الناقدة العراقية د. وجدان الخشاب تكتب: فلسفة التهريج في نص مسرحية (مُـهـرِّجون) للكاتب عماد مصطفى ابراهيم

المسرح نيوز ـ القاهرة: مقالات ودراسات
ـ
د. وجدان الخشاب
ناقدة من العراق
تُـعـدُّ مسرحية (مهرجون)* نصًا ثريًـا بالأبعاد النفسية والفلسفية، التي تكشف طبيعة العلاقة بين حاكم ومحكوم، وما يترتب عليها من مواقف وقرارات تتخذ طابعًـا تهريجيًـا وعبثيًـا ظاهريًـا، لكنّـه في بنيته العميقة يؤشِّر المأزق الكبير الذي يعانيه الوجود البشري، حيث يكاد الإنسان أن يكون ممثلًا يؤدّي دور المهرِّج الواقع العياني.
سأُحاول في هذه المقالة الاشتغال باتجاه تحليل الشخصيات المشاركة في هذا النص، وتخصيصًا شخصية الملك وعلاقته بوزيره، والبنية النفسية التي تحكم كلًا منهما، وتأثيرات السلطوية التي تبدو جليّة في سلوك الملك، وما تتركه هذه السلطوية من آثار على شخصية الوزير.
تنشأ حبكة النص المسرحي من خلال ترتيب عناصره وتسلسل أحداثه حسب مبدأ السبب والنتيجة، فكل حدث فيه يولد من الحدث الذي سبقه وأدّى إليه، وهذا ما يمنح حبكته تماسكها، وفي النص مدار المقالة تبدأ الأحداث من خلال إرشاد مسرحي يشير الى الملك، وينصُّ على “يجلس على عرشه مستمراً بالتنهد والشرر يتطاير من عينيه غضباً، يدير وجهه لليمين تارة، ولليسار تارة أخرى، ينهض ليسير ثم يعود ليجلس وهكذا الحال للحظات”.
فالملك إذًا يعتريه غضب شديد تكشف عنه حركاته المتوترة التي يتابعها الوزير بقلق، فيبدأ بمحاولة معرفة سبب هذا الغضب متوسلًا ومتذللًا، ويطرح على الملك فكرة أن يُسرِّي عنه، لكنَّ الملك ينهره ويقول له “لا لا اريد كلاما وحسب. بل أفعال…”. ويكون رد فعل الوزير سؤال عن هذه الأفعال، وهذا ما يكشف عن انقطاع التواصل والانسجام التام بينهما رغم استمرار حوارهما من جهة، وسببًـا في المواقف التالية من جهة مقابلة.
يذكّر الملك وزيره بأنّـه أراد أن يخرجه من حالة السأم التي يعانيها، ويطلب منه الإسراع في التنفيذ، فيرد الوزير “أظن أن الأمر باستطاعتي يامولاي.. سأتحرك. نعم. سأتحرك”. فيرتفع مؤشِّر الغضب لدى الملك، فـ “يتقدم نحو الوزير ويضع يده على كتف الوزير ويتنهد كما لو كان يتوعده تظن؟! تقول بأنك تظن”. والظنّ يحمل دلالة الشك والتردد ضمنيًـا، ولهذا يرفضه الملك رفضًا قاطعًـا، وعندما يتحرك الوزير للتنفيذ يستوقفه الملك قائلًا “لا تلفظ كلمة أظن، مرة أخرى.. (يهمس في أذن الوزير) لأنك لو قلتها ثانية..
أظن أنا أيضاً بأن (يضع سبابته على رأس الوزير) رأسك الجميل هذا قد يغادر مكانه.. أفهمت؟!”. هنا يتجـلّى استبداد سلطة الملك، لأنَّ العلاقة التي تربطهما ليست علاقة أُفقية قائمة على شكل من أشكال المساواة والتقارب، بل هي علاقة عمودية مبنية على القسرية والتهديد الوجودي، والسلطة الملكية ترفض الشك والتردد والظنون، بل تطلب اليقين التام بالقدرة على الفعل ثُـمَّ تنفيذه.
عُـرفت شخصية المُـهـرِّج بأنّـها شخصية ملهاوية تؤدّي دورها في السيرك أو في المسرح للتسلية والترفيه، وهذا ما دعا الوزير الى جلب مُـهـرِّج عـلّـه يغـيّر مزاج الملك ويمتِّـعه، واختار الكاتب عماد أن يكون المُـهـرِّج شخصية مُسطّـحة ذات بُـعد واحد، فعرض حركات بهلوانية مصطنعة أضحكت الوزير، وأثارت استياء الملك، ويلاحظ المتلقي هنا أنَّ اختيار هذه الشخصية بهذا التوصيف لم يكن عشوائيًـا، بل كان قصديًـا للإشارة لفعل التهريج، وهذا ما ستكشف عنه الأحداث اللاحقة من النص.
تسعى النصوص الأدبية على اختلاف أجناسها، ومنها النصوص المسرحية الى عرض الآراء والمواقف ذات الدلالة الفلسفية، التي يعرضها الكاتب على ألسنة شخصياته محاولًا استنطاق هذه الذوات، والكشف عن رؤيتها للواقع المتوشِّح بالتناقضات، وهذا ما شغل الكاتب عماد في نصّه هذا، فوجود المُـهـرِّج كان سببًـا دافعًـا لإثارة تفكير الملك الذي كشف عنه حواره الذاتي في هذا المقتطف من النص “اننا في هذه الحياة، لسنا ملوكاً ومملوكين..
بل لسنا أسياداً وعبيداً. ولسنا.. سوى مهرجين (تنهيدة عميقة) مهرجون من أجل الحياة، والحياة كذلك تتطلب أن نلعب الدور (يدور حول نفسه) مهرجون.. مهرجون.. مهرجون”، فالملك في هذا الحوار كشف عـمّا يجول في تفكيره من أفكار تتناقض تمامًـا مع كينونته الملكية، وفي الوقت ذاته تؤشِّر وعيه العميق بأنَّ هذه الكينونة إنّـما هي وهم، ولا يكتفي بذلك، بل يعمل على تعميم التهريج بوصفه حالة ورؤية وجودية يتساوى فيها الجميع أي السادة والعبيد.
إنَّ الحبكة المسرحية في هذا النص تتخذ نسقًـا تصاعديا، من خلال الحوار بين الملك ووزيره، حيث يخاطبه بقوله “الناس مقامات”، و”العقول درجات”، ولولا هذا لأصبح الجميع “ملوكاً ووزراء وقادة ونبلاء”، لكنَّ الوزير يصرِّح عن عدم فهمه لكلام الملك بقوله “مازلت غير قادر على استيعاب مرادكم يامولاي”، فشخصية الوزير تُـعبِّـر عـمّـا يدور في داخلها، وتحدد شكل وجودها وقيمتها بما تنطقه، وبهذا تؤدّي دورها الوظيفي في هذا النص، والذي يكمن في محدودية فهمها رغم درجتها المتقدمة في سلّـم الحكم، لكنَّ الملك يؤكّـد له أنّـه لو فهم المقصود من هذا الكلام، لجلس على عرشه ولبس تاجه وملابسه.
يُـعـدُّ تبادل الأدوار حيلة من الحيل النفسية التي يلجأ إليها الكاتب في نتاجه؛ لتحقيق هدف أو أكثر، وهذا ما عمد إليه الكاتب عماد في هذا النص، حيث جعل الملك يطلب من وزيره أن يجلس على عرشه، ولكنَّ الوزير استصعب الأمر بدايةً ثم نفـذّه غصبًـا، وهذا ما يكشف عن الطبيعة التعسفية للملك من جهة، والى رغبته في فهم مشاعر الوزير ودواخله ومدى طاعته من جهة مقابلة؛ ولهذا يخبره “بأن كل شيء في هذه الحياة له ثمن”، وكان هذا الثمن بأن يقوم الوزير بأداء حركات راقصة وبهلوانية للترفيه عن الملك، وهو سبب كاف لنتيجة تمثّـلت في أنّـه وصفه بالمُـهـرِّج، وهذا بالتالي يؤكِّـد قصدية الكاتب عماد في تظهير صفة التعسّف في شخصية الملك، وذلك بإجبار الوزير على أن يكون مُـهـرِّجًـا بطريقة مباشرة.
في تطـوّر لاحق يطلب الملك من الوزير أن يتحفه بحكمة استفادها من الحياة، فيشعر الوزير بالخوف ويحدِّث نفسه قائلًا “كيف لي أن أحدثه بحديث فيه من الحكمة ما قد يعجز عن إدراكه؟!”، يلاحظ المتلقي هنا أنَّ الكاتب عماد أضفى على الموقف مسحة انقلابية صادمة، أسهمت في تصعيد الأزمة بين الملك والوزير، فالوزير الذي كان متذللًا يطلب رضا الملك ويعجز عن فهمه، أصبح الآن يرى الملك عاجزًا فكريًـا، ولا يمكن له أن يفهم أي حكمة سيعرضها عليه،
ولكنّـه مع ذلك ينـفِّـذ أمر الملك ويقول له “بضدها، تُـعرف الأشياء”، فيتعجب الملك ويطلب تفسيرًا، فيخبره الوزير “يامولاي، كيف لأي أحدٍ منا، أن يعرف حق المعرفة، الخير من الشر؟! ثم كيف لأي أحدٍ كان أن يعرف اللون الأبيض من الأسود؟! إلا بعد المقارنة بين الضد وضده”، هنا يطرح النص فلسفته في قضية الخير والشر التي تُـعـدُّ من أقدم القضايا التي ناقشها واهتمَّ بها الإنسان، ويبدو أنَّ الكاتب عماد طرحها قصديًـا في هذا النص؛ لأنَّ الوزير يرى في أفعال الملك السلطوية ما لا يتفق مع طبيعة الخير أو الفضيلة، بل تنمُّ أفعاله عن السوء والفساد الذي يتفق تمامًـا مع طبيعة الشر، وهذا بالتالي يمثّـل نقدًا صريحًا لما تملكه السلطة أحيانًـا من قدرة على أداء سلوكيات أبعد ما تكون عن الأخلاقيات الخيّـرة.
يُـظهِر الملك إعجابه بتفسير الوزير للحكمة وربطها بالحياة الذي ينصُّ على “يوم صعب يمر علينا وكأنه سنة كاملة، ثم يتبعه يوم آخر سهل ويسير، تجري فيه الأمور كأسهل وأيسر ما يكون، حتى لكأن هذا اليوم بطوله وعرضه ساعة من نهار”، وهذا نقل حرفي للواقع العياني الذي نعيشه، وبذلك يصبح المسرح والحياة سواء، لكنَّ إعجاب الملك لا يستمر، فرح الوزير يختفي حين يخبره الملك بأنّـه لا يزال مُـهـرِّجـًا من وجهة نظره، وفي هذا استمرار للاستهزاء والسخرية من الوزير بل فيها احتقار وإذلال، ولا يكتفي الملك
بهذا التوصيف بل يقدم تفسيرًا “لأنك مهرج أمام الملك ووزير الملك أمام الناس” و”وكذلك الحاجب، هو مهرج أمامنا كما هو صوتنا القوي أمامك وأمام الناس” و”والمهرج الأكبر في هذه المملكة هو.. أنا. نعم. أنا.”، يكشف هذا المقتطف من النص المسرحي عن مواجهة صريحة ليس بين الملك والوزير فقط، بل بين الملك ونفسه، فهي حالة نزع القناع الوهمي الذي كان الملك يلبسه بحكم سلطته الشرعية، وهبوطه الحاد من علياء عرشه وتحـوِّله الى وسيلة للإضحاك،
ولكنّه سرعان ما يتوغل في التصريحات المتناقضة والمتعاكسة، فيعلن عن رغبة دفينة يكشف عنها المقتطف الآتي من النص “اريد أن أعيش لحظات الطفولة” و”فبين الحين والحين أرقص وأغني وأضحك من أعماق أعماقي. لكي استمد القوة وأتمكن من مزاولة التهريج على العامة”، يمثّـل الحنين الى الطفولة وسيلة دفاعية ونفسية في الآن ذاته، فبين ضغوطات الحياة اليومية ومتطلباتها تصبح رغبة الهروب حاجة من احتياجات النفس البشرية العاطفية؛ لفكِّ أسر المسؤوليات الثقيلة، والعودة الى حياة اللا مسؤولية والنقاء والتلقائية، وفي نصنا المسرحي هذا يؤكِّـد الملك أنّـه يرغب بالعودة الى الطفولة بوصفها آلية تسهم في تسهيل مزاولة التهريج على شعبه، وليس هدفه الترفيه عن نفسه فقط.
يلعب التناقض النفسي الذي تعيشه الشخصيات دورًا كبيرًا في تكوين الأفكار والمواقف من جهة، وفي دفع الأحداث المسرحية نحو ذروة الأزمة من جهة مقابلة، وهذا ما سيواجهه المتلقي في شخصية الملك، الذي يستذكر كيف بدأت فكرته عن التهريج بالتبلور منذ اللحظة نادى فيها المنادي معلنًـا عن وفاة والده الملك وتسلِّمه الحكم، والمعروف في أُصول الحكم وفلسفة تداول السلطة أنَّ ولي العهد يستلم عرش البلاد في اللحظة التي يموت فيها الملك،
أي لا يمكن السماح بحصول فراغ في السلطة؛ لأنَّ الملك إنسان يموت لكنَّ الدولة وعرشها لا يموتان، ويتجلّى التناقض النفسي الذي عاناه الملك آنذاك في تصريحه النصيّ الآتي “فما بين الحزن الشديد على أبي الملك الذي فارقنا الى العالم الآخر. كانت سعادتي لا توصف وأنا أعتمر تاج الملك، وأجلس على عرشه”، إذًا لا وقت للحزن ولا وقت للاستعداد النفسي، بل هو وقت “الحكم بالحكمة والكلمة والقوة والحديد والنار”، فالملك لا بُـدَّ له من أن يقوم بممارسة دور القوة والعظمة بالسيطرة التامة على الشعب، مقابل كتمان ذاك النزوع الطفولي الذي لم يبارحه،
أمّـا الوزير فقد أخذه الاستغراب تمامًـا وهو يسأل الملك عن “كل ذلك الكم من الهموم والآهات والتناقضات”، دون أن يعرف بها وهو مرافقه منذ سنين، فيصدم بجواب الملك “لو أنك عرفت بكل ذلك منذ زمن، لما صحّ لي أن أكون ملكًا لسنين، وكذلك ما كنت لأكون سيد المهرجين..”، يلاحظ المتلقي هنا أنَّ الصراع بين الملك ووزيره بدأ يأخذ اتجاها بعيدا عن التبعية والإذلال، بل أصبح مواجهة وجودية تلـوّح بالخطر الذي سيحيط بالوزير؛ وهذا ما سيكشف عنه تصريح الملك “انني كشفت لك أوراقي القديمة.
وقلت ما يجب أن يُـقال”، يُشكِّل هذا التصريح اعترافًـا علنيًا بانكشاف الأسرار التي لا يجب أن تنكشف؛ لأنّـها تخصُّ الملك وحكمه، وبالتالي فهي منبع خطورة كبيرة لا بُـدَّ للملك من القضاء عليها، ولهذا تنتهي المواجهة بينه وبين الوزير بإشارة خفية للحاجب بأن يقتل الوزير، وترافقت صرخة الوزير بقهقهة الملك العالية وترديده لجملة “كلنا مهرجون”، عدة مرات.
تًـكـرِّس هذه النهاية الدموية – بوصفها نتيجة للأحداث التي سبقتها – مأساة عبثية الوجود الإنساني، فالملك برغم سطوته الظاهرية هشّ جوهريًـا، ورغم قناع سلطته السميك فإنّه يؤمن ايمانًـا مطلقًـا بأنَّـه مهرج، والإنسان تحت أي عنوان ينضوي يظل مهرجًـا، لأنَّ مصيره الحتمي يقع بين نقطتي الولادة والموت.
ـــــــــــــــــــــــــ
*أنا ملك.. أنا ملك: عماد مصطفى إبراهيم، نقابة الفنانين العراقيين – المقر العام، ط1، 2026م.




