غير مصنف

قراءة في إصدارات الدورة 33 من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي (4) كتاب: المسرح والرقمنة

قراءات يقدمها الكاتب والناقد العراقي: حيدر عبدالله الشطري


المسرح نيوز ـ القاهرة: إصدارات

ـ

الكاتب والناقد العراقي: حيدر عبدالله الشطري

 

الكاتب والناقد العراقي: حيدر عبدالله الشطري
الكاتب والناقد العراقي: حيدر عبدالله الشطري

يحمل هذا الكتاب عنوانا مباشرا وصادما لكل من يعتقد ان الفن الحي يكره التكنلوجيا، وهو كتاب يقلب الطاولة على كثير من المفاهيم الكلاسيكية. وقد صدر حديثا ضمن منشورات مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي وهو من ترجمة الدكتور عمر فرتات.
والكتاب في أصله ليس تأليفا فردياً وانما هو ترجمة ذكية ومحددة لعدد خاص من المجلة الفرنسية العريقة (مسرح /جمهور) theatre/ public الصادر عام 2025.
وحين نخوض في محتوى الكتاب نجد اننا لسنا أمام تنظير ممل وبارد فالتكنلوجيا تبتلع كل شيء من حولنا وكان لابد للمسرح أن يواجه هذا الوحش او يتحالف معه.

والدكتور عمر فرتات ألتقط هذه اللحظة الحرجة وقدم للقارئ كتابا مفاهيمياً كاملا يسد فجوة كبيرة في المكتبة النقدية العربية ، فالرقمنة هنا ليست مجرد شاشة عرض في خلفية المسرح استخدمت لإبهار الجمهور وليست مؤثرات بصرية بسيطة انها اعادة كاملة للدراماتورجيا لجسد الممثل ولمفهوم اللقاء الحي الذي طالما اعتبرناه مقدسا في العمل المسرحي.
والكتاب متشعب وضخم في طرح مادته العلمية ومقسم بذكاء بين دراسات نقدية رصينة وحوارات حية ومباشرة مع صناع ومخرجين يعملون بأيديهم يوميا ببرمجة العروض.

الدراسة الافتتاحية للكتاب كانت للباحثة (ليزا غوتييه) تحت عنوان (من شاشاتنا الى الخشبة…دراماتورجيا العوالم الرقمية) تأخذنا الكاتبة في رحلة مذهلة تبدأ من تتبع مفهوم ثقافة الـ (geek) وكيف تحولت من وصمة اجتماعية للشخص الساذج او المنعزل الى عصب الثقافة الشعبية المعاصرة، فالجمل هنا تقفز بين تاريخ المصطلحات في اللغة الجرمانية القديمة وبين العاب حديثة مثل (فورتنايت، ميتافيرس).
والمسرح لم يعد يتعالى على هذه الثقافة واصبح يسرق آلياتها علناً، وهذا أمر مثير للاهتمام حقا أن نرى كيف يتم استدعاء برتولد برشت في هذا السياق المعاصر، فبريشت بنظريته القديمة عن الراديو في عشرينات القرن الماضي كان يحلم بجهاز اتصال يجعل المستمع يتكلم بدلا من أن يستهلك بسلبية.
واليوم تحقق العاب الفيديو وشبكات التواصل الاجتماعي نبوءة برشت الطوباوية ولكن بلمحة رأسمالية مرعبة حيث يمتزج اللعب بصناعة النجومية الافتراضية، ويظهر هذا بوضوح صاعق عند تفكيك مسرحيات حديثة مثل (دادي) للمخرجة (ماريون سيفير) ففي هذا العرض تدخل طفلة في الثالثة عشر الى فضاء لعبة حقيقية بجسدها الفيزيائي والمخرجة هنا تلغي الحدود تماما وتجعل الجمهور المسرحي يقوم بدور قاعدة المعجبين المتلصصة في نقد مرير وآسر لمنظومة التأثير الرقمي التي تدمر البراءة.

والشيء الذي جعلني اقف طويلا وأشعر بالحماس هو ما طرحته الباحثة استر فوكو في دراستها (حين يصعد الذكاء الاصطناعي على خشبة المسرح) فالخيال البشري كان دائما الحصن الاخير للإنسان ولكن ماذا يحدث عندما تصبح الالة شريكا في العملية الابداعية؟ عندما يرتجل الذكاء الاصطناعي التوليدي نصوصا وأصواتا وبيئات افتراضية في نفس لحظة العرض الحي، فوكو تتحدث هنا عن انزياحات ابداعية والمسرح يثبت مجددا انه وسيط قادر على ابتلاع الروبوتات والبرمجيات ومعاملتها كشخصية درامية مساوية للبشر تماما، والامر لا يتوقف عند النصوص ويمتد الى الجسد نفسه فلغات التصفح الرقمي واخطاء البرمجيات او ما يعرف بـ ( GLITCH) تحولت الى كيروغرافيا بصرية ، فالممثلون على الخشبة في عروض مثل (انجيلا حلقة غريبة) للمخرجة سوزان كينيدي يتحركون كشخصيات غير قابلة للعب (PNJ) المستمدة من العاب مثل (سكايرم) حيث اجساد ميكانيكية وتكرار حركي وعدم تزامن بين الصوت الحقيقي والصوت المسجل، وهذا التغريب يخلق صدمة جمالية لدى المتفرج ويجبرنا على التساؤل: هل نحن من نتحكم بالشاشات أم اننا أصبحنا مجرد كائنات مبرمجة داخل هذه اللعبة؟.
الكتاب يقدم نماذج شديدة التنوع لكسر الجدار الرابع ولتدمير الجدار الخامس كما جاء في حوار ستار كيير حيث نرى (مسرح الهروب) المستوحى من الالعاب التفاعلية ونرى عروضا تجري بالكامل داخل بيئات الميتافيرس عبر منصات Vr Chat  حيث يختفي الممثل البشري خلف آفاتار رقمي ومع ذلك فان هذا الآفاتار المصنوع من الصفر يحمل بصمة انسانية فريدة من خلال الصوت والايماءة وحركة المؤدي الحقيقي الكامن وراء القناع الرقمي.
وترجمة هذا الكتاب هي مغامرة شجاعة خاضها المترجم في حقل الغام اصطلاحي فمفاهيم مثل (Autoteatro) أو (Reenactment) أو تفاصيل (الجيم دزاين) لا تملك مقابلات مستقرة في النقد العربي التقليدي، ولذلك فان اضافة جدول المصطلحات والمفاهيم والعبارات التقنية والفلسفية في نهاية الكتاب يعتبر كنزا حقيقيا للباحثين ومحاولة جادة لتأسيس معجم عربي للمسرح الرقمي المعاصر.
وهذا الكتاب اعلان في وجه كل من يرى ان المسرح فن ماضوي يحتضر في زمن التيك توك والذكاء الاصطناعي انه يثبت ان المسرح يمر باجمل فترات تحوله مستفيدا من هذه المساحات الرقمية التفاعلية ليصنع تجارب تتجاوز حدود الجسد والزمان وبعد الانتهاء من قراءة الكتاب وجدت ان الرقمنة غيرت المسرح أكثر مما اضرت به وقد تكون هذه التغييرات مربكة احيانا لكنها فتحت امام العرض مساحات جديدة للتجريب.

 


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock