مقالات ودراسات

المخرج الأردني واصف الدلاعة يكتب: المحظورات التربوية والفنية في مسرح الطفل العربي.. رؤية نقدية لبناء الوعي!


المسرح نيوز ـ القاهرة: مقالات ودراسات

ـ

واصف الدلالعة

مخرج وكاتب أردني

مقدمة: مسرح الطفل.. الفن، الرسالة، وأبعاد التأثير

يمثل مسرح الطفل أحد أهم الوسائط التربوية والتثقيفية والجمالية في حياة الطفل الحديثة. فهو ليس مجرد وسيلة للترفيه والتسلية أو ملء أوقات الفراغ، بل هو مؤسسة تربوية وفنية متكاملة تتضافر فيها الفنون المتعددة؛ من الكلمة، والحركة، والصوت، والديكور، والرمز. يعيش الطفل أثناء المشاهدة المسرحية حالة من التفاعل الوجداني والفكري تتجاوز مجرد المشاهدة السلبية إلى رحلة تشكيل للوعي، وتطوير للمخيلة، وصياغة للمفاهيم والقيم التي يستند إليها في التعبير عن ذاته وفهم العالم من حوله.

تكمن أهمية مسرح الطفل في قدرته الفريدة على مخاطبة العقل والعاطفة معاً في آن واحد. فالطفل يتلقى الرسائل المسرحية بمرونة نفسية عالية وبصيرة صافية تجعله يتشرّب القيم المعروضة أمامه بوعي أو غير وعي. ومن هذا المنطلق، تصبح العروض المسرحية الموجهة للأطفال سلاحاً ذا حدين:

  • إما أن تكون أداة بناء تربوية وأخلاقية تعزز ثقة الطفل بنفسه وبعالمه وتنمي لديه التفكير السليم والإيجابي.
  • وإما أن تتحول إلى وسيلة هدم وإرباك إذا شابتها بعض الممارسات والإخلالات الفنية والتربوية التي تمس مستقراته الفكرية والنفسية.

من خلال المتابعة النقدية لرصد العروض المشاركة في المهرجانات العربية الخاصة بمسرح الطفل، يتجلى للمتخصصين والمتلقين وجود جملة من المحظورات والتجاوزات التي باتت تتكرر في النص والإخراج والأداء المسرحي. وإن التساهل مع هذه الأخطاء بدعوى التجديد الفني أو معاصرة النص المسرحي أو إثارة الضحك يُعد مجازفة خطيرة تعصف بالهدف السامي لمسرح الطفل.

تسلط هذه المقالة الضوء على أبرز المحظورات الرئيسية في مسرح الطفل العربي، متناولةً أبعادها النفسية والتربوية، وآثارها السلبية على سلوك الطفل ووعيه الوجودي والأخلاقي.

أولاً: المساس بالمفاهيم الثابتة والرموز الأخلاقية

  1. ماهية المفاهيم الثابتة في ذهنية الطفل

يتشكل البناء المعرفي والنفسي للطفل من مجموعة من المفاهيم الثابتة التي يكتسبها تدريجياً عبر التربية الأسرية، والتعليم المدرسي، والتراث الثقافي، والقصص الشعبي. هذه المفاهيم تُمثل لدى الطفل ركائز ودعائم فكرية ووجدانية وشعورية توفر له الأمان النفسي وتساعده على التمييز بين الحق والباطل، والخير والشر، والنافع والضار.

إن هذه المفاهيم تندمج في خيال الطفل وواقعه وروحه لتشكل هويته المنطقية والسلوكية. وبالتالي، فإن محاولة اختراقها أو العبث بها في المسرح لمجرد كسر النمطية أو الخروج عن المألوف تُحدث لديه اضطراباً فكرياً خطيراً.

  1. الآثار النفسية والسلوكية المترتبة على العبث بالمفاهيم
  • الصراع الوجداني الداخلي: عندما يشاهد الطفل على المسرح مفهوماً يغايِر تماماً ما تعلمه وأصبح جزءاً من حقيقته النفسية، يصطدم بخبرة مناقضة تفكك أمانه الداخلي، مما يدخله في حالة من التشتت والارتباك النفسي.
  • تنمية حالة الشك الشامل: عندما يُنسف مفهوم أثبتته التجربة والتعليم والتربية، ينشأ لدى الطفل انطباع بأن كل ما تعلمه ليس حقيقة ثابتة، وأن كل القيم والمعارف قابلة للتغير والتزييف، مما يضعف لديه الحس الأخلاقي واليقين الفكري.
  • الانعكاس السلبي على العلاقات الحياتية والوجودية: عندما يفقد الطفل الثقة في المبادئ الثابتة، يتسلل الشك إلى علاقته بالأهل والأصحاب والبيئة التعليمية، فتتأثر سلوكياته وينزع نحو التمرد غير المبرر أو الاغتراب النفسي.
  1. أمثلة لمفاهيم يجب الحفاظ عليها وتعزيزها
  2. الشر لا يمكن أن ينتصر على الخير: انتصار الخير هو حجر الزاوية في بناء السوية النفسية للأطفال؛ حيث يمنحهم الأمل والإيمان بالعدالة.
  3. الساحرة كرمز للشر والتحايل: لا يمكن تقديم الساحرة على أنها تمنح دواءً شافياً أو خيراً محضاً دون مسوغ منطقي تربوي؛ لأن ذلك يلعب بدلالة الأيقونة الخيالية المستقرة لديه.
  4. الثعلب كرمز للمكر والخديعة: محاولة تحويل الثعلب فجأة وبشكل مجاني إلى “صديق وودود” دون بناء درامي يوضح التوبة والتحول السلوكي تلعب بالبناء الخيالي للطفل.
  5. النملة كرمز للعمل والنظام: لا يجوز إظهار النملة كمحتالة أو كسولة؛ لأنها رمز تاريخي وتربوي للجدية والتضحية والعمل الجماعي.

خلاصة القول: واجب مسرح الطفل يتجسد في تعزيز المفاهيم الإيجابية ودعمها، وليس إدخال الطفل في صراع مع الحقائق الأخلاقية والإنسانية المستقرة.

ثانياً: خطر النهايات المفتوحة وإرباك وعي الطفل

  1. فلسفة النهاية في دراما الطفل

تختلف دراما الطفل جوهرياً عن دراما الكبار. فالكبار يمتلكون حصانة فكرية وخبرة حياتية تؤهلهم لتحليل النهايات المفتوحة والتعامل مع التعددية والتأويلات المختلفة. أما الطفل، فهو في مرحلة نمو ذهني ونفسي تبحث عن الوضوح والأمان والحلول الحاسمة التي تؤكد قيمة العدالة والمحبة.

  1. تداعيات إبقاء النهاية مفتوحة بدون مؤشرات

يرتكب بعض الكُتّاب والمخرجين خطأً كبيراً عندما يتركون نهاية العرض المسرحي الموجه للطفل مفتوحة بالكامل، بزعم “ترك الحرية للطفل ليفكر ويحكم بنفسه”. هذا الطرح يناسب مرحلة الرشد، لكنه يشكل عبئاً على الطفل للأسباب التالية:

البعد النفسي والتربوي النتيجة على الطفل
غياب المؤشرات الموجهة وضع الطفل أمام حيرة وقلق واستقطاب ذهني لا يتناسب مع قدراته الإدراكية.
تبني آراء غير متوقعة قد يتبنى الطفل رأياً خاطئاً بسبب قلة خبرته، فيتعاطف مع الجاني أو يبرر الفعل السلبي.
التوتر والتأثير السلبي إبقاء الطفل في حالة من القلق والتوتر النفسي تدوم حتى بعد انتهاء العرض.
الكوابيس والاضطرابات ينتقلت هذا الصراع معه إلى نومه، فيرى أحلاماً مزعجة وتخيلات مضطربة بسبب عدم تقديم حل مريح ومقنع.

 

  1. كيفية البناء الدرامي للنهاية الناجحة

لا يعني رفض النهاية المفتوحة التلقين المباشر أو المواعظ المباشرة؛ بل يعني تقديم نهاية حاسمة ومقنعة ترشد الطفل بوضوح إلى أن طريق الخير والعمل والحق هو المنتصر دائماً، مما يعزز لديه الشعور بالعدالة والأمان النفسي.

ثالثاً: أنسنة الشر وتضخيم الشخصية الكوميدية الشريرة

  1. ظاهرة تضخيم الشر الكوميدي في مسرح الطفل

تعد هذه الظاهرة من أكثر الأخطاء انتشاراً وتكراراً في المهرجانات والعروض المسرحية العربية الحالية. حيث يُلاحظ التركيز على منح الشخصية الشريرة – أو الشخصية التي تقدم سلوكاً خاطئاً – مساحة واسعة ومساحة حركة كبيرة على المسرح، مع إسباغ طابع كوميدي ساخر ومحبب عليها.

  1. خطورة السحر الكوميدي للشخصية الشريرة

عندما تُبنى الشخصية الشريرة لتكون مصدر الفكاهة والضحك والمتعة الشكليّة على المسرح، ويتم في المقابل تقديم شخصية الخير بشكل جاد، أو باهت، أو هادئ، أو محجم المساحة، يحدث الآتي:

  • انحراف التعاطف الوجداني: ينجذب الطفل تلقائياً نحو الشخصية التي مصدرها الضحك والبهجة، بصرف النظر عن مضامين أفعالها.
  • تشويه الرسالة المسرحية: تصبح الرسالة الأخلاقية المسرحية مقلوبة؛ حيث يرتبط الشر بالسعادة والمرح، بينما يرتبط الخير بالملل والجمود.
  • التقليد والمحاكاة السلوكية: يميل الطفل طبيعياً لتقليد الشخصية التي أحبها. وبالتالي يمارس العادات والقيم السلبية والشريرة وهو في كامل سعادته وارتياحه النفسي، مدافعاً عنها ومبرراً لها.
  1. المعادلة الدرامية المتوازنة

تقتضي أصول الإخراج والتربية في مسرح الطفل أن تظل شخصية الخير والعمل الصالح هي الشخصية الأقوى حركياً وجاذبية، وأن تُصاغ الكوميديا من خلال المواقف الذكية والإيجابية، أو أن تُستخدم الفكاهة لكشف زيف الشر وضعفه بدلاً من تحبيبه إلى قلوب الأطفال.

رابعاً: محظورات إضافية يجب تجنبها في مسرح الطفل العربي

  1. المباشرة والوعظ المباشر
  • تحويل النص المسرحي إلى درس مدرسي أو خطبة مباشرة يفقد الفن مسرحيته ويسبب الملل للأطفال.
  • يجب تقديم القيم والمبادئ من خلال الموقف الدرامي والصراع الشائق والرمز اللطيف.
  1. الترهيب والعنف البصري أو الصوتي
  • المبالغة في الإضاءة المظلمة، أو الأصوات المرعبة، أو الأشكال الفظيعة للشخصيات الشريرة تسبب صدمات نفسية وجوفاً وخوفاً ينفر الأطفال من الفن.
  • الإبهار المسرحي يجب أن يكون ممتعاً وجذاباً ولا يتعدى إلى الترهيب.
  1. الاستهانة بعقل الطفل ولغته
  • تقديم نصوص سطحية أو السقوط في الاستسهال اللغوي بتبني العامية المبتذلة أو الإشارات غير اللائقة.
  • يجب الاستثمار في الفصحى المبسطة والجميلة التي تثري الحصيلة اللغوية والجمالية لدى المتلقي الصغير.

خاتمة ورؤية مستقبلية: نحو مسرح عربي مسؤول للطفل

إن مسرح الطفل ليس مجرد مساحة للاستعراض أو إثارة الضحك اللحظي، بل هو صرح تربوي وفني يساهم بفعالية في صناعة المستقبل وتشكيل وعي الأجيال القادمة. وإن التجاوزات التي نراها في بعض المهرجانات والعروض المسرحية العربية – سواء بتغيير المفاهيم الثابتة، أو إبقاء النهايات مفتوحة، أو تجميل الشخصية الشريرة بالكوميديا – تتطلب وقفة نقدية جادة من الكُتّاب والمخرجين والنقاد ومؤسسات التنشئة الاجتماعية.

إن الأمانة النفسية والتربوية تقتضي الحرص الكامل على الموازنة بين الإمتاع الفني والجمالي وبين المسؤولية الأخلاقية والتربوية. وبذلك يتسامى مسرح الطفل ليؤدي رسالته السامية في بناء طفل متوازن نفسياً، ومتمسك بقيمه، وواعٍ بذاته وعالمه.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock