مقالات ودراسات

الناقد الفلسطيني تحسين يقين يكتب: رسائل المسرح الصحراوي: جماليات جديدة تعانق قيم المكان


المسرح نيوز ـ القاهرة| مقالات ودراسات

ـ

تحسين يقين*

ناقد فلسطيني

 

ترى إلى أين يأخذنا هذا المختبر الفني مسرحيا وفكريا وقوميا وإنسانيا؟

عبقرية الثقة في الذات المفكرة والملتزمة، والثقة في المجموع، في الثقافة والفن، ومن خلالهما، لمنح هذا الفضاء متسعا لإعادة النظر لأنفسنا: المكان الرحب والأزمنة الرحبة.

منذ عقود، ولا نبالغ إن قلنا قرونا، ونحن نحاكي الفن المسرحي الوافد، وهذا جميل، وتلك هي تفاعلات الثقافات والحضارات، ولكن من الأجمل إعادة تأصيل المنجز العربي في التاريخ والأدب والفن، من خلال فضاء واسع يفتح القلب على مصراعيه، ويمنح الفكر فضاء حرا للتجريب.

كانت الشارقة على موعد مع الدورة الخامسة لمهرجان المسرح الصحراوي، لاستئناف تجليات الفكرة التي نمت، واستقطبت ليس الفرق الفنية فقط، بل والكتاب والنقاد والمفكرين، لاستجلاء الفكرة التي صارت عروضا للجمهور والنخب معا.

هنا على رمال الكهيف، وتلالها، تعود الحكايات بثوب معاصر، لا من خلال التقنيات فقط، بل من خلال سياق الحياة، حيث يحيلنا عرض الافتتاح إلى عرض افتتاح العام الماضي، فإذا أعلى افتتاح “الفزعة” أمس من قيمة العلم، فإن “مطايا البيان” اليوم يعلي من قيمة التسامح ونبذ الفرقة، من خلال نص للكاتب فيصل جواد، ومن إخراج محمد العامري، اعتمد على فكرة التأويل، والتي أوصلتنا إلى ما نعاني منه على عدة مستويات بدءا بأصغر دائرة وليس انتهاء بالدائرة القومية.

رسالة ذكية ونبيلة، تدعو إلى حسن الثقة بالشقيق وابن العم، فحين يسرّ الأب لأبنائه برسالة “أبناء عمومتكم يطمعون بما في رؤوسكم ويطلبون قلوبكم”، كل على حدة، فإن كل منهم يتصرف وفقا لفهمه ولما داخل نفسه من هوى، فيكاد أبناء العمومة يقتتلون، إلا من ثالث فهم الرسالة بعيدا عن إضمار الشر، من خلال حكته وطيبته، محيلا إلى ما في العقول من خبرة وحكمة وما في القلب من محبة.

بمعنى أنها دعوة نبيلة وضرورية لإعلاء قيمة العلم والحكمة، لتجنب سوء الفهم والنية، الذي صار سببا لهذه التشظي.

يأتي الحديث عن “مطايا البيان” ، في ظل التزام المهرجان الموضوعي بالقيم العربية الأصيلة، حيث ركزت التجارب الخمس على قضايا الإنسان العربي، وفي مقدمتها أيضا دور المرأة البدوية-العربية في حفظ التوازن، من خلال عرض الأردن الشقيق، في حين يستعيد العرض الكويتي مأساة واقعة الطاعون في الثلث الأول من القرن التاسع عشر، وما أفرزت من مشاعر وردود فعل، لترسيخ قيم المقاومة والصبر، في حين استعاد العرض الموريتاني إشكالية دور الماضي في إثارة النزاعات، والانتصار لقيم المحبة، من خلال قصة حب ربطت امرأة ورجل من قبيلتين، أما العرض العراقي فاستلهم من التراث ما يتحدث به عن الآن، لزراعة الأمل والبدء من جديد.

إن الحديث عن المضامين هنا يأتي في سياق نقل الجمهور من صالة العرض إلى فضاء الصحراء نفسه، بتدخلات تقنية فقط، حيث يصبح الشكل هنا أسلوبا يجمع بين الفنون المشهدية، ويتيح المجال لعرض واقعي حقيقي، بممكنات إدخال المجاميع البشرية والخيول، وخلق طقس خاص يدخل المشاهد عمقا شعوريا، فهو في لحظة يكون مسرحا وأخرى يكون دراما إذاعية وتلفزيونية وسينمائية، وتلك هي فكرة صاحب السمو د. سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة، ككاتب ومفكّر ومسرحي عريق، حين أنبت الفكرة هنا، لتصير عروضا لنقل رسائل عميقة الأثر التزاما بقضايا الإنسان العربي.

وبالرغم أن هذا المهرجان ما زال يثير جدلا ونقاشا في الشكل والمضمون، إلا أنه يمضي ويتوسع كل عام، جاذبا المسرحيين/ات العرب لدخول هذه التجربة الأدائية.

ونحن هنا في ظل مواصلة مأسسة الفكرة والتنفيذ، نجد فيه مختبرا خصبا فكريا وجماليا لتقديم عرض فرجوي مثير وجذاب، ينقل الناس من البيوت والصالات الى الصحراء نفسها، منشأ الحكايات. وهي محاولة مسرحية لا لنفي المسرح التقليدي، ولا خلق بديل، بل لخلق خط إبداع موازيا، يستفيد من المسرح التقليدي بل ويفيده في الوقت نفسه.

ولعل هذا المخيال الشعبي أخيرا وصل إلى مكانه وأزمنته، من خلال تشجيع المسرحيين للتفكير والخيال الحر، لاستلهام طاقة المكان بحكاياته، لعل ذلك أيضا ينهض بالمسرح العربي ويجدده ويسهم في تأصيله.

من هذا المنطلق التعددي في خلق أساليب ومذاهب على مستوى الفرجة في فضاءات متنوعة بدءا بقاعة المسرح وصولا إلى فضاء صحراوي حقيقي وكبير، فإن هذا المهرجان بهذه الهوية يشكل إضافة نوعية للمسرح بشكل خاص والفنون والثقافة بشكل عام. وسيكون كذلك بحثا في المكان ومن حل به وما صار فيه وما زال يصير، باتجاه استعادة النقاء أيضا.

ومن خلال العروض نجد أنه كل عام يسهم في بحث ممكنات التفاعل بين أشكال السرد، الأدب والحكايات الشعبية، والتاريخ، حيث تشارك الفرق وتتبادل الخبرات بينها، وتستمع في المسامرات الفكرية للحديث عن كل عرض على حدة، وعن هذا الشكل المسرحي بشكل عام، باتجاه بلورة الفكرة.

ولعل الثقافة العربية والفنون تلتفت فعلا إلى فضاءات الصحراء المادية والفكرية والاجتماعية والأدبية، أضافة لما التفتت اليه في المدن والريف العربي؛ كون الصحراء والواحات والبرية ما زالت حاضرة واقعا سكانيا وثقافة.

فهل سيستمر المسرحيون العرب/ات في اختبار المسرح الصحراوي سواء في إعادة اكتشاف البعد الصحراوي مكانا وثقافة وهو أحد عناصر التكوين الثقافي؟

وبأي منهج؟ هل سيأتي من خلال المحاكاة وإعادة إنتاج الماضي؟ أم من خلال جهد إبداعي يربط الماضي بنا والغد، بانيا على ما هو إيجابي في المنجز الإنساني؟

إن تشجيع التفكير في الشكل الفني-والمسرحي، إن جاء من خلال التفكير في حياتنا الاجتماعية والسياسية، وفق نظرة نقدية، سيكون له الأثر في خلق المتعة الفنية لجمهور يبحث عما هو جميل وما له علاقة بسياق حياته ومستقبله.

نتأمل لوحة المهرجان المذهبة، التي تجمع العناصر الأصلية للصحراء، لتؤكد على العامل الذاتي، وكيف أبدع الأجداد في العيش هنا، بأقل وأبسط الأشياء لإنجاز بقاء الإنسان الذي يساهم اليوم في بناء الحضارة الإنسانية.

حين كانت إحدى الفرق العربية تغني مقطعا تراثيا بدويا، كنت أرى باقي الفرق تردد معهم، قلت لعل عناصر الوحدة الجمالية دلالة كبرى على ارتباط المصير.

Ytahseen2001@yahoo.com


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock