني إليه فقد سأمت الحياة رغم صغر سني، سأمت العيش صبية بلا حياة.. (تضحك بشيء من الفرح، تقف وتفتح يديها على اتساعهما وتتنشق الهواء) يا الله، كم أنت حنون بالصغيرات، ليس غيرك يسمع أمنياتهن وتحققها حتى ولو كان متأخراً، كم أحبك يا الله، والآن أكثر، أحبك لأنك تحبني فقد خلصتني من عشر سنوات كانت كصخرة الموت على صدري، خلصتني من أبي سليمان وأخذته إليك وتركتني حية..(تواجه الكرسي الطبي) نعم يا أبا سليمان، لقد خلصني الله منك، خلصني من كوني زوجة لرجل عجوز لا يملك ا يعطيه لامرأة.

تتجه نحو الدولاب وتواجه المرآة، تنظر ملياً لصورتها، تتحرك لتستعرض جسدها، تقترب أكثر من المرآة، تحدق في وجهها وتلمس بعض تفاصيله..

حنين: (بفرح) أشكرك يا الله، لم تحفر في وجهي خطوط التعب، ما زال وجهي وجه فتاة صغيرة، ما زالت تشع من وجهي وجسدي علامات الأنوثة، لم أفقدها بعد سنواتي الثقيلة التي عشتها بين الممنوع والحرام، والعمل المضني كممرضة لرجل هرم.. (بفرح) أنا ما زلت كما أنا، لم تغيرني السنوات ولا التعاسة.. (تدور بجسدها لتواجه الجمهور) أو ربما جسدي ووجهي استعادا عافيتهما اليوم فقط، ربما هي أمنياتي، وما يفعل الله بالصغيرات، أكيد أن الله وهبني حياة جديدة بعد أن انتزع من أبي سليمان حياته.. (تمد يديها وتتنفس ملء صدرها، تجلس على الكرسي وتحركه بشكل دائري) إيه يا حنين، ها أنت حرة طليقة، بلا قيد.. حرة كما كنت تحلمين، قيدك انكسر اليوم، كانت هدية الله إليك..

تقف ثم تنظر يمنة ويسره تتجه إلى الباب، تضع أذنها على الباب تسترق السمع، تتجه للنافذة تطل منها..

حنين: يبدو أنني لن أستطيع أن أضع رأسي على الوسادة الليلة .. فأنا لا بد أن أهرب من هنا، لا بد أن أغادر هذا المكان حتى أنسى، حتى أفرغ كل ما في ذاكرتي من صور لأبي سليمان ومكان نومه وموته، من رائحة الأدوية وصوت أنينه، لا بد لي من الهروب لأبحث عن جنتي، أبحث عن عالم آخر ليس فيه كل ما كان، ليس فيه حتى أمي وأبي وأخوتي، ليس فيه قريتي وبيتنا الصغير والألم والذكريات الموجعة.. لا بد أن أبحث عن حنين جديدة بلا ذاكرة (تتجه نحو صورة أبي سليمان على الجدار) سـأبدأ بك (تنتزع الصورة من على الجدار، تنزع الصورة من الإطار، تضع الإطار مكانه على الجدار، ثم تبدأ بتمزيقها الصورة بصورة هستيرية ثم تنثرها في الهواء وهي تضحك، تنظر للإطار على الجدار وبسخرية) هكذا أفضل حتى لا يبقى لك أثر في غرفتي (تستدرك) لا، لا .. لن تكون غرفتي بعد الآن، لا أريد سوى الهرب .

تتجه ناحية الدولاب، تنظر إليه.. ثم تتجه ناحية السرير وتخرج حقيبة فارغة من تحت السرير.. تضع الحقيبة وسط المسرح وتفتحها..

حنين: لا بد من تجهيز حقيبتي لأغادر هذا المكان بكل ما فيه، ولكن لا أدري ما أضع فيها، سأترك كل ما يذكرني بحياتي مع أبي سليمان هنا.. لن آخذ معي شيئاً يصلني بذكرى تصيبني بالأسى..

تقف وتتجه إلى الدولاب، تفتحه ويبدو مليئًا بأغراضها الشخصية والملابس، تقف لحظة وهي تنظر ملياً للأغراض، تخرج فستاناً بسيطاً طفولياً ويبدو عليه القدم، تضعه على جسدها لتقيسه، يبدو صغيراً..

حنين: كبرت كثيراً في هذا البيت لدرجة أن فستاني الذي جئت به من بيتي أصبح لا يناسبني، طفلة كنت وزوجت لرجل هرم، بالفستان نفسه الذي كنت أظن أن أبي من اشتراه لي لكن اكتشفت أنه أحد هدايا أبي سليمان لي.. (تتفحص الفستان) ما زال أثر القهوة الذي اندلق ع

علي في الطائرة موجوداً (تتذكر) كانت المرة الأولى التي أصعد الطائرة فيها، حين رأيت الطائرة من نافذة المطار خفق قلبي، لم أكن اعلم لمَ.. لكن ربما كانت السعادة بصعود الطائرة التي أخبرتني أمي عنها، كانت ترقد على أرضية المطار وكنت سعيدة بها وبوعود الحلويات والألعاب.. سعيدة لدرجة أني صرت أرقص من الفرح

تبدأ بالقفز والرقص

حنين: (وهي سعيدة ترقص) طائرة.. طائرة، إنها طائرة يا عمي .. طائرة، ستطير بنا إلى السماء (تقفز هنا وهناك وهي تشير إلى جهة ما) هل هذه طيارتنا يا عمي.. هي، أليس كذلك؟ .. (تعود لشخصيتها) لم أنتبه للحرج في ملامح وجهه والمسافرون يطلبون منه (تقلد شخصية مسافر رجل) هيه أنت يا عم، دع طفلتك تهدأ، إنها تزعجنا برقصها وصراخها.. (تعود لشخصيتها) طفلتك.. كانوا يقولون طفلتك، ماذا سيقولون لو علموا أنني زوجتك؟، كيف ستكون ملامحهم حين يعرفون بأن الطفلة التي ترى طائرة للمرة الأولى في حياتها ليست سوى زوجتك.. أتذكر كيف ارتبكت المضيفة وهي تقدم لك القهوة حين أخبرتها أنني زوجتك، فاندلقت القهوة على ملابسي، كانت حرارة القهوة على فخدي أوجع من أن ألتفت لكلمتك وأدركها .. كوني زوجتك.. (ترفع الفستان) ما زال لون أثر القهوة على فستاني وأثر الحرق على فخدي..

تتجه سريعاً إلى الدولاب، ترمي الفستان في سلة المهملات بضيق

حنين: لن آخذه معي، يجب أن أنسى تلك اللحظة بكل ما فيها..

تخرج الدمية القماشية من الدولاب، تحتضن الدمية بحنان

حنين: هي ما جئت بها من بيتنا، فقط، لم أتنازل عنها رغم وعود أبي سليمان بالألعاب.. حين أتيت إلى هنا وأغلق علينا باب هذه الغرفة وأدركت أني لست سوى زوجة له، نسي كل وعوده، بل تناساها، بل أجبرني على نسيانها لأني أصبحت امرأة ولم أعد طفلة كما كنت، قال لي: يا حنين، أنتِ زوجة الوجيه الشيخ أبي سليمان، أنا من يضع لي كل أهل المدينة اعتباراً، بيتي هذا لا يخلو من الزوار وطلاب الحاجة ..فكيف تلعب زوجتي بألعاب أطفال ..إنسي تماماً ما كنتِ ..أنت من الآن امرأة ناضجة.. (صمت) امرأة ناضجة باثنتي عشرة سنة، آه يا أبا سليمان .. أنت لم تقتل داخلي تلك الطفلة البريئة فقط، بل حولتني لامرأة عجوز منهكة، أجبرتني على أن أرتدي ما تريد أنت، أن أكون زوجة الوجيه بكل وقارها، فساتين طويلة بياقات تصل حتى ذقني، ألوان قاتمة، وأغطية رأس ووجه شاحب بلا مساحيق.. لأكون فقط زوجة الوجيه الوقورة.. سأخبرك شيئاً أيها الوجيه الذي سيشويك الله في جهنمه لأنك تزوجت طفلة صغيرة كان يمكن أن تكون زوجة لشاب غيرك وتكون أماً.. سأخبرك بأمر ربما لم تعرفه يوماً، وسيعذبك في قبرك ..نعم سيعذبك لأني أريدك أن تتعذب بقدر ما عذبتني.. بقدر ما أحسستني برغبة في الموت.. سأخبرك بأني أغلق على نفسي هذا الباب.. أغلقه بإحكام كما أغلقه الآن.. (تقترب من السرير وتواجهه كأنها تكلم أحداً ممدداً عليه) أغلقه وأختلي بنفسي، أعود إلى ذاتي، أعيش عمري، طفلة ثم مراهقة .. ثم شابة، كنت أضع المساحيق على وجهي كما أحب، أرتدي أجمل ملابسي فلا وقار وأنا وحدي.. بيني وبين هذه المرآة التي لو نطقت لقالت لك حكاية حنين كما هي.. كنت أعيش وحدي هنا عالمي بعيداً عن علاقتي بك، بعيداً عن رائحة أدويتك، وجلدك المتغضن الذي تجبرني يومياً على تدليكه، بعيداً عن صوت كحتك.. بعيداً عن كل ما يربطني بك..

تتجه بسرعة جهة الدولاب وتخرج صندوقاً صغيراً تضعه على التسريحة، تفتحه وتخرج مساحيق تجميل وتبدأ بوضعها على وجهها

حنين: (وهي تضع المساحيق) انظر يا أبا سليمان، أظل وحدي أضع مساحيقي التي لا تحبها.. هكذا، هكذا .. حتى أصبح جميلة، جميلة أمام هذه المرآة .. أضع أحمر الشفاه والكحلة والكريمات التي تجعلني فاتنة لا امرأة وقورة بملابس قاتمة تجلب الحزن (تدير وجهها للسرير وقد تزينت بشكل فاتن) هكذا أكون وحدي، هكذا أتنفس حريتي.. هكذا يجب أن أكون في حضن رجل يحبني لا رجل يشتريني من أهلي المحتاجين لطعام حتى يقول للناس كلهم .. (تقلده وبنوع من السخرية) أنا الوجيه الفحل الذي تزوجت فتاة صغيرة، لأثبت للجميع بأنني فحل.. (تضحك بسخرية وبنوع من الهستيريا) فحل، ههههه، يقول فحل .. هل أخبر الجميع أيها الفحل؟، هل أخبرهم بخدعتك التي حسدك عليها أصحابك الوجهاء، أكيد سيحسدونك .. رجل عجوز تمكن من الزواج من فتاة صغيرة. حين كبرت قليلاً تساءلت: ما الذي يجعل رجلاً عجوزاً يبحث عن طفلة ليتزوجها، ما الذي يبحث عنه في طفلة؟. في مرة كنت قريبة من ديوانيتك وكالعادة كانت مليئة بالأصدقاء والناس، كنت تحكي لهم حكايتك مع الطفلة الجميلة الفاتنة التي خفق قلبك حين رأيتها وأنت تبحث عن زوجة في قريتنا الفقيرة، حكايتك مع الطفلة التي سافرت لتأخذها من بيتها وطفولتها لتعيد إليك شبابك الذي راح، تعيد إليك فحولتك.. لا أدري لم أنا دون غيري؟، يا الله لم خلقتني فتاة فاتنة من عائلة فقيرة لا تجد قوت يومها ليبيعوا ابنتهم الكبرى لرجل غني غريب جاء من بلاد بعيدة.. (صمت) البلاد واسعة والقرى كثيرة، لم قريتنا، لم حينا ليجدني على باب بيتنا طفلة شهية، لمَ يا أبا سليمان أيها القوي الفحل، لمَ لمْ تختر سوى حنين؟، حنين لم تهبك الفحولة، لم تهبك الشباب.. لكنك نزعت منها طفولتها وشبابها (بسخرية) أيها الفحل، أي فحولة تملكها يا رجل (تضحك بهستيريا ساخرة) أي فحولة يتكلمون عنها.. لو كان بيدي لخرجت إلى الخارج وصرخت ليسمعني الجميع (تصرخ) أبو سليمان ليس فحلاً، أنا ما زلت عذراء فهو لم يستطع أن يمسني لأنه لا يستطيع، ما زلت لم يمسسني أحد، ما زلت كما أنا رغم السنوات العشر.. سأخبرهم يا أبا سليمان أن تلك الخرقة التي صبغتها بالأحمر لم تكن سوى خدعة لتثبت لهم فحولتك.. لكن لا بد أن يعرفوا أنك فقدت رجولتك منذ سنوات، فقدتها بعد وفاة زوجتك الأولى.. هل تريدني أن أخبرهم بكل شيء؟، أخبرهم بكل ما عانيته وأنت تحاول رغم أنك لا تملك، أخبرهم بكل الأسى الذي يصيبني كل يوم بسبب وجودي مع رجل لا يصلح..(تركض جهة الباب وتضع أذنها على الباب لتسترق السمع) لم يصحُ أحد، أنهكتهم الجنازة ورائحة الموت التي ملأت البيت.. ولكني لن أنام، إنها ليلتي التي انتظرتها، ليلتي التي سأتحرر منها من كل شيء يربطني بالماضي، بكل الألم، بكل الأفكار الملعونة التي تنتابني.. بكل الخطايا التي ارتكبتها في خيالاتي، لا بد أن أتحرر من كل هذا.. لا بد أن أخرجها من صدري، لقد كتمتها لسنوات طويل وأصبحت عبئاً لم أستطع تحمله.. كنت اغفو كل ليلة ببكاء مر، كنت أحاول أن أغسل رأسي من أفكار السوء، أطهر روحي من كل دنس علق بتفكيري.. سأخبرك يا أبا سليمان عن كل شيء، سأخبرك لأنسى، فالنسيان علاج الأرواح المتعبة.. (تصمت، تهدأ قليلاً) أشعر بالخجل كلما مرت في ذاكرتي كل تلك الخيالات، أشعر بالخجل كوني خنت ذلك الرباط المقدس الذي ربطنا حتى لو كان بالغصب، داخلي امرأة عفيفة رغم أن كل ما مر بي يمكن أن يجعلني أبحث عن لذتي مع رجل آخر، داخلي طهر لن تتصوره يا أبا سليمان، بداخلي صبر لا أدري أي يد مدتني به.. (تتنهد) نعم هي خيانة، رغم أن رجلاً لم يمسسني أبداً.. في الواقع لم يمسسني أحد.. لكن (تبدو خجلى تداري وجهها) لكن (تتردد).. لكن في خيالاتي، في أحلامي التي كنت أهرب إليها.. وأنت من جعلتني أهرب إلى هذا العالم، أنت الذي اختطفت طفلة من بين حضن أهلها لتكبر وتشعر بأنوثتها في حضن رجل لم يكن يملك ما يشبع أنثى.. كنت أبحث عن ما يشبع أنثى صغيرة ولو في الحلم.. أتعرف أي حريق أضرمته في جوفي؟، أتعلم أي لعنة صببتها على رأسي حين أتيت بي إلى هنا طفلة صغيرة تكبر بين يديك؟، كنت أبحث عن رجل يشبع رغبتي في حضن حقيقي، في قبلة شهية، في لمسة رهيفة على خد، لم تكن أنت من يهبني كل هذا.. خيالاتي أخذتني للبعيد، لحكاية حب بيني وبين ابنك أيمن (موسيقى مناسبة) نعم أيمن (بحزن) أيمن ذلك الشاب الذي كان يكبرني بسنوات، كان هو الشاب الوحيد الذي يمكن أن تلمحه عيناي، تراقبه، تراقب كل حركاته، الشاب الذي أحببته ليس كإبن زوجي بل كعشيق، نعم، خنتك مع ابنك ولكن في خيالاتي، كنت أتخيله عشيقي الذي يمنحني الحب، يمنحني الدفء الذي افتقده، يمنحني قصيدة غزل، يمنحني وردة، يمنحني طاقة للعيش.. لكن في خيالاتي، لا أجرؤ أبداً أن أوحي له بالأمر.. أعلم أنه لو شعر بما أحمل له من ود لوجد ما يثبت خيانتي ليطردني من هذا البيت، أعرف أنه يكرهني ويتمنى أن أخرج من هذا البيت ومن عالمه ومن عالم أبيه الذي اختطفته طفلة جاء بها مكان أمهم.. أعلم كم يكرهني ولكنه الوحيد الذي عشقته.. وكم أموت يومياً لهذا الجنون، كانت تلك الخيالات حريقاً يضطرم في صدري، يفقدني رغبة الحياة .. (منهارة) أنا أمه، ألست زوجة أبيه؟، أكون أمه فكيف أتودد لولدي .. يا الله كم تعبت، كم أنهكتني الحكاية هذي.. كم تمنيت الموت على أن أخطئ هكذا خطيئة.. (تعدل وقوفها وتتجه للدولاب تضع ملابسها في الحقيبة بهستيريا) لا بد أن أبحث عن حياة جديدة، بل عن اسم جديد، وشكل جديد.. يجب أن أولد من جديد، أولد من حيث مت أنت.. من حيث ماتت خطيئتي بزواج أيمن من فتاة يحبها، لا فتاة محرمة عليه. سأهرب منها لأنسى كل ما كان (تجد مسجلة أشرطة صغيرة .. تتوقف لحظات تنظر إليها) إنها المسجلة التي منعتني منها، لأنك وجدتني أرقص على أغنية تقول أنها لا تليق بزوجة وجيه، كنت منتشية وأنا أرقص، دخلت الغرفة ونهرتني: هيه أنت؟، هل تعرفين أين نحن، البيت مليء بالناس؟، ماذا سيقولون؟، زوجة أبي سليمان ترفع صوت المسجلة وترقص، ستفقدينني وجاهتي، اعطنِي المسجلة (تصمت للحظات) أخذتها مني وأخذت فرحي (تواجه الكرسي وتهزه بهستيريا وهي تصرخ) لكنك لن توقفني بعد الآن، لم يعد يهمني وجاهتك.. (تصرخ بهستيريا) لا تهمني وجاهتك.. (تنزع ما بقي من السوداء ملابسها وتبقى بملابس خفيفة.. تضع المسجلة في الكهرباء وتشغله، أغاني طربية تتهادى، تضحك حنين بفرح) أغاني، أغاني.. وفي ليلة موتك.. أنت من حرمني متعة الأغاني، سأرقص في ليلة موتك فأنت حرمتني متعة الرقص، سأرقص .. سأرقص رغماً عنك ورغماً عن كل من بالبيت، سأرقص لأنها الليلة الأخيرة لي في هذا البيت.. الليلة الأخيرة لمن كان اسمها حنين.. سيتغير كل شيء هذه الليلة (تبدأ بالرقص على أنغام الأغاني، رقص بلا معنى بلا توافق) سأرقص .. سأرقص .. (ترفع صوت المسجل حتى نهايته وهي ترقص بنشوى) سأرقص.. سأرقص.. (ترقص بنشوى.. تتسارع رقصاتها)

أصوات من الخارج مختلطة لسكان البيت ..

أصوات: ماذا يحدث.. من أين تأتي الأغاني؟ .. من غرفة أبي .. ما الذي تفعله تلك الغبية .. يجب إيقافها ..

صوت طرق على الباب.. يتسارع الطرق.. ويتسارع الرقص الهستيري .. الطرق .. الرقص .. يتسارعان .. يفتح الباب بكل قوة…يتسرب الضوء أكثر.. ثم إظلام سريع..

-نهاية-

انتهى في 5 أبريل 2015


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock