د. زينب الأسدي تكتب: جماليات مقاومة الغياب.. مهرجان كركوك بوصفه شكلًا من اشكال البقاء.

المسرح نيوز ـ القاهرة: مقالات ودراسات
ـ
د. زينب الأسدي
فنانة وأكاديمية عراقية
تنطلق هذه المقالة من سؤال مركزي: كيف يتحول المسرح من نشاط فني إلى فعل صمود جمالي وذاكرة جماعية؟ وهل ينجح المهرجان في إنتاج خطاب مسرحي له ملامح خاصة، أم يكتفي بالاستمرار الرمزي؟
أن الدورة العاشرة تمثل بنية دلالية قبل أن تكون حدثًا فنيًا، وأن شحّ الإمكانات ولّد جماليات بديلة، وأن تعدد مكوّنات المدينة يجعل المهرجان مساحة حوار ثقافي نادرة ،اذعُرفت كركوك بتعدد مكوّناتها القومية واللغوية والدينية، من عرب وكرد وتركمان وآشوريين وكلدان، وهو تعدد أنتج ثراءً ثقافيًا، وأنتج كذلك توترات جعلت الفضاء العام فيها هشًّا، وفي مثل هذا الفضاء يكتسب المسرح وظيفة مضاعفة فهو من الفنون القليلة التي تجمع الناس في مكان واحد وزمن واحد، أمام حكاية واحدة، وللمدينة تاريخ مسرحي ممتد في المدارس والمراكز الثقافية والفرق الأهلية، غير أن هذا التاريخ ظل يتعرض للانقطاع كلما اشتدت الأزمات، ويستمد حياته من إصرار أفراد وجماعات أكثر مما يستمدها من سياسة ثقافية راسخة.
ومن هنا تأتي أهمية المهرجان فهو يمنح هذا الجهد المتفرق إطارًا جامعًا، ويحوّل المبادرات الفردية إلى تقليد سنوي يمكن البناء عليه في الثقافة المؤسسية، و لا يُقاس عمر المهرجان بالسنوات وحدها، بل بقدرته على اجتياز لحظات الانكسار والبلوغ إلى الدورة العاشرة يعني أن المهرجان تجاوز مرحلة الحماس الأول، وتراكم خبرة تنظيمية، وكوّن جمهورًا وذاكرة وعلاقات مع تجارب عربية ودولية.
وبهذا المعنى يصبح الاستمرار نفسه خطابًا، ويغدو حضور الفرق الضيفة إعلانًا بأن المدينة ليست معزولة، وأن الفن قادر على عبور الحدود حين تُغلق السياسة أبوابها.
ويحمل الطابع الدولي للمهرجان وظيفتين: الأولى رمزية تكسر عزلة المدينة وتعيد تقديمها للعالم بوصفها فضاءً للإبداع لا ساحة للصراع فحسب ،والثانية فنية تتيح للمسرحيين المحليين الاحتكاك بمدارس وأساليب مختلفة، وتضع تجاربهم في ميزان المقارنة الصحيح.
اذ يتجاوز دور المهرجان العروض ذاتها إلى ما يخلقه حولها، فهو يجمع الشباب الباحثين عن مساحة للتعبير، ويتيح للمرأة حضورًا في التمثيل والإخراج والتنظيم، ويستعيد عادة الذهاب إلى المسرح بوصفها طقسًا مدنيًا، وفي مدينة متعددة المكوّنات، يصبح وجود الناس معًا في الشارع للتفرج على حكاية مشتركة شكلًا من أشكال التعايش العملي، أبلغ من الخطب والبيانات، فالمهرجان فضاء عام مؤقت، تُعلَّق فيه الانقسامات اليومية، ويُنتج فيه معنى جمعي جديد وقيمته في كركوك تكمن في أنه يعيد للناس شعورهم بأن المدينة ملك لهم، وأن لهم حقًّا في الجمال والفرح.
مهرجان كركوك في دورته العاشرة يثبت إن الجمال ممكن حتى حين تضيق شروطه، وإن في المدينة إرادة حقيقية ورغبة صادقة في صنع الفن مهما كانت الظروف ،هو نافذة أمل بالفعل، لكن النافذة تحتاج إلى جدار يسندها دعم مؤسسي وتوثيق، ونقد جاد يرتقي بالتجربة بدل أن يكتفي بالتصفيق لها. وحين يجتمع الإصرار الذي أثبته القائمون على المهرجان مع الرعاية والمساءلة الجمالية، يتحول الصمود من ضرورة قسرية إلى مشروع ثقافي يليق بمدينة كركوك وتاريخها.



